شجرة الزّقّوم

مدارات ثقافية

clip_image001_2ba0e.jpg

دوّارنا بيوت مشرعة للشّمس والرّيح، للعجاج والفيضان، في صدر سهل منبسط ما بين مجردة وملاّق، أمامها مراح واسع جنب زريبة وبئر وكوم دمان يتوسّط أحواضا من الفول والحمّص والحلبة تنفرش حتّى حافة الطّريق الرّابطة بين مدن الشّمال الغربيّ. وخلف البيوت جنان مربّع تعمره الخضر وبعض أشجار العود الرّقيق، وتسوّره طوابي التين الشوكي، وما وراءه حقول القمح والشّعير تترامى نحو أفق لا تحدّه سوى جبال ربيعة، وتقوم في وسطها، كحارس لا ينام، جبّانة العشيرة. وعلى اليسار غابة زياتين صغيرة تشهد على حضورنا من عهد قديم.

كان الجوّ لا يجمل إلاّ في فصل الرّبيع، وما عداه صيف قائظ خانق تفوق حرارته حرارة المناطق الصّحراويّة، وشتاء قارس تتجمّد فيه المياه وتنحدر الحرارة إلى درجة الصّفر، وما بينهما خريف يصفو حينا فيذكّرنا بأيّام الرّبيع البديعة، ويغيم حينا آخر فيصيب النّفس بالهمّ والكدر. ومع نزول بوادر الغيث وانطلاق موسم الحرث، تشرع الرّيح الغربيّة في الزّحف ببرد يلسع العظام ولا نجد لاتّقائه حيلة، إذ أنّ شجر الجنان وطوابيه الشّوكيّة أعجز من أن تحمينا من لفحها البارد ولذعها القارس.

وفي يوم نبتت في قلب الجنان شجرة لم يغرسها أحد. شجرة غريبة لم نعرف لها مثيلا في الجهة. كانت تنمو وتتضخّم على مرأى العين حتّى عظم جذعها وتفرّعت غصونا وفروعا وشجونا وأينعت أوراقها خضرة تلمع تحت نور الشّمس، ونحن نرقبها كلّ يوم، ونتوق لمعرفة نوع الثّمر الذي سوف تجود به. ولكنّها لم تثمر. عظمت حتّى فاق طولها مئذنة المدينة إذ تلوح لنا عن بعد لا يصدّها عن أنظارنا حاجز، وفرشت ظلالها على الجنان كلّه دون أن تعطي ثمرا نجتنيه. وعزّينا أنفسنا بقامتها الشّامخة، وظلّها الوارف، ولونها الذي قلّ نظيره في أوراق الشّجر المعروف، وأمّلنا أن تكون للدّوّار سدّا منيعا يقينا الرّيح والبرد، بل وجد من بيننا من صار يزورها في أيّام معلومة، يتبرّك بها ويعقد فيها النيّة، ويرجو منها الكرامات. وحده جدّي كان ينظر إلى هذه الشّجرة الغريبة نظرة شكّ وارتياب، ويقول إنّه رأى في ما يرى النّائم أنّها حمّالة لشرّ مستطير، فقد رآها تنهض وتمشي، كما يمشي ابن آدم، بخطى ثقيلة هائلة، تهشّم الزّرع وتحطّم الشّجر وتدوس الماشية، حتّى صار يمقتها ولا يسمّيها إلاّ شجرة الزّقّوم.

صحونا مرّة على صوت أبي ينادينا. فزعنا إليه، فإذا هو حائر ذاهل يشير بإصبع مرتجفة إلى النّبت وقد ذوى، وإلى الشّجر وقد جفّت أوراقه وتساقطت أزهاره برغم خصوبة تربتنا ورواء طبقتها الجوفيّة. أقبلنا جميعا نسقيها لنعيد إليها الحياة، فما انتعش النبّت ولا اعتدل الشّجر.

هرعنا إلى جدّي نسأله النّصيحة، وكان مقرفصا تحت جدار بيته متدثّرا كالعادة ببرنس الصّوف القديم، يمدّ إلى السّماء بصرا كليلا يبحث عن شعاع يدفّئ عظامه. نظر إلينا بعينه اليمنى فيما اليسرى شبه مغمضة من كثرة ما خوّصها في مواجهة الشّمس. وبصوته اللّطيف الهادئ قال:“اقطعوها!”.

