ليلة تسليم جلجامش لليهود ؛ فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي (13)

# من أين يأتي ناجح بهذه المعلومات التي لا أساس لها ؟ :

يقول ناجح عن باتا :

(عوضته الآلهة / وحصرا الاله حورس عن قضيبه المقدم قربانا للاله اوزوريس لان نص الحكاية يعلمنا بان الشاب "بايتي" قد نجح في اتصال ادخالي مع الزوجة التي خلقتها الآلهة وقدمتها له) (ص 76) (88) .

ولا أعلم من اين أتى ناجح بهذه المعطيات التي بنى عليها مثل هذه الاستنتاجات ؟!

فالآلهة التسعة - وحصراً الاله حورس - لم تعوّض باتا عن ذكورته المفقودة بذكورة جديدة ، وقد قال باتا – كما رأينا -  للفتاة بعظمة لسانه : "أنا مثلك امرأة" .. أي أنه مازال فاقد الأعضاء التناسلية .

ولا أعلم كيف عرف ناجح أيضاً أن باتا قد ضاجع الفتاة باتصال ادخالي . فلا توجد - لا في القصة كما صاغها سليمان مظهر ولا في النص الأصلي للأسطورة - أي كلمة أو إشارة إلى ذلك الإتصال الإدخالي المزعوم . وحين يثبت عدم وجود دليل علينا أن نتحوّل إلى تحليل شخصيّة الباحث ومحاولة الإمساك بالعوامل الخفية التي لم تدفعه إلى هذا "التخييل" حسب ، بل إلى الحماسة المفرطة في اعتبار الإخصاء طقسا اوزيريسيا بخلاف كل الأدلة الأسطورية والتاريخية ، وفي اندفاعته المستميتة لجعل كل الرموز الذكورية في الشرق – وفي مقدمّتها  التوراتية – نماذج يجمعها الإخصاء والإتصال الإدخالي وهجران الإلهة الأم ، وفي التعميم الشامل للدافع الجنسي على أغلب الأساطير  والحكايات ، وغير ذلك الكثير من القسر والإكراه التفسيري الذي قد يعكس مكبوتات لاشعورية فاعلة في اللاوعي الفردي للباحث ، وهي مكبوتات – حين تتحكّم وتتسيّد – تبدأ بإرباك النظرة الصافية التي يجب أن يتمتع بها الباحث ، وتوصل إلى طغيان العوامل الذاتية على العوامل الموضوعية مع إيماننا بأن حضور العوامل الذاتية أمر محتم في البحث العلمي خصوصا في المباحث الإنسانية ، وأن لا وجود للناقد الموضوعي الحديدي .

وفي موضع آخر يعود ناجح للتأكيد على نفس المسألة ؛ مسألة تعويض الآلهة لباتا عن ذكورته فيقول :

(هناك تعويض إلهي [في بعض الحالات] للذكورة المقطوعة ، ومكافأة الشاب الذي مارس فعل الاخصاء ، وقد تحقق تعويض في حكاية الاخوين لذكورة الشاب "بايتي" ومنحته الالهة زوجة جميلة جدا ، واعادت له ذكورته ، وطاقته الجنسية - ص 93) (89) .

والمشكلة أن حتى الشكل الأدبي للأسطورة الذي صاغه سليمان مظهر لم تكن فيه إشارة إلى تعويض الآلهة ذكورة باتا المقطوعة ، ولا إلى الإتصال الإدخالي المزعوم . ألا تعكس هذه الإضافات الشخصية جانباً من المكبوت الشخصي الذي يمكن أن يضيف إلى الأسطورة الأصلية ليخلق اسطورة جديدة ؟!

# حول تاريخية حكاية الأخوين وأهميّتها في فهمها :

------------------------------------------------- 

في القسم الرابع من الفصل الثاني الذي يحمل عنوان (حكاية الأخوين وأساطير الشرق القديم) يقول ناجح المعموري :

(إن تاريخية تدوين حكاية الأخوين بـ 1300 ق. م ، وانتشارها في العالم عام 1852 - ص 113) (90).

وهذا نقلا عن (فردريش فون ديرلاين) صاحب كتاب (الحكاية الخرافية) وليس (فريد رسن) كما ذكره ناجح في موضعين . وسأتوقف عند هذا الجانب التاريخي قليلاً لأهميته في تأويل الحكاية كما سنرى . وبدلا من أعود إلى (فريدريش فون دير لاين) ، وهو باحث ألماني في مجال الأدب الشعبي ، أعود إلى إلى الباحث البريطاني "فلندرز بيتري - W.M. Flinders Petrie" (1853 – 1942) المُختص بالمصريّات ، والذي قام بالإشراف على ترجمة وتحقيق برديّة هذه الحكاية ، ومحرّر كتاب "حكايات خرافية مصرية : مترجمة من البرديات – السلسلة الثانية الأسرة الحاكمة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة" - كما ذكرتُ سابقاً - والذي قال إنّ هذه الحكاية تعود إلى حكم الفرعون (سيتي الثاني) الحاكم الخامس من الاسرة التاسعة عشر ، والذي حكم مصر من عام 1200 ق.م إلى عام 1194 ق. م . والإحالة واضحة في البيانات المُثبّـة في نهاية المخطوطة والتي تشير - ولأول مرة - إلى لعنة تقع على من يتكلم ضد هذه البردية بدلا من عبارة المباركة التي كانت تنتهي بها الكتابات التي تسبق هذا العصر ، وهذه سمة كتابات عصر الرعامسة ، ومنهم "سيتي الثاني" . وهذا هو ختام الأسطورة وفيه لعنات الكاتب :

 Excellently finished in peace, for the ka of the scribe of the treasury Kagabu, of the treasury of Pharaoh, and for the scribe Hora, and the scribe Meremapt. Written by the scribe Anena, the owner of this roll. He who speaks against this roll, may Tahuti smite him. (91).

