( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم )

حديث الجمعة :

مر بنا في حديثين سابقين ذكر الله عز وجل بعض ما كان عليه المنافقون  زمن نزول الوحي من أحوال تعكس خبث سرائرهم التي كانوا يخفونها عن المؤمنين وهم يضمرون لهم الشر ، ويكيدون لهم كل كيد . وفي هذا الحديث سنعرض لحال أخرى من تلك الأحوال كما جاء في الآية التاسعة والأربعين من سورة الأنفال التي تناولت أخبارغزوة بدر الكبرى حيث قال الله تعالى : (( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم )) ، وهنا يتعلق الأمر بمحاولة المنافقين تثبيط عزائم المؤمنين حين كانوا يواجهون أعداءهم الكفار والمشركين في ساح الوغى .

 ومن أساليب التثبيط التي كانوا يعتمدونها  السخرية من المؤمنين ، ونعتهم بالغرور ، وهو شعور متهور ينتاب النفس البشرية حين تظن المنفعة فيما  هو مضر بها ، وهذا الشعور إنما يقع فيه من لا يقدر سوء العواقب .

ووصف المنافقين المؤمنين بهذا الوصف هم ومن كانوا على شاكلتهم من مرضى القلوب وهم من لم  يتمكن ، أو يرسخ الإيمان في قلوبهم بسبب ترددهم وشكوكهم في دعوة الإسلام  له وجهان :

 الوجه الأول : هو تثبيط المؤمنين، والفل  في عزائمهم من خلال تخويفهم من قوة وبأس أعدائهم ، وكثرة عددهم وعدتهم  من أجل بث الخور في نفوسهم ، وتراجعهم ثم انهزامهم .

 أما الوجه الثاني :  فهو الرفع  من معنويات الأعداء كي يزدادوا إقداما  واندفاعا من أجل إيقاع الهزيمة بالمؤمنين ، والقضاء عليهم ، ومن ثم القضاء على دعوة الإسلام ووأدها في مهدها .

وهذا التثبيط الصادر عن المنافقين ومرضى القلوب  كان  خيانة ، و خذلانا، وغدرا ، ونكاية بالمؤمنين ،وهم في ظرف عصيب  قلة وذلة  يواجهون فيه أعداهم المشركين  في أول صدام مسلح بين الحق والباطل، وشوكة الإسلام  لمّا تقو بعد ، مع ما كان  عليه المنافقون  من إظهار الإيمان الكاذب للمؤمنين وقلوبهم قد تشربت الكفر والشرك ، وكانوا بنفاقهم  يؤثرون في مرضى القلوب المترددين بين الإيمان والكفر ، ويشجعونهم على سلوك نهج النفاق مثلهم . وما أشد وقع الخذلان يومئذ على المؤمنين هم قلة قليلة تواجه كثرة كاثرة . ولقد كان من المفروض ـ  لو صح  ادعاء المنافقين الإيمان ـ  أن يصدر عنهم ما يثبت المؤمنين في مثل هذا الظرف ، وليس العكس ، ويقوي عزائمهم ،ولكن المنافقين  على العكس من ذلك سلكوا أسلوب التثبيط مع المؤمنين في  أقسى وأشد اللحظات عليهم ، واغتنموا الفرصة للشماتة بهم تعبيرا عما كان يجيش حقيقة في صدورهم من كراهية لهم ، ومن حقد عليهم .

ووصف المنافقين ومرضى القلوب من ضعاف الإيمان المؤمنين بالغرور هو في الحقيقة  محاولة للنيل من دين الإسلام ، من خلال تنزيله منزلة ما يغري بالنفع وفيه مضرة، لهذا شبهوا المؤمنين بالمغرورين الذين غرهم دينهم فأقدموا متهورين على مغامرة غير محسوبة العواقب ، وهم يقصدون بذلك ما وعد به الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بالحسنيين نصر أو شهادة ، علما بأن المنافقين كانوا  أحرص الناس على حياة ، ولذلك لم تكن الشهادة في سبيل الله، وما وعد به سبحانه وتعالى الشهداء من نعيم مقيم  في الآخرة  تعني عندهم شيئا، بل كانوا يعتبرونها غرورا ينتاب المؤمنين ، فيطوحون بأنفسهم في نزال خاسر ، وغير متكافىء عددا وعدة ، والواقع أنهم غفلوا عن وعد الله الناجز في قوله عز من قائل : (( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم )) ،وهو وعد صادق فيه بشرى بالنصر عند التوكل على عزيز حكيم.    

ولما كانت العبرة بعموم لفظ الرسالة  العالمية الخاتمة المنزلة على خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كي يبلغها إلى العالمين حتى يوم الدين  ، وليس بخصوص أسباب نزولها ، فإن أحكامها تهم كل من أدركها . ولا يمكن اعتبار أحوال من نزلت فيهم  مجرد أحداث تاريخية  ماضوية عفى عنها الزمن، بل هي أحوال تتكرر في كل زمان و في كل مكان إلى قيام الساعة . ولم يخل ، ولن يخلو أبدا  زمن من الأزمنة من الفئات التي صنفتها هذه الرسالة مؤمنون ، وكافرون ، ومنافقون ، ومرضى القلوب .

