الصامت الحكيم

الصامت الحكيم 1

شيماء محمد توفيق الحداد

[email protected]

(1)

 في مدينتي الحبيبة عكا كان كل شيء جميلاً ورائعاً؛ بساتينها الخضراء، جبالها الشامخة، السور الذي بناه صلاح الدين الأيوبي، هواؤها العليل، ثمارها المتنوعة، أناسها الطيبون، كل ذلك كان يسعدني ويجعلني أعيش حياة مرحة مليئة بالحبور حافلة بالمسرات..

 وأنا..طفل صغير مغرم بالطبيعة الجميلة، أهوى الاستمتاع بين ربوعها، والبقاء في أحضانها، والإنصات إلى حديثها الشجي المتمثل في حفيف الأشجار وتغريد الطيور وتهادي النسيم وعظمة الجبل وهمس الزهور ورونق الربيع وخرير النهر..أحب تأمل كل ذلك والتفكر به، ألم يقل الله تعالى في كتابه العزيز:{أفلا تتفكرون*}؟!، لابد من التفكر إذاً..

* * *

 (2)

 ذات مرة كنت وصغار الحي نلعب كعادتنا؛ نجري ونقفز، نتشاجر ونختلف ثم نتصافى ونتصالح، نعدو ما وسعنا العدو، نسلم على من نلقاه في طريقنا من الناس..

 وبينما كنا منغمسين في شغبنا البريء إذ لاحت مني التفافة فرأيت ما لم أنتبه له من قبل..وقفت وأصدقائي نحدق بانبهار في هذا المخلوق الأزرق الجميل..

همس أحد الأطفال الذين يكبرونني سناً – وكان في الصف السابع- :

يا له من بحر جميل!..

تمتم الآخر مؤيداً:

نعم..سبحان الله!..

وأخذنا بمنظر الغروب الذي كان أروع من أن تستطيع عقولنا الصغيرة التعبير عن جماله..ولكن أحدنا صاح فجأة:

يا إلهي!..غربت الشمس!..إلى منازلكم أيها الأذكياء وإلا حرمنا من الخروج ثانية!..

وسرعان ما انفرط عقدنا كل ذهب إلى بيته..

* * *

 (3)

 - عدت متأخراً يا بني..

أغلقت الباب خلفي وقلت باسماً:

لقد تعرفت إلى صديق جديد اليوم..

توقفت أصابع والدتي عن حياكة الصوف وقالت ضاحكة:

صديق جديد!..ما أكثر أصدقاءك!..ومن يكون هذا الجديد بينهم يا ترى؟!..

قلت باهتمام وقد برقت عيناي بالحماس:

إنه البحر..

ابتسمت أمي وأمرتني بالتوجه إلى السرير للنوم، ووعدتني إن نمت باكراً أن نفطر عند البحر معاً، وكان هذا عرضاً مغرياً جداً بالنسبة لطفل في مثل سني يزهو بصداقة الطبيعة ويتغنى بجمالها..

* * *

 (4)

 - أمي..هل البحر هادئٌ دائماً؟!.. كذلك أراه..

كانتْ أمِّي تعدُّ الشَّطائرَ بينما أجلس أنا على صخرةٍ في السَّاحلِ الرَّمليِّ، وقالت بإيجاز:

إنَّهُ يثورُ أحياناً يا بني..

صمتُّ قليلاً وَأنا أفكِّرُ كيفَ يكونُ ذلكَ ثمَّ قلتُ فرحاً:

لكنَّهُ هادئٌ الآن..

- هذا من فضلِ الله..

ركضتُ نحوها وَقلتُ:

أتعلمين؟.. إنَّهُ سعيدٌ بوجودنا..

ضحكت ثمَّ قالت:

ولدٌ عجيب!..

بعد ذلك تتالت زياراتي للبحرِ حتَّى صارت شبهَ يومية، أحياناً كنتُ أقصدهُ مع أمي، ومرَّاتٍ كنتُ آتيه وحدي.. أصبحتُ أسلِّم عليه كلَّ يوم، أتأمَّل بديع صنع اللهِ فيه، وأبتسم لطيور النَّورس واللقلق وأسراب الحمام الَّتي تطير على الشَّاطئ..

