"تأمّلات فيصليّة ".. ومتاهات النصوص

clip_image002_d752a.jpg

كروب الحياة غمرتْ أرواحنا بخفايا السّنين القادمة .. نحسبها مُبهمة، غامضة وقاسية. الجسد أنهكته ثِقل عبارات غير اعتياديّة، حركات غير مألوفة، أفكار حياتيّة عشوائيّة متناثرة . مشاهد لم تألفها النّفس البشريّة .. مأساة تجرّ خلفها كارثة، وأصبحنا بعيدين كثيرا عن فحوى الآيات القرآنيّة. دأبَ الكاتب الشّاب الإماراتيّ "فيصل السويدي" في مُؤلّفه الجديد "تأمّلات فيصليّة" الصّادر عن دار الجندي للنّشر والتّوزيع في القدس لعام 2016 والذي يقع في 93 صفحة من الحجم المتوسّط، دأبَ إلى كتابة ما يختلج في صدره. تبعثر قلمه بين السّطور المُخدّرة، فلمسنا حُزن أنامله المُرتجفة تارة، وتضارب روحانيّاته الماديّة والإلهيّة تارة أخرى، ويسقط على شفير التعب تلك التّأملات والنّصوص الأدبيّة المُختارة بعفويّة، كانت كالّذي يقطف زهرة من كلِّ حديقة، محاولا الكاتب أن يقدّم بعضا من تجاربه وخبراته الحياتيّة، وأن يرسم لنا صورة واضحة لعلاقاته مع البشريّة، وهناك في قلبه بدأ جرح يخاف ألاّ يشفى منه أبدا، فيحاول إماطة الأذى الذي علق في شريانه. يبدو أنَّ نظرته لما يدور حوله مُشوّشة تنقصها تجارب أكثر موضوعيّة وحكيمة. تنقّل بنا بنصوصه القصيرة المرقّمة في مجالات كثيرة جدا؛ تكلّم عن الصّداقة وما فيها من وفاء وخيانة، وتكلّم عن الثّقافة والكتاب، وأنْ لا أسلاك شائكة بين القلم والحلم، ويبقى في نظره أنَّ القراءة هي حاجات فسيولوجيّة يحتاجها كل إنسان. الشّعراء والأدباء هم أرهف النّاس قلوبا، وأنَّ الحياة دون قرطاس وأحبار وأقلام لا معنى لها. أمّا التناص القرآنيّ في هذا الكتاب، فكان له الحيّز الأكبر من قصص الأنبياء والسّور والآيات، فالتّسبيحات والخطايا، التّعوذ والسجّادة، التأخّر والبعد عن الله والإستخارة والصّلاة في رأي الكاتب هي جميعها السّبيل الوحيد للملاذ من شقاء وتعب الحياة، وأنَّ قيمة الإنسان فقط عند ربّ البشر وليس عند البشريّة.

كانت الّلغة المستخدمة واضحة جدا، وفيها بعض النّصوص ذات بلاغات ومعانٍ عميقة، بعض التّجارب في حياته صقلت جوانب شخصيّته، وحاول قدر الامكان توضيح المبادئ التي تبنّاها لمسير حياته. لكن من النّادر جدا أن تتكامل البنية الفكريّة والروحانيّة والسلوكيّة لإنسان نعتبره في مُقتبل العمر، إلاّ أنَّ محاولاته هذه قد تكون بالنسبة له محطّات توقّف، إعادة نظر وتقييم، وإنطلاقة مُتجدّدة تحفّها عِبَر ودروس تلقّنها.

الكاتب "السويدي" يُصرُّ على التّمسك بذلك الطفل الذي بداخله، ويُروّض نفسه بكلًّ السّبل لتبقى ميزتها التّواضع والسّعي إلى الجمال لا الكمال. نلحظُ ذلك من خلال قفزاته الرّوحانيّة بين هيبة السّماء وواقع الأرض، والعمل المُضنيّ لعقد التّوازن بينهما. نظراته التّأمليّة نحو الأفق قد تُعثّر قدمه بين الحين والآخر ببعض المطبّات الحياتيّة التي لم يذكرها في نصوصه كاستشارة أولي الأمر والأكثر خبرة.

الضّمير المستتر والغائب يا كاتبنا أبدا لن يكون تقديره "الدناءة" كما تفضّلت، فقد تمسّ بأقدس وأحبّ النّاس إلى قلبك وقلوبنا. ويبدو أنّكَ تؤمن بالحظِّ، وإنّها لمسألة دينيّة شائكة بين ما هو موهوم وما هو مكتوب، فتحزن على الفقراء والمساكين وتتّهم الحياة بخذلانهم. في النّصوص هناك تشاؤم واكتئاب، وذلك التّناقض عندما تُثنينا على الثّقة والطّموح بربِّ السّماوات. لقد إكتشفنا من رحلاتكَ المكوكيّة بين أقطار العالم؛ من العراق إلى موزمبيق، ومن سيبيريا إلى كمبوديا مارّا بجنيڤ والبحر الكاريبيّ، أنَّ فنزويلا هي أرض الأدب وكراكس هي مستشفى ولادة الأدباء وعشقكَ الخاص باللاتينيين، ناهيك عن أنَّ القمر ينحني على كتف الأديب ليطمئنه. 

قلتَ يا كاتبنا: إلى عشيقتي وصديقتي وحبيبتي، إلى أمنية الطّفولة والمراهقة وما بعدها، إلى تلك الفاتنة، إلى التي كنتُ أحلم أن تطأ قدماي .. إلى "القدس". فلا نصّ واحد ولا كلمة يتيمة ولا حتّى حرفاً تائها كان في "تأمّلات فيصليّة" عن تلك المسكينة؟ فلو كُنتَ تعرف أنّكَ فعلاً أهديتها عملكَ، لضممتها بين ذراعيكَ، ولتضرّعتَ إلى الله أن يجعلكَ حارسا لبوابتها. ولو كُنتَ تعرف أنّها أوشكت الدقائق الأخيرة من عمركَ، أكتب لها نصّا واحدا"أُحِبك" وتجاهل أنّنا نعلم ذل.!

نحن لن ندافع ولن نُبرّئ ولن نُزكّي على الله أحدا، صراعات كبيرة تنتاب قلبكَ المكلوم، فأحيانا تُحبّ الأفكار المجنونة، وأحيانا أخرى تستسلم لقدرك المحتوم. إنّها سجدة فنهاية فإرتقاء حال الدنيا عندكَ، وما زال البحث جاريا فيما إذا كان للمرايا ذاكرة.

وسوم: العدد 654