ومعلوم أن النزال بين أهل الإسلام وأهل الكفر والشرك قد تكرر عبر التاريخ الإسلامي ، و حتى قبله كما أخبر بذلك الله تعالى في محكم التنزيل، وكان المؤمنون في بعض الحالات يمرون بنفس الظرف الذي مر به الرعيل الأول منهم في غزوة بدر الكبرى ، وكان المنافقون ومرضى القلوب دائما يرددون   نفس عبارات التثبيط التي تستهدف النيل من عزائم المؤمنين ، وسيبقون على هذه الحال إلى قيام الساعة .

مناسبة حديث هذه الجمعة هي تنبيه المؤمنين  ، وتحذيرهم من نهج سبيل المنافقين أو مرضى القلوب حين  يقع  الصدام بين الحق والباطل ، وهو نزال بين الفئة المؤمنة ، والفئة الكافرة  كما هو الحال اليوم  في الحرب الدائرة في ارض الإسراء والمعراج  منذ شهور وهي  حرب  ضروس،  وغير متكافئة  من حيث العدد والعدة بين المؤمنين المجاهدين، المرابطين فوق أرضهم  ، وبين الصهاينة المعتدين  الذين عجزوا عن مواجهتهم وقد أذاقوهم البأس الشديد بعون من الله عز وجل  الذي وعد به كل مجاهد في سبيله ، فانتقموا من العُزَّل  أطفالا ونساء ،  وشيوخا عجزة  وأعملوا في التقتيل  والإبادة الجماعية ، وحاصروهم  لتجويعهم  إلى حد الهلاك معبرين بذلك عن وحشيتهم وهمجيتهم وشدة عدائهم للمؤمنين كما أخبر بذلك رب العالمين في محكم التنزيل .

وأمام هذه المأساة الإنسانية التي تحرك لها ضمير العالم بأسره  باستثناء الأنظمة الغربية المتواطئة  مع الكيان الصهيوني في جرائم الإبادة الجماعية والتجويع وعلى رأسها  الإدارة الأمريكية ، ينبري منافقون ومرضى القلوب  من المحسوبين على الإسلام للنيل من صمود المجاهدين المرابطين فوق أرضهم  وهم يرددون نفس عبارة  المنافقين ومرضى القلوب يوم غزوة بدر (( غرّ هؤلاء دينهم )) ، وقصدهم  النيل من عزائمهم  ناسين أو غافلين  أو متغافلين عن وعد الله الناجز أو مشككين فيه ، وهو قوله تعالى (( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم )) .

وما أكثر اليوم  الذين يعتبون على المجاهدين المرابطين في أرض الإسراء والمعراج متظاهرين بالشفقة على الضحايا  ، ويجعلون من عتبهم هذا ذريعة واهية لتبرير خذلانهم ، وخيانتهم ، وتقاعسهم عن  واجب نصرة  من يلزمهم شرع الله عز وجل  بذلك . و الأدهى من ذلك أن فيهم من يقفون علانية وسرا في صف الصهاينة المعتدين تأييدا ودعما لهم  وسكوتا على إجرامهم ووحشيتهم وهمجيتهم ،  بل منهم من يجاهرون ويفاخرون بكل وقاحة بأنهم منهم  والله تعالى قد نهى عن ذلك بقوله : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )) . وسيسجل التاريخ هذا الخذلان كما سجل الوحي ذلك زمن نزوله ، وعند الله عز وجل الحساب وكفى به حسيبا .

اللهم يا عزيز، يا قدير، يا قوي عجل لعبادك المرابطين في أكناف بيت المقدس بوعدك الناجز ،وقد خذلهم الخاذلون ، وشمت بهم الشامتون  فانصرهم اللهم نصرا تعز به دينك ، ويرفع رايته ، وتبكت به الخاذلين والشامتين ، وتهزم به الصهاينة الظالمين وأعوانهم  المستكبرين في الأرض هزيمة نكراء ، واجعلهم اللهم عبرة للعالمين . اللهم إن عبادك المجاهدين من أجل تحرير مجسدك الأقصى لم تلن لهم قناة ، ولم يفل لهم عزم ، وما زادهم خذلان الخاذلين وشماتة الشامتين إلا إصرارا على الصمود والثبات وهم موقنون أشد اليقين أن وعدك ناجز لا محالة ، وأنه قريب بمشيئتك ، فعجله لهم  ،وارفع الحصار الظالم  عن المستضعفين منهم ، وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف ، فإنهم لا ملجأ لهم ،ولا  منقذ ، ولا ناصر إلا أنت سبحانك ، وقد استحر فيهم القتل ، واشتدت بهم المسغبة ، وأنت أرحم الراحمين ، وما نقم منهم الظالمون إلا أن آمنوا بك سبحانك.

اللهم إنا نشكو إليك  من حالوا بيننا ، وبين نصرتهم ، ونقاضيهم يوم القيامة بين يديك .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وسوم: العدد 1129