كنتُ أنظرُ إليهِ متعجِّباً من صمتهِ المثير.. كان سكوته يوحي إليَّ بأنَّ في جعبتهِ أسراراً عديدة، وحكايا فريدة، وأساطير مثيرة، تتسم بالحكمة وتتوشح بالغموض، لكنَّهُ يأبى الإفصاح عن مكنونات أعماقه!.. أذكر أنني قصدته مرَّةً قبل الذَّهاب إلى المدرسة وتساءلت:

-   ترى.. كم جيلاً مرَّ على هذا البحر؟، أخبرنا الأستاذ أنَّ معظم الحضارات نشأتْ على المسطحات المائية, فكم حضارةً شهد هذا البحر يا ترى؟!، كم ملكاً كان بحري الصامت شاهداً على ظلمه أو عدله، تقواه وفجوره؟!.. كم شخصاً حظيَ بحبِّ بحري وصداقته؟!..

وما أن وصلت إلى هذا الحدِّ من التفكير حتى خضَّبت الغيرة وجهي الطُّفوليَّ بلونها الأحمر القاني وَهتفت:

لا .. إنَّه صديقي وحدي!..

فأرسل البحر أمواجه نحوي وشعرت به يقول:

دع عنك هذا التفكير الأحمق.. إنني صديق الجميع..

قلت:

حدثني عمَّا رأيت من الحضارات يا بحري.. آه لو تتكلم أو تفصح لكان هذا غايةً في المتعة والإثارة!!..

ابتسمت أمواجه وقال:

دع عنك الفضول، وفكر فيما هو أهمُّ من ذلك..

بادلته الابتسام، وفجأة هتفت كمن تذكر شيئاً وأنا أنظر في ساعتي:

يا إلهي!.. الثامنة إلا ربعاً سوف يقرع الجرس!!.. وداعاً يا بحري

 ومرَّت الأيام تجر الأعوام الحبلى بالمزيد من الأيام، وكبرت، وكبرت معي صداقتي للبحر..

* * *

(5)

 في عام 1947م أقرّت الدول الكافرة – ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية – التقسيم الذي نادت به بريطانيا، كانت مدينتي عكّا من ضمن المدن المخصصة للعرب، وشعر الفلسطينيون بالظلم والحيف والجور، وتوترت أعصابهم,وثارت حميَّتهم الإسلامية تهيب بهم التصدي لذلك العدوان..وقال الشيخ أحمد – إمام المسجد – يوم الجمعة:

إن هذا التقسيم جائر؛ ففلسطين كلها أرضنا، لا حق لليهود فيها، ولا شأن للعدو

الغريب في مواطنيها..إن ديننا – يا إخوتي – يستصرخ روح الهمة والنخوة في نفوس أبنائه المخلصين، تلك النفوس التي خُلقت للعزة، وجُبلت على الكرامة، لكنها – للأسف – اعترتها فترة خوف وانتابتها حالة استكانة، فكان أن انساقت وراء أهوائها خائرة ذليلة، فضعف إيمانها وسقطت صريعة شهواتها فأسلمت قيادها للعدو الظالم الغريب الطامع ليستبد بحكمها ويحوز خيراتها ويسوم أهلها الذل والخسف والهوان والعذاب..

