كان فتحًا.. وكان الأطباء عربًا ومسلمين

ليكنْ محبّو الحقيقة على علمٍ بأنّ ما قام به العرب من رفعٍ لراية الإسلام في الشعوب التي سيطروا عليها، لم يكن "غزوًا" بأيّ صورة من الصور، فالغزو - مثل الاستعمار - احتلال أرض وسفك دم ونهب خيرات ثمّ عودة اختيارية أوانسحاب قسري أو بقاء مستنزِف، ولكنّ ما كان من العرب المسلمين "فتحًا" بأجلى معانيه. وأما القول بأنّ الإسلام نُشر بحدّ السيف، فتلك فِرية أخرى! نعم، كانت السيطرة على البلد المفتوح تتمّ بحدّ السيف، فذلك منطق الحروب، ولكنّ نشر الإسلام لم يكن قسرًا، والدليل على ذلك أنّ الشعوب المفتوحة ما انفكّ الناس يدخلون الإسلام في ظلّ الفتح على مدى سنين وقرون (بلاد الشام ومصر والمغرب والأندلس...)، إلى أن بلغت "الأسلمة" حدًّا، وما دخل الإسلام قطرًا إلّا لبث فيه حتى يوم الناس هذا... فهو فتحٌ بامتياز، ونَفْيٌ للغزو بامتياز أيضا، وما خسر الإسلام إلّا قطرًا واحدا هو الأندلس لأسباب.

وأما الزعم بأنّ معظم الأطباء في العصرين الأموي والعباسي، كانوا من أهل البلاد الآراميين، فذلك قولٌ بعيد عن الصحة. نعم، كان هناك، في البدء، أطباء من أهل البلاد، السُّريان، مارسوا الطبّ ونقلوا كتب الحكمة من الإغريقية إلى العربية، وما كان لها أن تنتهي قوافل الأطباء والعلماء، من العرب ومن المسلمين مختلفي الانتماءات، في كلّ فنّ من فنون الحكمة والمعرفة.

لو أنّ الباحث يقرأ كتاب "طبقات الأطباء والحكماء" لابن جلجل الأندلسي (من أهل القرن الرابع للهجرة/ ق10م، وهو مسلم من أصول إسبانية) لرأى غلبة المسلمين فيهم. ويزداد المتتبّع معرفةً في ذلك إمّا اطّلع على الموسوعة في تاريخ الطبّ "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" لابن أبي أصيبعة الدمشقي (من أهل القرن السابع هـ/ ق13م)، فالأغلبية العظمي هم عربٌ ومسلمون، وإنّ من "موضوعية" المؤلف - السابقة لعصرها - أنه لم يُغفل في كتابه أحدا من الأغارقة ولا من السّريان، فكان مصدرا تاريخيا متميّزا، ما حدا المستعربَ الفرنسي عابرييل كولان إلى ترجمته كاملًا إلى الفرنسية.

فلوريدا: فجر الأربعاء 18-6-2014

- - - - - - - - - -

[الذين لا يفرّقون بين "الغزو" و"الفتح"!]

بعيدًا عمّا ينتقيه أحدهمُ من أحداث التاريخ، يسُلُّها من سَداها ولُحْمتها ويستفرد بها على نحو ما كان يفعل غلاة المستشرقين، الكارهون لامتداد ظلال الإسلام في العالم... يعود هذا الرجل - بعد أن أُجهِض ادّعاؤه في مسألة الأطباء زمن الأمويين والعباسيين: ما إذا كانوا من صلب الأمة أم هم "آراميّون"! - يعود إلى ارتكاب جهالة أخرى: أنّ دخول الإسلام إلى إسبانيا - الأندلس كان "غزوًا"!

لقد زاغ عنده البصر والبصيرة، فما يفرّق بين "الغزو" الناهب الهدّام وبين "الفتح" الباني للحضارة الزاهية، ولا اطّلع على التراث الذي خلّفه الأندلسيون، المكتوبةِ صفحاتُه بماء الذهب، يُنشر اليوم في الكتب والأسفار... لا، ولا لمحت عيناه صور الصُّروح الأندلسية الباذخة، التي ستظلّ تجلب إلى إسبانيا اليوم والغد السيّاح من كلّ فجّ!

وأنصحه بالكفّ عن مهاتراته، فليس عندنا وقت نبذله في الردّ والتفنيد.

ولتكن، يا صديق، بألف خير.

وسوم: العدد 726