( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسنّدة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون)

حديث الجمعة :

مر بنا في حديث الجمعة السابق ذكر الله عز وجل حالا من أحوال فئة المنافقين، وهي حذرهم من نزول سورة تنبئهم بما في قلوبهم من إضمار الاستهزاء برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين نكاية  واستخفافا بهم  .

 وفي حديث هذه الجمعة سنعرض لحال أخرى من أحوالهم وردت في الآية الكريمة الرابعة من سورة المنافقين حيث قال الله تعالى : (( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسنّدة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أتى يؤفكون )) ، ففي هذا وصف مادي ومعنوي للمنافقين ظاهرا وباطنا ،علما بأن أهل النفاق هم بالضرورة كذلك ، وقد شُبِّه حالهم بحال اليربوع، وهو حيوان ثديي من القوارض يتخذ له في الأرض جحورا، يظهر بعضها ويخفي البعض الآخر ، وتسمى النافقاء، وهو يستعملها إذا أحس بخطر يتهدده . ولما كان للمنافق ظاهر خادع مخالفا لباطنه، شُبّه بحال هذا القارض  في التخفي .

أما  وصف المنافقين الظاهر المادي، فهو جمال، وكمال، وقوة أجسامهم التي تثير إعجاب من يراهم ، فيعتقد أنهم  يرجى منها النفع والفائدة ،  و يعجب أيضا بحسن أقوالهم  أداءً ، وفصاحة، وبلاغة والتي تغري بالانصات إليهم ، ويظن بها الفائدة، و الصواب ، والنفع ، والخير ، والنصح  . وباجتماع هاتين الصفتين فيهم ينخدع بهم من يراهم، ومن يسمع قولهم ، فيحسن الظن بهم ، ويثق فيهم ثقة عمياء .

وأما حقيقة حالهم التي يخفونها فهي أنه  لا طائل ولا فائدة ترجى من أجسامهم وهيئاته ، وأن مثلهم كمثل خُشُب لا يُنتفع بها في سُقُف أو دُعُم  أو غير ذلك ،بل تطرح أرضا  أو تسند إلى جُدُر أو غيرها . وقد جاء التعبير عن أجسامهم في هذه الآية الكريمة غاية في دقة التصوير من خلال تشبيههم بالخُشُب المُسنَّدة، لأن الأصل في الخُشُب أن تكون نافعة لما فيها من قوة تتحمل الثقل سواء سُقِفت بها البنايات أو جعلت أعمدة لها ، أما إذا طرحت  أرضا أو سُنِّدت إلى غيرها ،فلا فائدة ترجى منها ، فكذلك حال المنافقين الذين لا نفع في قوة أجسادهم التي قد يُعجب بنها من يراها ، ويرجو منها المنفعة والدعم .

وليس حال أقوال المنافقين بمخالف لحال أجسامهم ، ذلك أنها تسترعي الانتباه ببلاغتها وفصاحتها ، وتغري بالفائدة، والحقيقة أنها خلاف ذلك  لأنها مجرد تمويه على ما يخفي أصحابها  في صدورهم من شر ، وكيد ، وحقد، وكراهية، وعداء للمؤمنين ، ولدين الإسلام .  

ونظرا لما هم  عليه في باطن هو نقيض ظاهرهم ، فهم أعدى  ألد الأعداء، لأن   من  يبدي عداءه  ليس كمن  يخفيه  ليخادع به ، كي يغدر ، ولهذا  يلزم الحذر منه أكثر من الحذر ممن هو ظاهر العداوة . ويترتب عن هذه الحال أن المنافقين يتوجسون من المؤمنين ، وهم يظنون أنهم على نفس درجة عدائهم وكرههم لهم،وأنهم قد اطلعوا على بواطنهم ، وأن كل  موقف أو تصرف يصدر عنهم  هو تهديد لهم ، لأنهم  عبارة عن طوابير خامسة ترابط في خندق الكفر المتقدم .  