 كان الرجال يستمعون كأن على رؤوسهم الطير صافَّات، وكانت نيران الثورة تشتعل في الدماء وتتحرق تحت العروق وتتململ بين الضلوع تريد الخلاص والانطلاق والثأر من كل الأشرار والحاقدين، ومس الشيخ أدق وتر لدى الناس عندما قال متابعاً خطبته:

- لقد طغى العدو على أمجاد أمتنا العظيمة وعدا على تاريخها المشرِّف، واستحوذ على ثرواتها النفيسة ومعادنها الثمينة، ونهب خيراتها وأراضيها، وقضى على الكماة الشجعان من حماتها وأبنائها[2]، فخرت على وجهها ذليلة عند موطئ أقدام العدو الشريد الضعيف الذي أًُطلِق عقالُه فغدا محاطاً بهالة زائفة من القوة المصطنعة والمهابة الكاذبة، وبقيت الأمة تلعق جراحها وتنوح على آلامها نادبة حظها وشقاءها، ناظرة إلى الماضي القريب الحافل بالعز والمجد والفخار نظرة تحسر وشوق وندم..فماذا أنتم فاعلون؟!..هبوا إلى الجهاد..الله أكبر..

 هتف الرجال بصوت ملؤه الحماس والإيمان:

- الله أكبر..الله أكبر..

 جاءهم صوت الإمام هادئاً:

- قوموا إلى الصلاة يرحمكم الله..

* * *

(6)

 إبان هذه الأوضاع المتوترة طفت ذكرى في عقلي الباطن، خوفي من ضياع فلسطين ذكرني عندما كنت صغيراً حينما داهم أمي داء عضال، فأنهكها وأذهب رونقها وصار كل يوم يتقدم في القضاء على صحتها..

 كنت أرقب حالها بقلب واجف وطرف باك، وأسأل الله تعالى أن يشفيها..المرعب في الأمر أن والدي مات من قبلها بنفس الداء، وهذا ما زادني خوفاً وملأني فرقاً، وجعل قلب الطفل ذي الثامنة من عمره يقلق..لكن لم أذكر ذلك الآن؟!..إنني الآن أتلقف الأخبار السياسية من المدرسة ومن جامعنا الكبير، ولقد علمت أن بريطانيا تخلت عن الانتداب وأزمعت الانسحاب، وهذا جيد في حد ذاته، لكن قرار التقسيم أقر، ويومها شاهدت ورفاقي جماعات من الطلاب اليهود تمشي بزهو وخيلاء، وترمقنا من عل بنظرات تفيض احتقارا وكأننا دخيلون على وطنهم وحياتهم!!..أنا مسلم، وديني يرفض عيش الذل والهوان، إنه لا يحب أن يكون هناك ظالم أو مظلوم؛ ولهذا صرخت بأعلى صوتي:

- خيبر خيبر يا يهود..جيش محمد سوف يعود..

 وسرعان ما انتقلت موجة الحماس إلى أصدقائي فأخذوا يصيحون معي مما أثار حفيظة الطلاب اليهود، وتراشقنا معهم بالحجارة وما لبثوا أن فروا هاربين، قلت بضيق مصطنع: انتظروا..لقد أصبح الأمر ممتعا الآن!!..

وضحكنا جميعا، وقال إمام المسجد لما علم بما جرى: أنتم أبطال..ومنحنا ابتسامة صافية رائعة – كثيرا ما رأيتها على وجهه – تغلغلت في أعماقنا فجعلتنا نكاد نطير فرحا، ثم عدت إلى البيت، كان ساكنا كعادته؛ فلا يقنطه أحد سواي، تنهدت بألم..نعم كان ساكنا أيضا عندما عدت إلى البيت ذات مرة، وطفقت أنادي وحقيبتي المدرسية محمولة على كتفي:

- أمي..أمي..أين أنت؟.. لم يعد إلي سوى تردد صدى صوتي، فشعرت بالقلق؛ إذ ليست من عادة أمي مغادرة المنزل في غيابي، أخذت أصرخ بقلق:

- ماما..ماما..أين أنت؟!..

 صوتي المرتفع جعل جارتنا أم خالد تأتي إلي وتقول بصوت دامع ونبرة باكية ودون مقدمات أو حيثيات:

- أمك توفيت يا صغيري..

