مع الشهداء ... أيها الصابر الخلوق، في وفاة الأستاذ صبري ضيف

sfsgsgf1036.jpg

صورة للأستاذ صبري ضيف مع د. محمود داود في رحاب جامعة الأزهر في صيف عام 2021

كان قطعة من الأخلاق الجميلة، والمناقب الكريمة، ولا أدري أكان ينافس الأخلاق في تصرفاتها أم أنها هي التي كانت تنافسه، الكرم كان يعانقه، والشهامة والمروءة تغبطه، والحلم يرافقه، والأناة تسير من خلفه، وعمل المعروف عموما وخدمة الآخرين خصوصا كانت ديدنه، أخلاقه وخلاله كانت فطرية، وفطرته كانت نقية، والفطرة حين تسلم من العوارض المشوشة عليها، والمؤثرات التي تحاول تغييرها، فإنها عندئذ تستقيم لربها، وتعرف حقوق غيرها، ....

لكأنه كان ضيفا عابرا في هذه الحياة من أبناء الآخرة، وفي آخر أيامه أعطى للصبر كثيرا من وقته، وخصص له كثيرا من إسهاماته، بل وبذل في سبيله الكثير من صحته وعافيته، وأخيرا رجع الضيف الكريم إلى بيته، وعاد إلى حياته، وانتهى إلى مستقبله ومستقره (وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ) العنكبوت: 64 ، عاد وهو يعلن أن الآخرة خير وأبقى، وأن العاقبة للمتقين ( تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ) القصص: 83 ، بل عاد وهو يصيح فينا: (وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ ) .... إنه الأخ العزيز والصابر المحتسب الأستاذ صبري ضيف الموظف ضمن الهيئة الإدارية بكلية الشريعة والقانون بدمنهورـ جامعة الأزهر.

كنت كلما رأيته وهو يقدم خدماته لأحد، ويمارس أعماله الطيبة، أتذكر قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو يقول في أبياته الحكيمة:

وأفضل الناس ما بين الورى رجل * تقضى على يده للناس حاجات

لا تمنعن يد المعروف عن أحد * ما دمت مقتدرا فالسعد تارات

واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت * إليك لا لك عند الناس حاجات

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم * وعاش قوم وهم في الناس أموات

وأتذكر أيضا قول شاعر النيل حافظ إبراهيم، وهو يبين مكانة الأخلاق وأنها من أعظم الأرزاق في هذه الحياة:

فَإِذا رُزِقتَ خَليقَةً مَحمودَةً * فَقَدِ اِصطَفاكَ مُقَسِّمُ الأَرزاقِ

فَالناسُ هَذا حَظُّهُ مالٌ وَذا * عِلمٌ وَذاكَ مَكارِمُ الأَخلاقِ

عشنا معه أياما جميلة في كلية الشريعة والقانون بدمنهور ننعم بصحبته الطيبة وخصاله الكريمة، وكان آخر العهد به الإجازة الصيفية من عام 2021، حينما كنت في مصر، وذهبت إلى إدارة جامعة الأزهر بالقاهرة لمتابعة أوراق المعاشات الخاصة بي، وقابلت هذا الشهم النبيل هناك، وإذا به يمارس عادته في خدمة الآخرين وإسعادهم، فيرافقني في متابعة أوراقي، وكان ما يزال في صحته وعافيته، وزارني في مسكني، وقضيت معه يوما جميلا، ذكرني فيه بزيارته لي في قريتي ( سنهور المدينة مركز دسوق ـ محافظة كفر الشيخ ) بمناسبة عرسي، وأفاض علي بالحديث عن والدته رحمها الله، ثم حديث المحب الطيب عن الزملاء والأحباب والأصدقاء بكلية الشريعة والقانون بدمنهور، وختم مجلسه بالحديث عن الصلاة والسلام على رسولنا الكريم سيدنا ومولانا محمد، وأهميتها في تفريج الهموم والغموم، وعلمني بعض الصيغ التي أخذتها عنه، ومن هذه الصيغ ( اللهم صل صلاة كاملة، وسلم تسليما تاما، على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب، وتقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب، وحسن الخواتيم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم حق قدره ومقداره العظيم ) وأيضا : (اللهم صل وسلم وبارك على نور الأنوار وسر الأسرار وترياق الأغيار ومفتاح باب اليسار سيدنا محمد المختار وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار عدد كلمات الله وأفضاله ... اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله وصحبه وسلم حق قدره ومقداره العظيم).

واليوم بعد أن رزئت بفراقه كلية الشريعة والقانون بدمنهور، ورزئت به عائلته وأهله ومحبوه، أتصور أن المصاب الأكبر هو فقد مثل هذه النماذج الأخلاقية، لأن الحاجة إلى الأخلاق ضرورة ماثلة، على مر الدهور والعصور، وخاصة في زمننا المعاصر، وهي تحتاج إلى جهد كبير لإنباتها، وغرسها بين الشباب، ورعايتها، حتى تزهر وتؤتي ثمارها، ورحم الله القائل:

هي الاخلاقُ تنبتُ كالنبات  *  إذا سقيت بماء المكرمات

تقوم إذا تعهدها المُربي   *  على ساق الفضيلة مُثمِرات

وتسمو للمكارم باتساق  *  كما اتسقت أنابيبُ القناة

وتنعش من صميم المجد رُوحا  *  بأزهارٍ لها متضوعات

وليس النبت ينبت في جنان  *  كمثل النبت ينبت في الفَلاة

رحم الله الأستاذ صبري ضيف وأسكنه فسيح جناته وأنزله الفردوس الأعلى من الجنة، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وفي الختام أعزي نفسي وأعزي أبناءه وأهله وعائلته، وأهل بلده، وأعزي كليته، كلية الشريعة والقانون بدمنهور: عميدا ووكلاء وأعضاء الهيئتين التعليمية والإدارية وكل العامين بها، وسبحان من له الدوام و(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ) .

وسوم: العدد 1036