وتختتم الآية الكريم بالدعاء عليهم، وهو أيضا تعجيب بأمرهم  كما جاء في كتب التفسير ، وذلك في قوله تعالى : (( قاتلهم الله أنى يؤفكون )) لأنهم كاذبون  ، ومفترون ، يصرفهم نفاقهم عن سبل الحق والخير والهدى .

مناسبة حديث هذه الجمعة هو تنبيه المؤمنين أولا من الوقوع  سهوا أو غفلة في النفاق والعياذ بالله ، وثانيا تحذيرهم من الانخداع بالمنافقين الذين لا يخلو من وجودهم زمان أو مكان ، ولا يخف عداؤهم لأهل الإيمان ، ولا  ينقطع  مكرهم وكيدهم ، وشرهم ، ذلك أن العبرة بعموم لفظ هذه  الآية الكريمة  التي كشفت عن نفاق المنافقين ، وليس بسبب نزولها في أفراد بأعيانهم من المنافقين زمن النبوة .

ولقد ورد في بعض كتب التفسير أن الخطاب في هذه الآية الكريمة ليس موجها بالضرورة إلى رسول  صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى كان يخبره وحيا بأحوالهم ،بل هو موجه إلى عموم المؤمنين في كل زمان وفي كل مكان إلى قيام الساعة، وهم أولى بالحذر منهم لخفاء أحوالهم عنهم ، بعد انقطاع الوحي.  

ولا يخلو زمان من منافقين قد ينخدع المؤمنون بقوة أجسادهم أو كمالها أو جمالها ، ويظنون بها خيرا يعود عليهم بالنفع في حين  هي  بلا طائل يرجى منها ، وقد ينخدعون أيضا بأقوالهم ، ويعجبون بها ، والحقيقة أنها محض كذب وخداع وافتراء ، وانصراف عن الخير والحق والهدى ، وصرف للغير عن كل ذلك .

وعند تأمل واقع المسلمين اليوم لا نعدم وجود نماذج من المنافقين الذين يخدعونهم  بقوة  كاذبة  لكنها  في الحقيقة دون نفع أوخير يرجى منها ويعود على  الأمة المسلمة  ، وفيها اليوم من يعانون الويلات  من ظلم الكافرين ، ولا يجدون  وليا ولا نصيرا ،ويُتَفرج  عليهم  في بلاد الإسلام وهم يقتّلون ، ويبادون  جماعيا، ويجوَّعون ، ويحاصرون ، وهم في أمس الحاجة إلى من يدعمهم ،وينصرهم ، ويرفع عنه الضيم ممن يُظَن بهم القوة والبأس في ظاهرهم، وهم في باطنهم وحقيقة أمرهم عبارة عن خندق متقدم  يخدم ويدعم أعداء الأمة وأعداء الدين .

   و قد ينخدع المؤمنون أيضا بأقوال وشعارات زائفة مضللة تسرد عبر أخبار أو مؤلفات أو مقالات أو ندوات أو محاضرات أو دروس  أوحتى خطب أو مواعظ ظاهرها  التوعية والتوجيه والنصح ، وباطنها من قبله الخداع والتضليل، والتخدير،  والتحريف ، والتشكيك في الدين و في التدين ، وفي مصداقية مصادره الموثوقة ، و في مصداقية من بلغوا بصدق وأمانة مضامينها عبر عصور خلت ، وما كانوا من قبل مظنة شك أو تشكيك.

اللهم إنا نعوذ بك من النفاق  وما يوقع فيه من أفعال أو أقوال أو مواقف لا ترضيك ، ونعود بك من كيد منافقين  تعلمهم ولا نعلمهم . اللهم افضحهم كما فضحت من كان قبلهم من المنافقين ، ونبه المؤمنين إلى مكرهم، واجعل كيدهم في نحروهم ، وعجل لهم بعذاب قريب عاجل من حيث لا يحتسبون .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .  

وسوم: العدد 1129