مهيمنة التضاد والتنافر في شعر حبيب السامر

د. صدام فهد الأسدي

قراءة نقدية في مجموعته رماد الأسئلة

د. صدام فهد الأسدي

[email protected]

أقف في هندسة شاعر لا يقف مع جوقة المطبلين,مثقف شاعر وشاعر مثقف عرفته في الثمانينات يقتسم معي المنصة الشعرية في شط العرب وقد ترك ساح الشعر اغلب الشعراء هروبا من الحرب والظلم ولكننا كتبنا معا لجمال مدهش  يتعانق فيه الشط والنهر الحبيب( الحوامد) ولخضرة وجمال المدينة فلاشك بان مدينة التنومة أعطتنا الحب والألفة والصداقة وهي تسبح في حضن شط جميل وقد كانت التنومة مرفأ شعريا كبيرا حيث خرجت الأدباء الكبار احمد مطر وقاسم عبد الهادي وصباح الربيعي وعبود هاشم والكاتب الكبير صباح عطوان وحامد مطشروسالم القريني وعدنان مشيمش وعبد الباقي كريم وهاشم مزيد الجزائري  واخرين  والفنانين الكبارحسين شويل وربيع عودة ويافذ ثامر وسامي الاسدي وهي تفخر بشعرائها أصحاب الكلمة الشريفة حيث ان الشعر عندهم قدر محتوم لايمكن الفرار منه , وكان حبيب يفكر بالعاصفة التي تحمل دائما ماهو جديد وغير متوقع قد تحطم كل شيء حتى الكفوء في دوامة صارخة وقد ألغت بالأكفاء فوق اليابسة وكان حبيب السامر واحدا من هؤلاء الذين جرهم السيل لطرح أسئلة رسم لها الرماد محطات لم يكن أمام المبدع من أمثاله إلا أن ينتمي إلى قبيلة الشعراء متنحيا عن قبائل أخر بل كان حبيب مبتعدا عن التأطير السياسي الخرف بل يتهرب من السقوط في دائرة التسييس سيئ الصيت بالإجبار والقسر حتى كانت قصائده الأمس واليوم تطرح أسئلة مفادها البحث عن الخصم اللدود وهو الجهل والضعف والاندحار في أيدلوجية الإنسان وسرعة انتمائه إلى اللا شيء بل يكره التزلف والتملق ويركز على الانتماء للوطن ليس إلا ,انه يكر ويفر على مفاد طريق زرعه الزمن – لا غير السيف اصدق أنباء من الكتب – بل يبحث عن نسق شعر يحلم على الأقل بنقاء الروح وصفاء وعذوبة الإنسان ولا أجده منعزلا بلا حول ولا قوة ويميل لليأس بل يزرع الأمل ويشعل شمعة في الظلام دون أن يضخم العيوب ويسبغ عليها صفات المبالغة فتجد شعره نقيا مثل مشاعره وروحه الصافية وسلامه الصادق لا يستخدم لغة الوجهين والازدواجية ولا يأكل لحم أخيه ميتا لقد اصدر مجموعتيه الشعريتين مرايا الحب وحضور متأخر

و أهداني مجموعته الثالثة رماد الأسئلة وكتب في مستهلها(الأستاذ الأغلى الشاعر الحبيب الاسدي شاهدا لزمن تأبطناه سويا ) ولعل هذا المدخل إجابة لما قدمته في بحثي عنه ولعل هذا المدخل إجابة لما قدمته في بحثي عنه ثمة رؤى واضاءات اترك للقارئ المتذوق شعره العودة للمجموعة وتفحص تلك الرؤى المتنوعة منها:

1/ارتكاز الشاعر على خط متجدد

السامر يبدأ منتهيا بشيء وينتهي بشيء جديد دائما انه يصنع لحظته كما تتكسر المرايا ويعوض عنها قائلا في تضادية لايشبهني مستفيدا من التشبيه رمزا:

