تنبيه السادة الوعاظ إلى جملة من الأخطاء الغلاظ في المعاني والألفاظ والأفعال الشواظ...

تمهيد

نبدأ أولا بتعريف الوعظ وبيان فحواه:

جاء في لسان العرب: (الوَعْظ والعِظةُ والعَظةُ والمَوْعِظةُ: النُّصْح والتذْكير بالعَواقِب؛ قال ابن سيده: هو تذكيرك للإِنسان بما يُلَيِّن قلبَه من ثواب وعِقاب.

وفي الحديث: لأَجْعلنك عِظة أَي مَوْعظة وعِبرة لغيرك، والهاء فيه عوض من الواو المحذوفة).

وفي الاصلاح كما في معجم المعاني:

(الوعْظ والإرشاد: مجموعة القواعد والأصول المنهجيَّة التي يقوم عليها تكوين الخُطَب الدِّينيّة وإلقاؤها).

و عليه فالوعظ في فحواه: عملية دينية تربوية لردع الإنسان عن ارتكاب المعاصي أو تقصيره في فعل الطاعات.

***  

 الوعظ ليس مهنة. ولا مهمة رسمية يقوم بها الواعظ، وليس مهمة تشريفية ... وإنما هو مهمة دعوية خطيرة، لا يقدر عليها إلا الرجال الصالحون... ولذلك حذر الإمام الغزالي من أن يقتحمها من ليس أهلا لها. فقال في رسالة أيها الولد محذرا من عمل الوعاظ ما لم يكونوا ملتزمين بما يقولونه للناس: (... وهو أن تحذر وتحترز من أن تكون واعظا ومذكرا ، لأن آفته كثيرة إلا أن تعمل بما تقول أولا، ثم تعظ به الناس فتفكر فيما قيل لعيسى عليه السلام: يا ابن مريم عظ نفسك ، فان اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح من الله).

***

وهنالك ثمة ملاحظات على بعض السادة الوعاظ لا بد منها، فمن ذلك:

1 إن الإكثار من الوعظ المتواصل هو أمر غير محمود،  ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار للموعظة الوقت المناسب، ففي الحديث عن ابن مسعود: (كانَ عبدُ اللهِ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَومِ خَمِيسٍ، فَقالَ له رَجُلٌ: يا أَبَا عبدِ الرَّحْمَنِ إنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ، وَلَوَدِدْنَا أنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَومٍ، فَقالَ: ما يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إلَّا كَرَاهيةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَتَخَوَّلُنَا بالمَوْعِظَةِ في الأيَّامِ، كَرَاهيةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا). رواه مسلم.

2 الإسلام ليس وعظا كله، بل هو منهاج حياة في كافة أنشطتها الاجتماعيةوالاقتصادية والسياسية والروحية والعلمية والتربوية، فلا ينبغي أن يطغى جانب في تببليغه على آخر، فهذا تقزيم لرسالته وتشويه لها...

(تنبيه) مادة وعظ بكافة مشتقاتها وردت 24 مرة فقط في القرآن الكريم...

بينما وردت مادة عقل 59 مرة.

ووردت كلمة علم ومشتقاتها 779 مرة في القرآن الكريم...

فلا ينبغي التركيز على الوعظ وحده دون العقل والعلم ونحو ذلك... فنحن أمة (اقرأ) وأمة (وقل رب زدني علما). وأمة الوعظ والأخلاق والتزكية وتهذيب الفرد والمجتمع.

3 المبالغات في الوعظ غير محمودة، فكل ابن آدم خطاء، والخطأ طريق للتوبة وتجديد العهد مع الله عز وجل.

 جاء في صحيح الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم قال: (قالَ اللَّهُ تبارَكَ وتعالى يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ لو بلغت ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ، ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لو أتيتَني بقرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً).

4 توبيخ الناس بشدة لارتكابهم الذنوب غير حميد، لأن الخطأ وارد، ونحن ندعو في آخر آية من سورة البقرة بقوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).

وجاء في السنة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله -تعالى، فيغفر لهم). رواه مسلم.

فلا ينبغي التوبيخ الشديد ولا استخدام ألفاظ غير لائقة في الوعظ كوصف المذنب والمقصر بالبهيمة والحيوان والمجنون... فهذا كله لا يليق .. كما أنه ينفر الإنسان قبول الحق. قال تعالى في سورة الإسراء:

(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا (53).

