ثلاثون

ثلاثون

قبل ثلاثين عاماً.. غادر البيتَ فتىً طريّ العود، مغضوب على صوته الذي انطلق من فوق منصّة تشتت المحيطون بها بين سجن، وغربة، وموت ..

فتىً كان يحلم بعراقٍ لا يمتهن كرامته..

ولا يسرق حريته..

ولا يكتم صوته..

ولا يقتفي ظلّ قصيدته..

فتىً حمل الوطن معه وغادر، على أمل عودة وشيكة إلى بيتٍ أجمل..

وإلى أمّ أهلكها الإنتظار..

وإلى أبٍ بسيط صابر..

وإلى إخوة أحرار كالميلاد!

لم يدرِ ذلك الفتى الغضّ أن ظهره سيظل عارياً طيلة ثلاثين عاماً..

وأن للطغيان عمر الغربة ونوايا الشياطين ..

وأنه سيسرق، بعد عامين، شقيقه الأصغر بحادثٍ مفتعل..

وسيعلّق شقيقه الآخر على واحدةٍ من مشانق ألعابه، ويبخل على أمه الثكلى حتى بشكل القبر!

وأنه سيكسر هيكلَ أبٍ، ظلّ يتلفّت على فراش الموت بحثاً عن أبنائه!

لم يكن ذلك الفتى الغض يعلم أن السنين الأجمل ستمضي دون أن يغنم الحلم، وأنّ عين الأم ستبقى معلّقة على الباب..

إنها ثلاثون عاماً، يكتبها أحمد مطر: سيرة شاعر، وغربة، وبيت مازالت تصفعه الرياح..