في المرآة

أنا شكل آخر لا يشبهني

تطيل المرآة التحديق إلي لا أشبهها

هذه المفارقة العقلية استهل بها مجموعته وهي تقول الكثير الكثير انه ينشيء شعرا عميقا وحتى لا يترك الحبل على الغارب بعيدا حيث ان المراة التي تعكس وجه الانسان وتعري زيفه رسم لها صورة الصقل مركزا على الدلالة المنظورة :

أنها مصقولة تماما

لكنها بلا اذرع

هذا توصيف لمطر يبلل القامات وفي لافتات قصية يسهب في اضاءات عقل علمي حيث يرى القيد كبيرا حتى على الجسر الذي قيده النهر:

قيدك أيها النهر

هنا الجسر

هذه بحوثات وصرعات حبيب باحثا عن الحرية مستهزئا مرة ومبتهجا أخرى قوله:

كم يليق بنا خريفنا المتكرر

نعم هذه حصتنا نحن العراقيين الحزن والأسى ولغيرنا بيدر الخير حتى كاد يشك بأنه المنتظر أم الموعود واصفا تساؤلا فلسفيا رائعا عن الانا الفرويدية وحب الذات المطلق:

أنا أم أنا

من ينتظر الآخر

والقضية التي يتفنن بها البصريون حصرا أمثال الحجاج كاظم واللايذ كاظم الآخر مثلا نجد السامر يسر على النهج ذاته

باحمرار وجه الورق

يولد الخجل

فتكاد تجد صورة يصفر وجه البرتقالة عند الحجاج إلى وجه الورق عند السامر وهذا بحسب ظني المتواضع انه تأثر وتناسق إيقاعي نتيجة اللقاءات الحميمية بينهم في الاتحاد مع اعتزازي الكبير بالشاعر الحجاج

2/انزياح السرد في القص الشعري

أخفى الحارس نعاسه

من هنا بدأت قصته الشعرية حارس آخر الليل ولم ينس المرايا التي تركزت في مسارات حلمه  حيث ان النعاس يرمز للغفلة والسهر والتعب وربما القلق والسهو عن متابعة الطريق ودلالة السياج تتحدث عن اكمال شكل السور فكيف يغفو الحارس وينعس عما يراقبه:

خارج سياج مراياه

المرايا الحقيقة التي يبحث عنها السامر بل ضالته المنشودة يريد كلا منا ان يفرش الصدق ويمد كفيه بالحقيقة لا التعتيم واللف والدوران تعال معي الى أيدلوجية الحارس (أصابع صمت ) هنا موت للفكر ثم ثوى الحارس وبدا ينظر الى انكسارالظل في زوايا تجاعيده بحدقات صفر وقامات سنابل منحنية هل تتابع معي الانكسار بدا بالصمت والتجاعيد والانحناء ثم الريح الهابة الى هدير موج مضطرب واتباع اوثقوا تاجه ومرت خيول العتمة ومازال الحارس يقرص نعاسه كم كان موفقا حبيب في الفعل يقرص ولكن كيف الحال وكيف دخل اللص وسرق كل شيء من الوطن ومازال الحارس يسعل ولم يبق في السلة عنب فجره الشاعر معه بخصيب كلام معسول وطوى الخطى إلى لاشيء ومضيا معا بسموات مقفلة  

3- ابتعاد الشاعر عن المؤسسة الثقافية التقليدية بالرغم من العثور على تشبيهات كثيرة في النص السامري الا انها لم تكن صناعة ولم تقع في براثن التعقيد المميت بل تفصح عن شكوى من التماهي الجمعي وليس من احد قل انها حيرة الشاعر من أخفاقات الفكر وتلاعب الفار في جيب المثقف مع الاتساع للثقافة ومازلنا نجتر الشكليات ف حياتنا اليومية وثقافتنا الهزيلة إننا آخر البشر من تصل إليهم البوارق والأشياء اننا اخر البشر نأكل اللذيذ ونتذوق العسل الشهي ونحلم في شارع ومنتدى ومكان ليس لنا الاالتصفيق للحكام لهذا وذاك أما الثقافة لتبق بعيدة بعيدة الا أن تملا الأرض كلها ثم تمر بنا مرور الكرام هذه أبجديات حبيب السامر برسم هندسي جميل هاك بعض صورها :