5 التيئيس من رحمة الله عمل الجهلة من الوعاظ وليس عمل  العلماء منهم، فباب التوبة مفتوح ولا ييأس من رحمته سبحانه إلا القوم الكافرون.

وكذلك ينبغي الحديث باعتدال عن الجنة والنار، لا على النار وحدها كما عودونا... وكأن الرحمن الرحيم خلق الخلق ليتعقبهم ويعذبهم وينتقم منهم فقط، وحاشاه من ذلك.. فقد وعد بالعطاء المضاعف لمن خاف مقامه، قال تعالى: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ )، إنهما جنتان لا واحدة!.

6 حب الجاه والولائم يسيطر على بعض الوعاظ، فيحدثونك عن الزهد وهم ضيوف على موائد علية القوم وبخاصة في رمضان.

لنتذكر ما جاء في البخاري عن أبي هريرة: (شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأغْنِيَاءُ ويُتْرَكُ الفُقَرَاءُ، ومَن تَرَكَ الدَّعْوَةَ فقَدْ عَصَى اللَّهَ ورَسولَه، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم).

7 قد يجري النفاق بالدعاء على ألسنة بعض الوعاظ، فهم يزكون بعض من يدعون له ويصفونه بالصلاح والتقوى خلال الدعاء وبخاصة إذا كان من علية القوم ... وقد نهى الإمام الغزالي عن الدعاء علانية للسلاطين خشية دخول الرياء.. والأصل ألا نزكي على الله أحدا.

قال الغزالي رحمه الله تعالى في رسالة أيها الولد: (لا تخالط الأمراء والسلاطين ولا ترهم لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفه عظيمة، ولو ابتليت بها دع عنك مدحم وثنائهم، لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم، ومن دعا لطول بقائهم فقد أحب أن يعصى الله فى أرضه).

8 دأب بعضهم على الهمز واللمز بغيرهم من الوعاظ المنافسين لهم في سوق العلم والدعوة... وليس هذا من شأن أهل الإخلاص المخبتبن لربهم عز وجل... ونذكر هنا بما جاء عن أبي هريرة t قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: (لا تَحاسدُوا، وَلا تناجشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَدابرُوا، وَلا يبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بيْعِ بعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّه إِخْوانًا، المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم: لا يَظلِمُه، وَلا يَحْقِرُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ بِحسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِر أَخاهُ المُسْلِمَ، كُلّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ: دمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ). رواه مسلم.

 وتجريح العلماء والوعاظ بعضهم بعضا مرفوض، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (لا تقبلوا قول العلماء بعضهم على بعض؛ فإنهم يتغايرون).

وقد ذكر الراغب الأصفهاني في كتابه محاضرات الأدباء: (هلاك العلماء بحسدهم).

9 ازدراء الأطفال والنساء لدى بعض الوعاظ، فيتحدثون عنهم بأنهم من متاع الدنيا الذي يصد عن سبيل الله... لا على أن الأطفال هم رجال الغد والمرأة هي نصف المجتمع.

ومن المؤسف أن يمنع بعضهم اصطحاب الأطفال للمساجد.

10 تزهيد الناس بالعمل الدنيوي... فالعمل الفاضل عندهم هو العبادات فقط... والسنة عكس ذلك تماما،  فقد أخرج الطبراني عن كعب بن عجرة قال : " مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه فقالوا : يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان " .

11 الفصل بين الدين والدنيا.. علما أن الدنيا مزرعة للآخرة، والإسلام برنامج للدين والدنيا، والعلاقة بين الدين والدنيا علاقة تلازمية ولا صلاح لأحدهما دون الآخر... وإنما ذم الإسلام الدنيا في حالتين:

الأولى: إذا كانت سببا للكفر كما في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا (35).

ثم أضاف: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (36).

فكانت عاقبته هلاك جنته.

الثانية: إذا كان حب الدنيا وشهواتها سيشغله عن واجب الجهاد دفاعا عن الدين والوطن. قال تعالى في سورة التوبة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38).

وفي غير ذلك لا ينبغي منع الناس من طلب الدنيا وطيباتها، قال تعالى في سورة الأعراف: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32).

وفي الحديث: (نِعمَ المالُ الصَّالحُ للرَّجلِ الصَّالحِ). صححه الألباني.

12 نبذ الأسباب الموصلة للسعادة، فتراهم يرددون قول الشاعر:

لا تدبر لك أمرا

فأولو التدبير هلكى

سلم الأمر إلينا

نحن أولى بك منك

وهذا الكلام افتراء على الله سبحانه الذي أمر بالأخذ بالأسباب، فقال: (وأن ليس للإنسان إلا ماسعى).

