الشاعر أبو فراس الحمداني شهيد على أرض غزة!

الشاعر أبو فراس الحمداني

شهيد على أرض غزة!

فراس حج محمد /فلسطين

[email protected]

إمارة حلب الإسلامية في عهد الأسرة الحمدانية، كانت تضطلع بدور جهادي عظيم في ظل محيط إسلامي محبط، كانت تعاني منه الأمة وقتها من تفكك وصراعات على السلطة وتحالفات مع العدو غير نظيفة، مع أنها لم تكن تمتلك جيشا قويا جرّارا، لكنها امتازت بأنها ذات شكيمة وعزيمة وقوة لم تستسلم للبيزنطين الذين احتلوا حلب، وظلوا يقاومون بشراسة ما دفع الروم للانتقام من الحمدانيين بحرق المدينة وتدميرها بالكامل!

هذه الإمارة التي تربع على عرشها سيف الدولة الحمداني، وواكب أعمالها الحربية الشاعر العظيم "المتنبي"، صارعت (الروم) منفردة، وقدمت الشهداء، والأسرى، وأنتجت هذه المناوشات وتلك المعمعات الحربية ما عرف في الأدب العربي بــ "الروميات"، وكان من بينها روميات أبي فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة.

كان أبو فراس شاعرا وأميرا مجاهدا، لم تكن صلته بالأمير سيف الدولة لتحط همته عن القتال.. قاتل مقبلا غير مدبر، ووقع في الأسر، وناجى أمه بقصائد كثيرة، ولعل أمتع قصائده الرومية، وهي طويلة وحافلة، وتزخر بالمعاني الإنسانية قصيدته المشهورة "أراك عصي الدمع" التي غنتها أم كلثوم بألحان رياض السنباطي، وقد عتب فيها على ابن عمه سيف الدولة إذ لم يسرع بفدائه من بين مخالب الأعداء البيزنطيين.

هذا الشاعر الفارس النبيل العظيم الشجاع الأسير والبطل والشهيد فيما بعد، كان مثالا كاملا في الرجولة والبطولة، قضى نحبه شهيدا وقد جرح في بعض المعارك، وكان شابا، ربما لم يتجاوز الثلاثين عاما إلا قليلا، لكن البطولة لا تقاس بالسنوات، والرجولة لا تكون إلا بالمواقف، إنه فعلا قد صدق وقد وصف نفسه في أبياته لابنته وهو على فراش الموت جريحا:

زينُ الشبابِ أبو فراسٍ      لم يُمَتّعْ بالشَّبابِ

نعم إنه يدرك الآن أنه لم يتمتع بالشباب، وقد أعطي الجاه والمال والصحة، ولكنه أنفق كل ذلك ليكون شهيدا يتمتع بأجره عند ربه، ونعم المآل يا أبا فراس!!  

إمارة الحمدانيين في حلب والموصل الإسلامية، وبطلها أبو فراس الحمداني وقائدها سيف الدولة علامة بارزة في تاريخ عربي أضحت أحداثه المعاصرة مخزية إلا من بقعة ضوء بازغة من تلقاء غزة، وكأن غزة هي تلك الإمارة الحمدانية في العصر الحديث، وأبطالها المقاومون كلهم أبو فراس؛ أمراء شهداء، صاغوا قصائدهم ملاحم بطولية على أرض غزة، لم يتمتعوا بالشباب، وآثروا المجد على النعيم الزائف!!

فما أشبه الأمس بالبارحة، وكأننا دائما على موعد مع أحداث التاريخ ليعيد نفسه!!