 شيء ما بداخلي هوى، كنت صغيراً فعلاً لكنني أعرف ما معنى أن يموت شخص عزيز علينا ويذهب إلى مكان آخر بعيد جداً ولا يزمع العودة ثانية أو يستطيعها، كنت أعرف، بيد أني عجزت عن تصور أنني أصبحت وحيداً هكذا، وأنني صرت مسؤولاً عن نفسي بعد اليوم، وأنني لن أرى أمي ثانية، ولن أستمتع بطعامها اللذيذ ولن أذهب معها إلى البحر مرة أخرى، ولن أزعجها بشغبي طوال النهار ثم أعتذر إليها آخره.. سيذهب كل ذلك الآن؟..لا أستطيع تحمل ذلك..وأجهشت باكيا..ربتت أم خالد على كتفي، أرادت أن تتكلم، لكنني انطلقت خارجاً هائماً على وجهي لا ألوي على شيء ولا أعبأ بشيء..كنت أركض بسرعة تتناسب مع هطول دموعي الغزيرة، لم تكن لي وجهة محددة، أردت فقط أن أجد أحداً – أيّاً كان – لأبثه ألمي وأجعله يحمل عني بعض ما أجد من الحزن والمرارة..مرارة اليتم ولوعة الفراق..وفجأة..وجدت نفسي أمامه، شعرت أنه كان يناديني ويرغب برؤيتي، خلته يتكلم، سرت نحوه وئيداً ببطء وأنا أشعر نحوه بالمهابة والحب، تهادت أمواجه باتجاهي تسألني عن امرأة اعتادت الأمواج على رؤيتها معي..بكيت وأخبرت البحر بما جرى..لم يقاطعني.. تركني أبوح له بحزني وأعبر عن ألمي كيفما يحلو لي، وما أن فرغت من الحديث وفرغت عيناي من الدموع حتى أقبلت أمواجه تلاطفني وتخفف من لوعتي..اقتربت منه أكثر فبللتني الأمواج ودغدغتني، ضحكت..انحسر الموج عن الشاطئ فتبدت لي أصداف براقة كبيرة..نظرت إلى البحر فابتسم، أخذتها وأنا أهتف:

- شكراً شكراً لك..إنها هدية رائعة!.. صليت المغرب ثم ودعت البحر وانصرفت حاملاً هديته الثمينة، ولساني يلهج بعبارات الصبر والاسترجاع..

* * *

(7)

 خلَّف غياب أمي الأبدي عني لوعة لا تجلو أثرها الأيام، بقيت أبكيها وأدعو لها ولوالدي بالرحمة سنوات عديدة حتى يومنا هذا، لكنني لا أدري لماذا تطفو هذه الذكريات الآن في ذاكرتي، لقد صرت كبيراً، وعلي أن أجاهد حتى لا تموت فلسطين كما ماتت أمي قبلها..توطدت صلتي بالشيخ أحمد وصرت أجاهد معه، وفي ذات يوم قصدت البحر وأنا أهتف فرحاً:

- بشراك يا بحري..بشراك..

توقفت عن الجري وأخذت ألهث، كان البحر يستحثني لأتكلم، تنهدت ملتقطاً أنفاسي ثم هتفت فرحاً:

- لقد كنت للتو في المسجد، أخبرنا الشيخ أحمد أن العرب والمسلمين قد أعدوا جيوشهم

لرد العدوان عن فلسطين..لك الحمد يا رب..

 ابتسم البحر مستبشراً، أردت أن أزيد من فرحه فقلت:

 - وسأكون في صفوف الثوار المجاهدين وواحداً منهم إن شاء الله..

صفقت الأمواج وأصدرت صوتها المحبب، هتفت:

- الحمد لله..سنكون كالبنيان المرصوص؛ لأننا جسد واحد..

وتابعت بنبرات حالمة:

- وسيكون تاريخ 1948م تاريخاً رائعاً نسترجع أيامه الحافلة بالعز بتلذذ ونستذكر

أحداثه المجيدة بفخر..أليس كذلك يا بحري الحكيم؟!..

ابتسم البحر وقال سعيداً:

- آمل ذلك يا عمر..