وعن علي رضي الله عنه قال: كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، ذَاتَ يَومٍ جَالِسًا وفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ به، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: (ما مِنكُم مِن نَفْسٍ إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ). قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفلا نَتَّكِلُ؟ قالَ: (لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له). ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بالحُسْنَى}، إلى قَوْلِهِ {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10]. رواه مسلم.

13 الاشتغال بالحديث عن الخوارق والكرامات والاتكال عليها بدلا من القيام بالواجبات... والعامة يفرحون بأحاديث الكرامات كثيرا... وبعض هذه الكرامات غير صحيح، وقد تكون أقرب للأساطير...

14 تعليق الناس بالخضر عليه السلام وأنه سيحضر لمساعدتهم عند طلبه وهذا باطل فالخضر مات، قال تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد). وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نفسٍ مَنفُوسةٍ اليومَ ، يأتِي عليْها مِائةُ سنةٍ ، وهِيَ يومَئِذٍ حيَّةٌ). رواه مسلم عن جابر.

فالمعونة لا تطلب من مخلوق ضعيف ميت لا حول له ولا قوة.. وإنما يجب طلب المعونة من الحي القيوم الذي لا يموت.

15 تعليق الناس بالأولياء الكرام، وطلب النجدة منهم وقت الشدائد كالجيلاني والرفاعي والدسوقي .... وهذا غلط مضر بالتوحيد، وإنما تطلب النجدة من الله وحده، قال تعالى في سورة النمل: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62).

16 التجارة بالدين عن طريق الرقى والتمائم وفك السحر مقابل مبالغ مالية كبيرة ... والعياذ بالله تعالى من هذا كله.

17  يجب الاحتراز من دفع الناس للفتن والمهالك والمصائب والحروب الأهلية... وإنما واجب الوعاظ هو الإصلاح بين الناس،  قال تعالى في سورة الحجرات: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10).

18 سوء فهم القضاء والقدر، وتحميل المسئولية في مصائب الأمة للقدر، والله تعالى يقول في سورة آل عمران: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165).

 وكذلك لا ينبغي تشويش العامة بموضوعات يحسن عدم الخوض فيها، كآيات الصفات ونحوها...

19 الكلام بالعامية من غير ضرورة لذلك... والعربية الفصحى هي الأصل والفصل والفضل.

20 يعمد بعض الوعاظ إلى رفع يديه للتقبيل... والأحسن المصافحة والتواضع أمام الناس.. وذلك لما رواه أبو داود والترمذي عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا).

21 وبعضهم يقوم بالسماح لغيره بحمل نعليه ... وهذا لا ينبغي فهو يورث المهانة للحامل والتكبر لصاحب النعلين.

22 وبعضهم يسمح لتلاميذه بالتبرك بنخامته ، وهذا عمل قبيح يورث تناقل الأمراض، وينبغي العدول عنه.. ولا يليق بواعظ محترم أن يقبله، ولا إنسان محترم أن يفعله ...

فنحن نأخذ عن الوعاظ تذكرتهم وعن العلماء علمهم ... ولا علاقة لنا بعد ذلك بنخامتهم وآثارهم وملابسهم وأظافرهم...

وأما ما ورد عن تبرك الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو خاص به دون غيره من الناس. قال ابن باز في فتاويه: (ولهذا لم يتبرك الصحابة رضي الله عنهم بأحد منهم، لا في حياته ولا بعد وفاته ﷺ، لا مع الخلفاء الراشدين ولا مع غيرهم، فدل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك خاص بالنبي ﷺ دون غيره).

23 وبعضهم تراه عبوس الوجه مقطب الجبين... وهذا خلاف السنة التي أمر صاحبها صلى الله عليه وسلم ببشاشة الوجه. ففي الحديث عن أَبي ذرٍّ قَالَ: قَالَ لي رسولُ الله ﷺ: (لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ) رواه مسلم.

24 وهناك من يرفع الصوت من غير ضرورة. وكذلك يسيء استخدام النبر في الحديث... لذا يجب تعلم مهارات التواصل مع الآخرين قبل التحدث إليهم.

25 لا ينبغي للواعظ أن يطيل التحديق بمشاهديه... وليكن كما كان علي بن الحسين رضي الله عنهما:

يغضي حياء ويغضى من مهابته

فلا يكلم إلا حين يبتسم

26 يجب اجتناب إحياء البدع على القبور مثل الأربعينية على الميت وهي أمور ما أنزل الله فيها من سلطان.

