ادعاءات وحقائق حول النظام الرئاسي في تركيا

غدت تركيا في السنوات الـ 15 الماضية مسرحًا لكثير من التطورات التي هي بمستوى ثورة. ومع المحاولة الانقلابية في 15 يوليو/ تموز الماضي، باتت مسألة استحالة الحفاظ على المكاسب الديمقراطية من خلال النظام القائم أكثر وضوحًا، سيما وأن النظام الحالي هو نتاج لعقلية انقلابية تفتح المجال أمام الحد من الخطوات الديمقراطية؛ مستندة إلى حجة حماية العلمانية.

ومن هنا، ولفهم أفضل لعملية الاستفتاء، ينبغي علينا التركيز على سؤال محدد؛ وهو هل تركيا بحاجة إلى دستور جديد. وللإجابة على هذا السؤال ينبغي النظر إلى صورة تركيا ما قبل حزب العدالة والتنمية، وإلى المراحل التي قاد فيها العدالة والتنمية البلاد. الاقتصاد في تركيا قبل حزب العدالة والتنمية كان منهارًا تقريبًا، وكانت البلاد ترزح تحت نير أنشطة جرائم القتل مجهولة الفاعل، فيما يتعرض الشعب لمراحل تأديب كل 10 سنوات شعارها الوصاية العسكرية، فيما تحكم البلاد من قبل حفنة همها المحافظة على الوضع الراهن، ضاربة عرض الحائط بكل مبادئ حقوق الإنسان والحريات، غير آبهة بالأزمات السياسية اللا متناهية، والأهم من كل هذا وذاك، كان انهيار ثقة الشعب بنفسه تمامًا، وفقدانه الأمل بالمستقبل. لم يكن من الممكن وفق الدستور الحالي محاكمة من ارتكبوا هذه الفظائع بالشعب التركي ما أدى إلى إفلاتهم من العقاب. ومع ذلك، تمكنت حكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقبة من تنفيذ مشاريع كبرى شملت كافة المجالات. تمكنت البلاد في هذه المرحلة من حل مشاكلها المستعصية واحدة تلو الأخرى. الأهم من ذلك هو أن آمال الشعب التركي عادت لتزدهر مرة أُخرى، ووصلت ثقة الشعب بنفسه إلى أعلى مستوى خلال القرنين الأخيرين.

إن أهمية حماية هذه المكتسبات وإكسابها الاستمرارية؛ لا تقل أهمية أبدًا عن الخطوات الإيجابية التي بُذلت لتحقيقها. وكما هو الحال في التجارب السابقة، فإن تجربة 15 يوليو/ تموز الماضي، أكّدت مجددًا استحالة استمرار المشاريع المنفّذة كمكتسبات؛ دون إقامة نظام قويم. وانطلاقًا من هذه النقطة تحديدًا؛ باتت الحاجة إلى دستور مدني أكثر ديمقراطية يستند إلى إرادة الشعب في تركيا تشكل إرادة مشتركة لجميع المواطنين الأتراك. إلا أن بعض أحزاب المعارضة التي لم تقف يومًا في صف الشعب التركي، وجميع الأطراف التي لا تريد أن تذهب البلاد إلى تنمية مستدامة قد توحدت؛ وأطلقت حملة محمومة لنشر التصورات الخاطئة والمزاعم والأكاذيب. إذن لماذا يفعلون ذلك؟. هناك جواب واحد فقط على هذا السؤال وهو؛ أنهم يعترضون على كل شيء لأنهم ببساطة أدركوا عدم قدرتهم على الوصول إلى السلطة. ذلك أن النظام الجديد يُنهي عهد الحكومات الائتلافية ويصنع حكومات موحدة وقوية. ويمكننا تلخيص أبرز الادعاءات والحقائق المطروحة من قبل المعترضين على الدستور الجديد وذلك على النحو التالي:

ادعاء: سيتم تقسيم البلاد.

الحقيقة: حماية البنية المركزية تعتبر قاعدة أساسية في النظام الرئاسي. الذين ينشرون تلك المزاعم بشكل ممنهج، يقفون على نفس الجانب الذي تقف فيه منظمة "بي كا كا" الإرهابية التي تروج لصالح رفض النظام الرئاسي.

دعونا نتذكر: إن سبب امتعاض منظمة "بي كا كا" الإرهابية من النظام الرئاسي، هو تعزيز هذا النظام لبنية الدولة المركزية.