 لم أكن أعلم أنني كنت مخطئاً في ظني هذا..لقد تكاتفت الجيوش الإسلامية العربية ووقفت ندّاً لليهود على الرغم من البون الشاسع في العدة الحربية والاقتدار العسكري بين الطرفين، كانت المعنويات عالية لدي، والحماسة متوقدة..وفعلاً كبَّدنا العدو خسائر فادحة نكراء، لكننا أُنهِكنا في الوقت نفسه، ولم يكن هناك من حل سوى قبول اقتراح بعض الدول الاستعمارية بوضع هدنة بيننا وبين اليهود تكون حدّاً فاصلاً لما أصاب الطرفين خلال الحرب من ضيق وكرب وعنت، والحق أن معظم الناس وافقوا على هذا الرأي وكنت منهم، فقد اعتقدت أن هذا السلام سينهي كل المشكلات..وذهبت من فوري أبشر البحر بهذا..لكنني ما كدت أصل إليه حتى فوجئت بمنظره الغريب؛ كان هائجاً على غير عادته، غاضباً بشدة..اقتربت منه وأدليت إليه بالأخبار الجديدة على أمل أن يهدأ؛ لكنه على العكس ازداد غضباً وصرخ:

- كيف فعلتم هذا؟!..كيف؟!..

قلت محتجّاً:

- بحري!..إن السلام أفضل حل، والهدنة هي طريق الخلاص..

قهقه بتوتر وصرخ ثانية:

- عن أي سلام تتحدث أيها الذكي؟!..أسلام مع اليهود؟!..مع الخونة الغادرين

المعتدين؟!..

 قلت دون اقتناع:

- لقد حاق الضرر بنا وبهم..

ضربتني أمواجه بينما صرخ:

- ألم تفكر لماذا أرادوا الصلح؟!..إنه مجرد صلح اضطراري مؤقت يا مغفل..انظر إلى حالكم..لقد رميتم السلاح وركنتم إلى الراحة والدعة، أما هم فقد عمُّوا عليكم أخبارهم، لكيلا تروا استعداداتهم للحرب التي يعتزمون إقامتها..إنهم يريدون استئصالكم وإبادتكم..يريدون بلادكم..هل فهمت؟!..

 دارت بي الأرض، هالتني النتائج المروعة، تخيلت ما قاله البحر واقعاً، رأيت بعين المستقبل البلدان السليبة، والجثث الملقاة على قارعة الطريق، والدماء التي تسيل أنهاراً، وابتسامات صفراء قميئة لجنود الاحتلال يترنمون بأهازيج النصر ويسلبون وينهبون، وكلاب تعوي، وذئاب تنهش، وفراشات تحترق، فشعرت بالاختناق وزاغت عيناي وهتفت بانهيار – والدموع تكاد تنفطر من بين جفوني - :

- مستحيل!..إن بيننا وبينهم عهداً!!..

ابتسم ابتسامة حزينة وقال:

- ما أسهل أن ينقض اليهود عهودهم!..إنهم أحفاد بني قريظة يا عمر..

وانفلتُّ راكضاً مسرعاً، وما أن وصلت بغيتي حتى هتفت:

- شيخ أحمد!..أدرك فلسطين..أيها المجاهدون الأبطال..أدركوا وطني..

فهم الشيخ ما أعنيه فطأطأ رأسه بحزن وقال بألم:

- ليس باستطاعتنا فعل أي شيء..

هتفت بارتياع:

- كيف؟..

لم يعبأ بي وتابع بذات النبرة الكئيبة قائلاً:

- واليد الواحدة لا تصفق..

- كيف؟..كيف؟..

تمتم وقد تندت عيناه بالدموع:

- لو كان يطاع لقصير أمر!!..

اقتربت منه وقلت خائفاً:

- ماذا حدث يا سيدي؟!..

نظر إلي بأسى وقال باختصار شديد وبهدوء يائس تحت وطأة لهفتي وثقل نظراتي التي تستحثه على الكلام:

- انسحبت جيوش إخواننا من مواقعها وتركونا بلا سلاح بعد أن تحطمت معنوياتنا تماماً..

