ما معنى "كفى" وما هو البديل؟

ما معنى "كفى" وما هو البديل؟

مجاهد ديرانية

متى كانت "كفى" بحاجة إلى تفسير؟ ما فينا مَن يجهل معناها ولا فينا أحدٌ إلاّ قالها في يوم من الأيام. تقول لطفل مشاغب: "كفى"، بمعنى: كُفَّ عن المشاغبة، وتقول لطالب كسول: "كفى"، بمعنى: توقف عن الكسل. فإذا قلتها لطرفين مختلفين فإنك تريد: "توقفا عمّا أنتما فيه". ولكنها لا تصحّ إلا في المتعادلَين المتكافئَين اللذين يملك الآمِرُ سلطةً ونفوذاً عليهما، سواء كان نفوذاً معنوياً أو مادياً، كسلطة الأب على أولاده أو الصديق على أصدقائه. فإذا اقتتل اثنان من أولادك أو اختصم اثنان من أصحابك وقلتَ "كفى" فإنك تقصد أن يتوقف كلاهما عن الاقتتال والاختصام.

ولكن ماذا لو لم يكن الطرفان متكافئين أو لم يكن لك نفوذ على أحدهما؟ ما فائدة "كفى" في مثل ذلك المقام؟ لو أنك شاهدت رجلاً يعدو هارباً وفي إثره دب هائج فهل تصرخ فيهما "كفى"؟ ولو فعلت فما معنى "كفى" هنا؟ إن معناها الظاهر هو أن يتوقف الدب عن الهجوم والرجل عن الهرب! ولكن الدب الهائج لا يعقل، فلم يبقَ إلا أن المقصود هو الرجل المسكين. إنك تقول له: كفى، توقف عن الهرب واستسلم لمخالب الدب وأنيابه، استسلم لحتفك المحتوم.

هذا هو حال مَن يوجّه نداءً بالكفّ والتوقف فيُشرك فيه نظامَ الاحتلال الأسدي الطائفي الملعون والشعبَ السوري الضعيف المستباح المَهيض الجناح. ويا ليت النظام كان دُباً هائجاً وحسب! إنه يجمع بوحشيته وغدره ومكره بين طبائع السباع والضباع والذئاب والثعالب والأفاعي والعقارب، فمَن أَمِنَ أن ينام في قفص مع تلك الوحوش جميعاً فلا بأس عليه أن يفكر بالتفاوض والتفاهم مع نظام الاحتلال الأسدي الذي يحتل سوريا منذ نصف قرن ويذيق السوريين ألوان العذاب.

*   *   *

ما البديل؟ علينا أن نبحث عن البديل، ولكن اسمعوا أولاً هذه الحكاية. انتشرت قبل خمسة قرون تجارةُ الرقيق عبر المحيط الأطلسي، فكان القراصنة يخطفون السكان الأفارقة من قراهم في غرب القارة الإفريقية ويكبّلونهم بأغلال الحديد ثم يشحنونهم في سفن العبيد إلى العالم الجديد، إلى حيث لا يعود الذاهبون، وحيث ينتظرهم العذابُ الأليم في رحلة الموت وينتظرهم العذابُ الدائم في أرض الرق الجديدة. هذا الجزء من الحكاية حقيقي ويعرفه أكثر الناس، فاسمحوا لي أن أضيف إليه تتمة من وحي الخيال:

ذات يوم استطاعت جماعة من أولئك الأسارى -فيها رجال ونساء وأطفال- أن تفكّ قيودها وتقفز إلى الماء بمركب صغير. لقد بدأت الجماعةُ رحلتَها الصعبة إلى الحرية وهي مُفعمَة بالتفاؤل، ترجو أن يكون البرّ قريباً وتأمُل أن تمرّ بها سفن عابرة فتوفر لها الحماية وتحملها إلى الأمان. ولكنّ أسابيعَ طويلةً انقضت ولم يظهر البَرّ في الأفق، ومرّت بالقارب البائس مئةُ سفينة فلم تُبالِ واحدةٌ منها به ولا بمعاناة راكبيه وما يقاسونه من جوع وعطش وما يلحق بهم من عذابات وآلام.

لقد أدرك أهل المركب أخيراً أن رحلتهم طويلة وأن البر بعيد، وأدركوا أن السفن لن تنقذهم لأن أصحابها شركاء في تجارة العبيد ولا يسرّهم أن تنجح جماعة من الأسارى بالفرار من العبودية إلى الحرية. فماذا يفعلون؟

هنا قال بعضهم: ليس لنا إلا العودة إلى السفينة التي هربنا منها أول مرة، فإنّ فيها الأمانَ من خطر البحر وفيها من الماء والغذاء ما يُبقينا ويبقي أطفالنا أحياء، ولعلنا نفاوض الربان فيتنازل لنا عن السفينة ونعود بها إلى الوطن الآمن. قال آخرون: هذا وَهْمٌ وخيال، فإن القرصان لا يتخلّى عن كنز سطا عليه أبداً. سوف يستعبدكم من جديد، فما قيمة الماء والطعام إذا كانا لا يُقدَّمان إلا لمن غُلَّت يداه وقدماه بالأغلال؟ وما فائدة أمان أسابيع إذا كانت عاقبتَه عبوديّةُ العمر؟