ليشكل لونا هندسيا

قد يتوازى

أو يلتقي

أو ربما يظل وحيدا مثلي

لماذا الاحتمال ربما انه يشك ويشك ويصر على عدم الثقة بمجريات الزمن منها رفض التعقيد والجسد البارد من شريكة الحياة قوله:

كم ينبغي لي لأصلك

وأنت كعادتك

الغموض يعتريك

ها أنا ياسيدة الجسد البارد

ومنها إشارته إلى امرأة واحدة وكأنه يصر على عدم وجود الصفاء قائلا:

طري وناعم سرير امرأة واحدة

يندلق جسدها

يتلوى كما الظل

يندلق كما الماء جسدها

وتستمر تساؤلات الشاعر في قصيدة قصائد ليست للحفظ بل للتنبيه قوله:

من يدلني على قدمي

لاصل بهما ظلك في المطر

ثم يطلب من قرينه الملتصق بالظل قائلا:

اترك لي جناحك برهة

ايها ال

فمها تحلق

وهنا يستخدم لغة الحذف التي تترك الكثير خلفها من تساؤلات وكم رايت السامر مبدعا في توصيف موجز قوله"

الصواري تغمرها النشوة

وهي تقبل اقدام الماء

وعلى حد علمي المتواضع انه اول شاعر استخدم هذه الصورة الشعرية اقدام الماء واعطى للمجاز قيمة متحركة

فانه يلح على جذب قارئه إليه تماما في قوله:

العربات الخالية

تقلني

الى هامات المدى

وانا ادفعها نحوي

ربما يقول المتذوق لشعره لماذا هذه الآنية عند السامر أقولها بحق لقد استخدمها دون مبالغة بل وضعها في محلها وقد تتكرر الأنا في آهته قائلا:

آه

لماذا هذي الضجة

وأنا وحدي أتكاثر في الضجيج

انه شعر وتساؤل ينبع من شعرية مبدعة لاصنعة فيها

واشد ما توقفت عنده تلك القصيدة الرائعة الداكير حيث يعرفك بالبصرة الحبيبة ويرسم صورة أبيه دون أن تزورها في وصف دقيق فنحن الذين عاصرنا الداكير ومافيه وما خلفه من الأسرار نكشف سر اللعبة قال السامر:

تتمراى الهياكل

الصدأ

انتشل وجه الحديد

 مثل قوارير شامخة تعلن تهجين اليباب

بهذه اللوحة نقل لنا زحاما معروفا من عذابات عمال الداكير وتعبهم اللذيذ حين كان أبوه تنوس في صدغيه الفصول وهو يتساءل عن اليد العاملة التي ضاعت في خضم الخراب قائلا:

من يحمل مطرقتك الآن

قالتها الشطان

هذا عتب قاس وعذاب مرير ينقله السامر من رؤى البصرة المدينة التي غرقت في سيل الحروب ورعونة الحكام وتجار الحروب وتحولت من داكير ينتج ويعطي الخير إلى مزابل وأطلال منسية تتجمع فيها عربات الحمالين والبسطاء

4- التشبيه اللا صنعي عند السامر

لقد وجدت السامر مشبها اكثر الشعراء من درستهم في بحوثي النقدية فما تخلو قصيدة له من التشبيهات فهو شاعر يعتز بالبلاغة