ارتسمت على وجوهنا الحيرة، ونحن نتساءل بأيّ فأس نقطعها وجذعها صار في حجم قبّة المسجد. قلنا نضربها ضربة رجل واحد بفؤوس كثيرة، غير أنّ أبي عارض هذا الرّأي لأنّ في ذلك خطرا لا نقدّر عاقبته، فقد تقع على أحدنا فتسوّي به الأرض، واقترح أن نقصد المدينة بحثا عن منشار آليّ وكبل من حديد وجرّار، فأيّدنا اقتراحه، ومضى كلّ واحد منّا يعدّ ما يلزم كي نقطع هذه الشّجرة اللّعينة، ونزيلها من أرضنا. ولكن لَمّا عدنا، بهتنا لهول المنظر الذي كان في انتظارنا: كانت الأشجار كلّها عارية. الجذوع يابسة ليس بها غير فروع مجرّدة قد فارقت الحياة كأنّما هبّت عليها نار حارقة، والنّبت قد زال من الأحواض، ولم يبق منه غير تربة رمداء مائلة إلى السّواد. اتّقدت صدورنا بغلّ شديد، فأقبلنا نطوّق جذع شجرة الزقّوم كما يقول جدّي بكبل من الحديد أوثقناه إلى جرّار عند مدخل الجنان، ونعمل في جذعها المنشار الآليّ الذي عدنا به من المدينة. وطال بنا الوقت تعبا وإنعاما في المحاولة، ولكن خاب مسعانا: تكسّر المنشار، وانقطع الكبل، وتعطّل الجرّار، والتهبت أكفّنا، واعوجّت من الجهد ظهورنا، دون أن نخلّف في جذعها أكثر من حوازّ طفيفة. ومن عجب أنّ تلك الحوازّ نفسها كانت تلتمّ مثل جرح يندمل في لمح البصر بمفعول سحريّ.

عدنا إلى جدّي نسأله، وكان متربّعا على حصير في خلوته يتلو أوراده. فرك سبحته بين يديه ومسح بكفّه على وجهه ثمّ قال:“اضربوا الرّأس تنشف العروق!”.

تركناه وبتنا ليلتنا نلجّ بالوجس والوساوس من هذه الشّجرة التي ابتلانا بها الله. ولَمّا طلع النّهار، جئنا من المدينة بسلالم من تلك التي يستعملها رجال المطافئ، وشرعنا نقطع الرّأس جزءا جزءا ونحن مغتبطون، إذ لم نجد في قطعه صعوبة تذكر، ولم ينقض النّهار حتّى أتينا عليه، ولم نبق من الشّجرة غير الجذع. تبدّى لنا ميّتا أو كالميّت، قائما مثل مدخنة فرن آجرّ، ونحن نطوف حوله ونهلّل فرحين يهنّئ بعضنا بعضا، والنّسوة يطلقن زغاريد النّصر على تلك الآفة الغامضة. ولكن عندما هبط اللّيل وأوى كلّ واحد إلى فراشه يبحث عن راحة بعد إجهاد، خيّل إلينا أنّ الأرض تميد، وأنّ البيوت تتحرّك، تهتزّ وتقرقع كأنّها عربات قطار لنقل البضائع. وتعالت من الزّريبة أصوات الدّوابّ، واختلط الخوار والثّغاء والصّهيل والنّهيق بنباح الكلاب وقد استشعرت كلّها خطرا يحيق بالدّوّار ومن فيه.

خرجنا نتنادى في ظلمة اللّيل نرفع المشاعل والكشّافات والأرض تحتنا زَحول لا تنفكّ تميل بأقدامنا ذات اليمين وذات الشِّمال، كأنّ في جوفها ثعابين ضخمة تتحرّك، تنثني وتتلوّى، فتنشقّ لها قشرة الأرض في جلبة أشبه بتصدّع سقف ينهار. وما كاد الخيط الأبيض يدحر الخيط الأسود وتنسلّ أضواء الفجر الواهنة إلى الدّوار بضوء لا يني يقوى ويعمّ، حتّى تجلّت لنا الكارثة في أبشع صورة: كانت شجرة الزّقّوم اللّئيمة قد مدّت عروقها، فاستطالت ومضت تقتل الزّرع وتخنق الشّجر وتقوّض البيوت وتشرّد الأنعام. ولاح لنا الدّوّار كأنّما أصابه زلزال أو داسته أظلاف ديناصور أخطأ عصره، وتبدّت الحقيقة المرّة على كلّ لسان:“ضربنا الرّأس ولم تنشف العروق!”.

وفيما نحن حيارى واجمون لا ندري كيف نواجه هذه المصيبة -حتّى جدّي التجم عن الكلام وهو يرى الواقع يخالف ما استقرّ في ذهنه من تجارب الأوّلين- أبصرنا أولادنا يهرعون بالفؤوس يقطعون العروق في ضربات حاسمة، وصاح صائح منهم :“اضربوا العروق ينشف الرّأس!” ولا يزال الفتية يلاحقون العروق، يتصيّدونها واحدا واحدا وهي تتلوّى مثل أخطبوط بترت أذرعه حتّى قضوا عليها جميعا. عندئذ جفّ النّسغ ومات الجذع، فمضوا يضربونه بالفؤوس هو أيضا، فيتطاير قطعا كنثار حطب يابس.

عندما اقتلعنا ما غاص منه في جوف الأرض، لاحت لنا حفرة عميقة مثل فوهة بركان أو أثر سقوط حجر نيزكيّ.

قال الفتية:“لا تراعوا! سنردمها ونعيد كلّ شيء كما كان، بل أحسن”.

وسوم: العدد 796