قال الأوّلون: إنكم قساة لا تبالون بعذابات الأطفال ومعاناة الأمهات. انظروا إلى الصغار كيف تشقّقت شفاههم من العطش وتقبّضت بطونهم من الجوع. قال الآخرون: بل نحن أرحم بهم منكم، فإنّا نعرّضهم لهذا العذاب العارض فراراً من عبودية الأبد. وهَبوا أننا عدنا إلى السفينة مستسلمين، فهل تأمنون أن لا ينتقم منا ربّانها شَرّ انتقام؟ أما علمتم ما يصنع القراصنة والربابنة القُساة بالمتمردين؟ سوف ينتقم منا ومن النساء والأطفال انتقاماً يُنسينا أهوال البحر وشقاء الرحلة. ثم فكروا: لو أننا أنهينا مغامرتنا الحالية بالاستسلام ثم بدا لنا أن الاستمرار كان هو الصواب، فمِن أين لنا أن نعود إلى حيث كنا في قارب النجاة؟

*   *   *

نحن بحاجة إلى مبادرة بالتأكيد، لا يشك في هذا عاقل، ولكنّ في المبادرات نوعين لا حاجةَ لنا بهما على الإطلاق: نوعاً يكون النظام طرفاً وشريكاً فيه، ونوعاً يوهن العزائم ويدعو إلى الاستسلام. يجب أن يتفق أهل الثورة جميعاً على قاعدة القواعد في هذه الثورة قبل تقديم أي مبادرة: لا استسلامَ ولا توقّفَ مهما بلغت التضحيات، لأن ثمن التوقف والاستسلام سيكون أشنع وأبشع من كل ما مَرّ بالثورة إلى اليوم من أهوال.

ربما كان قرار البدء بالثورة صحيحاً وربما كان خاطئاً، لا يهم، هذا أمر تجاوزناه منذ زمن، ولو أننا عرفنا مَن الذي بدأ الثورة فربما استطعنا أن نسائله ونحاسبه، ولكننا لن نجده أبداً لأن أحداً منّا لم يبدأ هذه الثورة؛ إنها الثورة التي صنعها الله. ومهما اختلفنا في حكمنا على مبتدَئها فإن الحكم على منتهاها غيرُ قابل للاختلاف: لا سبيل سوى الاستمرار حتى إسقاط النظام، ولن يسقط النظام ولن يستسلم المجرمون إلا بالقوة، ومَن ظنّ غيرَ ذلك فإنه يعيش في عالم الخيال.

نحن بحاجة إلى مبادرة "كفى"، ولكن ليس كما قُدِّمت أخيراً؛ ليس لطرفَي الصراع في سوريا بل لأهل الثورة فحسب، فنقول للعسكريين: "كفى تفرقاً؛ نريد عملاً عسكرياً احترافياً موحداً"، ونقول للسياسيين: "كفى عبثاً؛ نريد عملاً سياسياً مخلصاً ناضجاً"، ونقول للمدنيين: "كفى يأساً؛ نريد تفاؤلاً واستبشاراً وعزيمة قوية تساعدنا على الاستمرار حتى الانتصار".

وأخيراً نقول لأصحاب المبادرات: كفى مبادرات مُوهنة مُؤيِسة. كفى مبادرات تساوي بين الثورة والنظام وتخاطب الثوار كما تخاطب النظام وتطالب الثوار بما تطالب به النظام. كفى مبادرات تطالب الناس بالثورة على الثوار كما تطالبهم بالثورة على النظام. كفى مبادرات تساوي بين دم الظالم ودم المظلوم وتساوي بين حق المجرم بالعدوان وحق الضحية بالدفاع وتطالب الطرفين بوضع السلاح والتوقف عن القتال. كفى مبادرات تناشد النظام أو تروّج للتصالح مع النظام أو تقبل ببقاء النظام أو بجزء من النظام أو توافق على محاورة النظام محاورة الند للند والإنسان للإنسان. كفى مبادرات تدعو إلى التصالح والتفاوض مع المجرمين، فإن الغنم لا تتفاوض مع الذئاب على حقها في المرعَى والحياة.

*   *   *

الحل هو بطرح مبادرات تسعى إلى إصلاح الثورة وترشيدها، لا إلى وأدها وإنهائها. الحل هو بالاعتماد على قدراتنا ومواردنا بعد الاعتماد على الله، لا على القُوى الخارجية التي تلعب بالثورة كما يلعب الأطفال بالدُّمى. الحل هو بالاستمرار حتى الانتصار وليس بالضعف والاستسلام والانكسار.

هذا هو الطريق ولا طريقَ سواه، أمّا كيف يكون هذا كله فأمرٌ يقرّره عقلاء الثورة وأعلامها وقادتها المخلصون، وهم كُثُرٌ بحمد الله. فكونوا -يا أيها الأحرار- قوة دافعة رافعة ولا تكبّلوا الثورة بأغلال اليأس والإحباط، وانشروا التفاؤل وانثروا الأمل في قلوب المتعَبين والقانطين، وتوكلوا على الله حق التوكل، يُؤتِكم من لدنه نصراً كبيراً وفتحاً مُبيناً ولو بعد حين.