27 يعمد بعضهم إلى الإكثار من استعمال أدعية غير مأثورة ونبذ المأثور من الدعاء. وذلك لجهل بعضهم بالصحيح والمأثور من الدعاء.

28 هنالك من يفتعل البكاء المصطنع في صلاة القيام والتهجد... وهذا مما لا ينبغي.. إلا إذا غلبه الحال فبكى من خشية الله تعالى.

29 هنالك من لا يحسن اختيار الوقت المناسب للوعظ، كالوعظ عند شدة حرارة المناخ، أو شغل الناس..

30 لا ينبغي الوعظ في أماكن غير مناسبة؛ كملاعب الكرة أو الحفلات القائمة في  صالات الزواج ...

31 الإطالة في الوعظ ليس شيئا محمودا،  والسنة التقصير إلا لشيء عارض.

32 قد يكون هنالك تشتيت للذهن بالإكثار من المواضيع في الموعظة الواحدة، مع سرعة الانتقال بينها؛ مما يجعل الفكرة غير واضحة .

33 يلجأ بعضهم لسرد الأحاديث الموضوعة والمنكرة، والأخبار الواهية وترك الأحاديث الصحيحة.. وهذا من قلة العلم وسوء الفهم.

34 اختيار القصص الغريبة والمبالغة في ذكرها من دون توثيق مكانها وزمانها وأحداثها وأشخاصها.مما يشكك في صحتها أصلا.

35 يكثر بعض الوعاظ من الالتفات والحركات خلال حديثه، وهذا مما ينافي الوقار والجلال.

36  فرض الله عز وجل طاعة ولاة الأمور من المسلمين، وحث الحكام على العدل والشورى وإقامة الحدود وحفظ الأمن ورعاية العباد والبلاد... وولاة الأمور بحاجة إلى من يساعدهم ويسددهم بالنصيحة والكلمة الطيبة والرأي الرشيد، ففي الحديث الشريف عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) قُلْنَا لِمَنْ ؟ ، قال : ( لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) " . رواه مسلم.

ولكن كثيرا من الوعاظ جعلوا النصيحة للعامة فقط ويتحاشون أي كلمة في الشأن العام ولو كانت نصيحة لحارس مدرسة،  ... وذلك إما خوفا أو طمعا ... وهذا لا ينبغي.. فهو انتهازية وهروب من المسئولية... فكلمة الحق حياة للأمة، وقد اصطفى الله تعالى موسى ليرسله إلى فرعون فيذكره بالكلمة الطيبة، قال تعالى في سورة طه: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44).

ومن باب أولى تذكير ولاة المسلمين رعاهم الله وأرشدهم وسددهم، فإن بهم صلاح الدين والدنيا، ولذلك اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم عملا عظيما، فقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.

37 لا يتحدث أكثر السادة الوعاظ عن أي مشروع نهضوي للأمة، ولا المخاطر الجسيمة التي تهددها، ولا عن حاجة العالم لهذا الدين ... فمشروعهم كله قائم على الأمر والنهي: افعل ولا تفعل.. وهذا يدل على قصور الرأي وضيق الأفق وجهل الواقع... لأن الغرض الأسمى للدين ليس مجرد إيجاد أفراد صالحين يعبدون ربهم... وإنما هو إنشاء أمة وسطية تكون قائمة بالدعوة وشاهدة على الناس، وذلك كما قال تعالى في سورةالبقرة: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ).

***

نختم بهذه الأبيات لأبي العتاهية:

يا واعِظَ الناسِ قَد أَصبَحتَ مُتَهمّاً

إِذ عِبتَ مِنهُم أُموراً أَنتَ تاتيها

كَالمُلبِسِ الثَوبَ مِن عُريٍ وَعَورَتُهُ

لِلناسِ بادِيَةٌ ما إِن يُواريها

وَأَعظَمُ الإِثمِ بَعدَ الشِركِ نَعلَمُهُ

في كُلِّ نَفسٍ عَماها عَن مَساويها

وَشُغلُها بِعُيوبِ الناسِ تُبصِرُها

مِنهُم وَلا تُبصِرُ العَيبَ الَّذي فيها

***

نسأل الله تعالى الهداية والخير للجميع وحسن الالتزام بالكتاب والسنة، والانتصار للحق، وحسن خدمة الناس  ونشر العلم والمعرفة.

وكل عام وأنتم بخير.

وسوم: العدد 1073