بدءا بالقصيدة الأولى وانتهاء عند الأخيرة من مجموعته قال

-كوسادة لاستراحة الشمس(-موج كالحرير)(-تتكسر عليها ينابعه كالثقوب) وفي قوله(-سيقان آس تصهل كالفراغ) جعل الاستعارة وسادة للتشبي باستخدام سيقان الخيول دلالة الصهيلوفي قوله (-مثل سمرة الرغيف الاول)جعل التشبيه مستندا الى الاضافة وكذلك قوله (-مثل عصفور المطر) وفي قوله(-مثل قوارير شائخة )التشبيه مستندا الى الصفة وكذلك قوله(-مثل الافعى )(-كاللذة دونما خافق) وفي قوله هذا يستخدم التشبيه المستند الى جزء من كل وفي قوله انحناء الافق توازنا بين الافق والشعاع (-كشعاع اختلس انحناءة الأفق)(-كوسادة لاستراحة الغريب)وهكذاا تتكر التشبيهات لديه كسيل المطر منها(-كتويجات اذرع الليل)(-مثل الدفق في مزاقته)(طبعك هاديءكالصفيح) وقد استخدم التشبيه المستند الى فعل قائلا(-كما الماء جسدها) واخذ من الانسان ومن الطبيعة حركة واحدة(يتلمظ مثل سنوات العمر)(-مثل ضباب نافورة) واراد تصغير الموقف في هذا التشبيه(مثل علب السردين)(-غائرة مثل اللذة)(-كما الخريف ينسل ينحسر)(-كالصدى وأنا امرق كالسهم(براءتي من هطول أمطار لاتشبه أمطارنا)(-الاشياء تتنافر كاراجيح الضوء)( في اصيافنا النار كالنحاس تشتد ) ولاينسى التشبيه التفصيلي فيربط الفضاء بالمجرة موفقا في صورة ملفتة للنظر حقا دالا على الاعجاز والقهر والياس والتعب حد انقطاع النفس(-مازلنا نبحث عن مجرة لاتشبه فضاءاتنا) وغيرها من التشبيهات المتلاصقة التي تكون مهيمنة كبيرة في تضادات (-للتو مازحت الشمس كالعشب في يدي)(-يشدو لسماء عذراء كافق تجلى)(-يذبل مثل المجرة مثل السنبلةوهكذا ترى ايها المتذوق ان السامر ينقلك بصور بلاغية متنوعة متشابكة دلالة على شاعرية خصبة وحس نقي وموهبة مميزة

ربما يتساءل مغرض ماالجديد الذي تضيفه أيها الاسدي وان كشفت لنا التشبيهات هذه عند السامر أقول أنها مهيمنة أولا تنتشر على فضاءات قصائده دون أن يشعر بها فالشاعر لا يخطط لتشبيهاته بل تأتي دون شعور منه والثاني انظر إلى مهيمنة ثابتة وهي (مثل) تكررت عشر مرات من بين ثلاثين تشبيها وعلى حد تعبير الدكتور فالح الحمداني ان مثل وشبه تدلان على الموازنة بين شيئين متقابلين في صفة ما ولذا جاء السامر مؤكدا على ذلك بوصف التشبيه سمة أساس من فنون البيان

وربما فاتني الكثير فلا أريد أن اعرض شعر  الشاعر كما خطط بل اترك للقراء فرصة لقراءة مجموعته رماد الأسئلة

والقول في مسك الختام أن التضاد والتنافر الذي كشفته لم يأت من فراغ فمهمة الشاعر المثقف وما يقع على عاتقه أصلا البحث عن الحقيقة التي تنور العقول وتفتح الأفاق إلى المستقبل المنشود وإقامة سلطة الحق والعدالة على الأرض وهذا هم الشاعر الأول وإلا لانسميه شاعرا بل نسميه ونصنفه من كتاب الخواطر وهم كثر

ولكننا لانصنفهم من الشعراء بل سيموتون يوما وتموت خواطرهم وتدفن في مزابل النسيان.

ويبقى حبيب السامر واحدا من شعراء التنومة أولا والبصرة ثانيا والعراق الكبير بلد الشعراء الكبار.