                                           

ادعاء: تغيير نظام  الدولة.

الحقيقة: النظام الرئاسي لا يعني تغيير نظام الدولة، بل هو نظام حكومة يطبق في العديد من البلدان الديمقراطية. نظام الحكم في تركيا هو جمهوري ديمقراطي منذ عام 1923 وسيظل كذلك.

ادعاء: تركيا مقبلة على نظام دكتاتوري لا يجيز محاكمة رئيس الجمهورية.

الحقيقة: لا، وعلى النقيض من ذلك تمامًا، فالنظام الحالي لا يجيز محاكمة رئيس الجمهورية إلا في حالة الخيانة العظمى، أما التعديل المقترح فهو يتيح محاكمة رئيس الجمهورية عن جميع الجرائم والمخالفات. حيث سيتم إزالة جميع أنواع الحصانات الجزائية عن الرئيس الجديد. في النظام الحالي، تحتاج إحالة رئيس الجمهورية إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (الديوان الأعلى)،   لـ 75 بالمئة من أصوات أعضاء البرلمان، أمّا في النظام الجديد، فإن هذه النسبة تنخفض إلى 66 بالمئة.

ادعاء: الرئيس سوف يُعطى سلطة تشريعية.

الحقيقة: هذا الادعاء لا أساس له على الإطلاق. السلطة التشريعية هي بيد مجلس الأمة التركي الكبير (البرلمان) بشكل تام. رئيس الجمهورية لا يتمتع بسلطات تشريعية ليس لديها سلطة إصدار القوانين.

ادعاء: يمكن لرئيس الجمهورية إعلان حالة الطوارئ بشكل تعسفي.

الحقيقة: ليس من الممكن إعلان حالة الطوارئ من دون موافقة البرلمان. كما أن رفع حالة الطوارئ، أو تقليص مدتها، لا تدخل ضمن صلاحية رئيس الجمهورية بل هي من صلاحيات البرلمان فقط.

ادعاء: سوف يخول رئيس الجمهورية صلاحية حل البرلمان.

الحقيقة: لا يملك رئيس الجمهورية صلاحية حل البرلمان. وإذا ما حل رئيس الجمهورية البرلمان؛ فهذا يعني أنه حل صلاحياته كرئيس للجمهورية أيضًا.

ادعاء: الميزانية والاقتصاد سيتبعان رئيس الجمهورية.

الحقيقة: رئاسة الجمهورية سوف تُعِدُّ الموازنة وترسلها إلى البرلمان. يتم اعتماد الموازنة، بعد الموافقة عليها أولًا من قبل لجنة الميزانية في البرلمان، ثم من قبل الجمعية العامة. وهذا يعني أن اعتماد الموازنة ودخولها حيز التنفيذ منوط بموافقة البرلمان وليس رئيس الجمهورية.

ادعاء: سيتم تعزيز نظام الوصاية في القضاء.

الحقيقة: لا، وخلافًا لذلك، فنظام الوصاية يفقد مع التعديلات الجديدة قوته بشكل جلي. يتم وفقًا للتعديلات الجديدة إلغاء المحاكم العسكرية، التي تضع نفسها خارج نطاق رقابة المؤسسات المدنية وتشكل أهم أدوات نظام الوصاية. القضاء سيتحول إلى قضاء مدني بالكامل.

ادعاء: بإمكان رئيس الجمهورية إصدار مراسيم في جميع المواضيع.

الحقيقة: لا يمتلك رئيس الجمهورية سلطات تخوله إصدار مراسيم تخصُ الحقوق والحريات الأساسية.

لا يستطيع رئيس الجمهورية إصدار مراسيم بالمسائل التي تحكمها القوانين الموضوعة من قبل البرلمان.

ادعاء: سيكون رئيس الجمهورية والوزراء خارج نطاق الرقابة.

الحقيقة: سيواصل البرلمان ونيابة عن الشعب، بمراقبة والإشراف على الهيئة التنفيذية، من خلال التمتع بجميع سلطاته الرقابية والإشرافية نفسها، وعلى رأسها المتابعة البرلمانية، والمداولة، والتحقيق البرلماني، والمساءلة البرلمانية المكتوبة. أي أن رئيس الجمهورية والوزراء سوف يعملون تحت رقابةٍ وإشرافٍ البرلمان بشكل مباشر.

جاهد طوز                                         

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

وسوم: العدد 716