وقد امتازت مدّة حكم سيتي الثاني بكثرة المؤامرات والمكائد . وأهم تلك المؤامرات التي انشغل بها لمدة أربع سنوات من الست سنوات التي حكمها ، هو الصراع المرير ضد أخ غير شقيق له هو (أمون مس) الذي يُقال أنه اغتصب العرش منه لمدة من الزمن .

ومن الملاحظات التي تلفت الإنتباه ، والتي طرحها بيتري ، هي أن الحكاية غير متجانسة فنّيا أو سرديّاً . فالقسم الأول متماسك وجميل وفيه الشخصيات متناسقة وحوادثها واقعية ومعقولة ، أمّا القسم الثاني فهو مرتبك ومتناقض ومليء بالخرافات والمعجزات مما يدل على أن القسم الأول يعود إلى عهود أقدم من عصر المملكة الحديثة (الأسرة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة) في حين أضاف أحد الكتّاب المتطفّلين أحداث القسم الثاني . واعتبر بيتري – وهذا رأيه الشخصي – أنّ اللعنات التي صبّها الكاتب على من لا يبارك هذه الحكاية حين يقرؤها هي أصلاً موجّهة للكاتب بفعل إحساسه بتطفّله وسوء تلاعبه بها .

# هل هذا معقول يا ناجح :

حكاية باتا (1300 ق.م) قبل أسطورة تمّوز (3000 ق.م) ؟ :

-------------------------------------------------------

ومن جديد ، يفاجؤنا ناجح برأي متطرّف ومتحمّس يعتبر فيه هذه الحكاية هي أصل كل عقائد الخصب والإنبعاث في الكرة الأرضية !! فهل هذا معقول ؟ حكاية تعود – كما يقول هو نفسه – إلى سنة 1300 ق. م تكون أصلا لعقيدة الخصب العراقية مثلا التي تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد ؟! هل هذا استنتاج منطقي ؟! . يقول الأستاذ ناجح :

(واعتماداً على تاريخ المدونة نستطيع الإشارة إلى أن هذه الحكاية هي الأصل لكثير من الحكايات الخرافية المماثلة لها في بعض من عناصرها وهي أيضا الينبوع الذي تغذّت منه الأساطير الخاصة بعقائد الخصوبة والانبعاث وأضفت ملمحاً أو أكثر على عدد من الآلهة في الشرق وخصوصاً الآلهة الشباب الذين وردت إشارات لهم في متن الدراسة - ص 113 و114) (92).

هكذا بجرة قلم واحدة ، واستنتاج متحمّس سريع ، نشطب على تاريخ مثبّت وعظيم يفوق حكاية الأخوين آلاف المرّات .

يتحدّث العلّامة الراحل "طه باقر" عن الكيفية التي عُرفت بها الأسطورة العراقية (نرجال وإيريشكيجال) التي تدور حول وصف عالم ما بعد الموت بالقول :

(وتنحصر معرفتنا بهذه الاسطورة فيما جاء إلينا مدوّنا على كسرتين من لوحين طينيين عُثر عليهما في مصر ، في الموضع المسمّى "تل العمارنة" (عاصمة الفرعون اخناتون في مصر الوسطى) ، من العصر الذي يسمّى في تاريخ وادي النيل بعصر العمارنة (القرن الرابع عشر ق. م) ، وقد سبق أن ذكرنا أن بعض النصوص الأدبية الأخرى من حضارة وادي الرافدين عُثر عليها في مصر ، حيث يرجح كثيرا أن مدرسة خاصة أُنشِئت هناك لتُعلّم الكتبة المصريين مبادىء الكتابة المسمارية بلغتها البابلية ، يوم أصبح الخط المسماري واللغة البابلية لغة الدبلوماسية والمراسلات الدولية في أقطار الشرق الأدنى والأقاليم المجاورة - ص 234 ) (93).

والمشكلة الأخطر هي أن ناجح له في كل فصل رأي ، ويبدو أيضا أنه حين يكتب لا يراجع ما يكتبه لكي يقارن اللاحق بالسابق كما هي عادة الباحثين الثقاة ، كما أنه لا يمتلك فرضيات ثابتة يتمسك بها لكي لا يناقضها بين صفحة وأخرى . كما أنّه ينقل الإقتباسات من كل المصادر بشرط أن يكون فيها مصطلحات إخصاء وألوهة شابة وسلطة بطريركية وثور سماوي وبقرة مقدّسة وقضيب واتصال إدخالي وغيرها . وهذا يوقعه في التناقضات من ناحية ، وفي التكرار الغير مُمحّص من ناحية أخرى.

وسوم: العدد 705