صرخت وأنا لا أكاد أصدق:

- ماذا؟!..هل شل الجسد الواحد؟..هل شارفت فلسطين على الضياع؟..

تنهد بألم وقال:

- هكذا يبدو..

أجهشتُ باكياً وَهتفتُ:

- مستحيل..مستحيل..لا بدَّ من حلٍّ ما..

- نعم..لا بدَّ من حلٍّ..ولكن..ما هوَ هذا الحلُّ؟!..

وَأراحَ رأسَهُ على يديهِ وَأطرقَ مفكِّراً مهموماً فاقتربتُ منهُ وَقلتُ بتوسُّلٍ وَأنا أضعُ يدي على ركبتهِ وَدموعي تجري بغزارةٍ:

- سيِّدي..أرجوكَ..

لم أكنْ بحاجةٍ إلى إكمالِ عبارتي..لقدْ نظرَ الشَّيخُ في عينيَّ الحزينتينِ عيني الشَّابِّ ذي السِّتَّةِ عشرَ ربيعاً وَالَّذي كانَ طفلاً غرِّيراً ثمَّ صارَ شابّاً يافعاً يدركُ قضيَّةَ وطنهِ وَيحاولُ حلَّها، وَقرأَ ما يعتلجُ في داخلهِ من ألمٍ ممضٍّ وَمحاولةٍ مستميتةٍ لإحياءِ بذورِ الأملِ في نفسهِ اليائسةِ فنهض قائلاً بحزمٍ:

- اجمعوا الناس..يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي..

 هرول أحد طلاب الشيخ إلى المئذنة وهتف:

- الصلاة جامعة..الصلاة جامعة..

 تدفقت أفواج الناس الذين شعروا بقربهم من الله تعالى لما نزل بهم البلاء والضنك، وإن كان معظمهم سادراً في غيه متَّبعاً هواه أيام السلام والأمن..يا لجحود الإنسان!..

 خطب الشيخ خطبة نارية أثارت فينا الحماسة والحمية الإسلاميتين، ودعانا إلى الجهاد فلبينا، وإن كان كل ذلك لم يخف أثر الخوف من قلوبنا..تمددت على فراشي وقلت بخوف:

- كيف سنحارب دون سلاح؟!..

ورغم القلق والتوتر والخوف رحبت بقدوم النوم وأسلمت مآقي له تاركاً الأمور تمشي كما يريد الله تعالى، مسلِّماً أمري إليه سبحانه..

* * *

(8)

 في ذلك اليوم الكئيب..صليت الفجر ثم هرولت باتجاه البحر..تقدمت منه بخطا مثقلة بالهموم، جثوت على ركبتي وهتفت من حر ما أجد:

- أيها البحر..لقد ماتت أمي مرة ثانية..لقد ضاعت فلسطين..

صمت البحر مشفقاً، فتابعت بصوت جريح ودموعي لا تتوقف عن الانسكاب:

- قُتل الشيخ أحمد..استولى اليهود على بلادي الحبيبة، قامت المذابح الحمراء الحاقدة؛

مذبحة دير ياسين وغيرها كثير..قتل خلق كثيرون..بالكاد استطعت النجاة لكنني طُردت من منزل أبي وجدي..لم أذق للنوم طعماً مذ حدث ما حدث..إن هذا فظيع!..فظيع!..

 تلقفتني أمواج البحر برحمة وحزن فدفعتها عني وقلت بأنفة:

- لست بحاجة إلى الشفقة أيتها الأمواج..

هدأ البحر وتريث قبل أن يثور قائلاً:

 - وأين المسلمون؟!..

- إنهم نائمون يا صديقي..نائمون والعدو الحاقد ذو المخالب الحمراء التي تقطر دماً يحرسهم!!..يأكلون من كل شكل ولون ويقولون: مساكين أهل فلسطين!!..إنهم منكوبون!..

اهتاج البحر وغضب، لم أره على هذه الصورة من الحنق قبلا، لا ولا حتى عندما أخبرته بقيام تلك الهدنة اللعينة..استغربت ذلك؛ بدا كجمار ملتهبة وقال:

- ألا يخافون أن يأتي دورهم؟!..

سكتُّ، هدأ ثم سألني:

- إلى أين يا عمر؟!..

رددت بأسى:

- سأرحل فيمن رحل من أبناء فلسطين المشردين..سأذهب إلى سوريا..

وتحدرت دمعة كبيرة على خدي، ثم نهضت عازما على المسير، لكن البحر قال:

- انتظر..

التفت إليه نصف التفاتة وقلت بحزن:

- ماذا تريد؟!..

- هل ستذهب حقاً؟!..ألم تنس شيئا يا عمر؟!..

التفت إليه التفاتة كاملة هذه المرة وقلت وأنا أبتسم:

- فهمت ما ترمي إليه يا بحري..لا تقلق..سأراك في سوريا؛ فأنت بحر كبير أيها الأبيض المتوسط..

اهتاج قائلاً:

- ليس هذا ما قصدته..

قلت باستغراب:

- ماذا إذاً؟!..

قال بجد غاضب:

- أنت سترحل إلى سوريا..

- ...............

- هل ستنسى فلسطين؟!..

-................

- أنت ستعيش لتأكل وتفرح وتتمتع وتصبح فرداً نائماً كما الآخرون..ولكن..

وأردف بصوت هامس:

- ماذا عن فلسطين؟..

لم أدر بماذا سأجيبه فلبثت صامتاً..

- تتركها للعذاب؟!..

- ...............

- للخوف؟..للألم؟..للأسى؟..لليهود؟!!!..

صرخت باكياً وأنا أتهاوى على الأرض:

- كفى يا بحري!..لقد فهمت الآن..لقد فهمت!..

ابتسم البحر وقال:

- ها أنت الآن تستيقظ، فما هو واجبك؟!..

ابتسمت من بين الدموع وقلت:

- أن أوقظ النائمين..

ضحك البحر وقال جاداً:

- لتكن قضية فلسطين – والعالم الإسلامي أجمع – شاغلاً للمسلمين عن ملذاتهم وآثامهم..

هززت رأسي باسماً فقال:

- اذهب لتتزود بالعلم والمال والتقى ثم لتعود إلى هنا مجاهداً بطلاً قويّاً..وأنا أيضاً سأهتاج على السواحل الَّتي أمرُّ بها لأذكر العالم كله بمأساة فلسطين..

هززت رأسي ثانية ثم أردت المضي فهتف مودعاً:

- ستجدني بانتظارك يا ولدي..

استدرت نحوه وقلت:

- أنت معي دائماً..

ثم أردفت متحمساً:

- أنا واثق من أنني سأعود يوماً ما إلى فلسطين، وأنني سأحدثك من على هذه الصخرة كما كنت أفعل وأنا صغير بإذن الله تعالى..

ضربت الصخرة بقدمي..

ودارت في مخيلتي ذكريات طفولتي، ورأيت ابتسامة أمي تشرق من جديد، وتراءت لي صورة الشيخ أحمد، فاغرورقت عيناي بالدموع ثم قلت متحمساً:

- سأذهب، لكنني لن أكون متشرداً..إن ديني هو وطني..وأهل سوريا طيبون..

صفق البحر بأمواجه طرباً وقال:

- أحسنت يا بني..

داعبت الأنسام وجهي الشاحب الذي رطبته الدموع، وحفت حولي طيور النورس تودعني وكذا أمواج البحر الذي قال:

- اذهب مع السلامة..في حفظ الله تعالى..ولا تنس الاستفادة مما حدث من أخطاء..

هززت رأسي موافقاً ثم استدرت للذهاب، شكرته قائلاً:

- شكراً لك يا بحري..لقد تعلمت منك الكثير..

لم أتلفظ بها، بل قلتها صامتاً، لكنه فهم بلا ريب؛ فلا يفهم الحديث الصامت مثل الصامت الحكيم..

* * *

(9)

الصامت الحكيم[3]

كـنـزي ألـقـاهُ فـي iiالبحرِ
الـعـمـقًُ  حـكا لي iiأسراراً
وتـرى  أنـسـامـاً لا iiتنوي
بـالـحـكـمةِ وَالصَّمتِ iiتراهْ
وَيـضـيءُ الـحـلكةَ iiبصفاهْ
وَإذا  مـا اهـتـاجَ البحرُ iiفلا
يـغـضـبُ إنْ لانَ الحقُّ iiفما
يـا  بـحـري يا صامتُ iiاروِ
أفـكـاري،  تـصقلُ iiأحلامي
يـا  بـحـري يا كنزَ iiعلومي
صـمـتـكَ  أوحى لي iiبكثيرٍ
قـالَـ:  اسبرْ يا ولدي iiغوري
خـيـرٌ أمـري نـورٌ iiعمري
أدركـتُ  الـبـحـرَ بـليلاءٍ
أشـكـو  حـالَ الإسـلامِ iiفما
فـرأيـتُ الـبـحرَ يثورُ iiوَلمْ
أيـدلُّ  هـيـاجُـكَ يا iiبحري
بـيـنَ  جـنوحِ الموجِ iiالثائرْ
أضحى الإسلامُ عدوَّ النَّا.......
قـالَ:  اسمعْ يا ولدي iiنصحي
انـشـرْ خـيـراً اطلبْ iiعوناً
سـيـعـودُ  الـحقُّ بلا iiرِيَبِ
وَتـمـيـلُ  إلـى دربٍ iiرغِدِ
وَرأيـتُ  الـبـحـرَ يودِّعني
فـمـضـيـتُ  وَقلبي iiممتلئٌ
























بـجـمالِ  الطَّلعةِ iiوَالسِّحرِ[4]
وَالـمـوجُ  الهادئُ لا iiيدري2
أن تـزعـجَ أسـماكَ iiالبحرِ2
يـسـجـدُ وَيـمـجِّـدُ iiمولاهْ
بـلآلـئَ  تـسـبحُ أو iiتجري
تـسـألْ  عـنْ سببِ iiالهيجانِ
يـفـعـلُ  أبـنـاءُ iiالقرآنِ؟!
أسـراراً وَحـكـايـا iiتـثري
أو  تـوقـدُ لـي وحيَ iiالشِّعرِ
يـا مـصـدرَ سحرٍ iiوَخواطرْ
مـنْ  فـكـرٍ وَجميلِ iiمشاعرْ
اعـلـمْ  مـا تجهلُ من iiأمري
وَلـسـانـي  يـلـهجُ iiبالذِّكرِ
وَبـكـيـتُ  بحزنٍ منْ قهري
أصـعـبَ أنْ يـخضعَ iiللكفرِ
أعـهـدْهُ  بـغـضبٍ iiكالجمرِ
عـنْ غـضبٍ يلمعُ أوْ iiيسري
عـجـبـاً مـنْ فلسفةِ الشَّرِّ؟!
.سِ فـمـا أحـوجـنا iiللفكرِ!
اعـمـلْ بـالـحقِّ وَلا iiتلوي
مـنْ  ربِّـكَ وَاحذرْ أنْ iiتذوي
فـالـنَّـاسُ تـملُّ منَ iiالكذِبِ
لـلـحـقِّ وَتـهـفـو iiللرَّشدِ
لـمْ  يـسـمـحْ حتَّى iiبالشُّكرِ
أمـلاً عـزمـاً، شكراً iiبحري

              

[1]span> ألفتها في السادسة عشرة من عمري.

[2] صدصدر قرار التقسيم بعد ثورة عز الدين القسَّام رحمه الله تعالى.

[3]span> ألألفتها في السادسة عشرة من عمري، بحر المحدث.

[4] هذا البيت ألفته في الخامسة عشرة من عمري.