صراع انابيب الغاز في سوريا

يخطىء من يعتقد ان الصراع في المنطقة بين امريكا وروسيا سببه الوحيد وجود نظام اسد وجرائمه  ، فبشار البهرزي ليس الا بيدقاً في هذا الخلاف ، فاستثمار الغاز  طاقة المستقبل والمتركزة في سوريا شرق المتوسط وبادية الشام وعدم التوصل لحل هذه المعضلة الاقتصادية حيث يحاول اطراف الصراع عدم ابرازها على سطح الخلافات  هو سبب  هذه الحروب . فسوريا اذن هي نقطة تقاطع حروب الاخرين ، وهذا ما أخر ايجاد حل في سوريا حتى الان وباعتقادي ان اسرائيل وتحجيم ايران  تأتي بالمرتبة الثانية  .

قبل ان ادخل في صلب الموضوع ، تعالوا نطلع على هذه الاحصائية :

تبين من خلال السبر الجيولوجي في بادية الشام والبحر المتوسط ان احتياطي الغاز المتوفر فيها يبلغ :

28,500,000,000,000 متر مكعب.

أي أن سورية  ستحتل مركز قطر، بعد روسيا وإيران فور البدء في استثماره .

تعالوا نطلع على الدول ذات الاحتياطي الاكبر للغاز بالعالم  بالمتر مكعب 

ثم لنقارن معاً احتياطي سوريا مع احتياطي الدول  صاحبة المراكز الاولى في احتياطي الغاز 

1 - روسيا   48,700,000,000,000

2-  إيران   33,600,000,000,000

3-  قطر   24,700,000,000,000

4-  تركمنستان   17,500,000,000,000

يتبين لنا اعزائي القراء ان سوريا ستحتل المركز  الثالث عالمياً في احتياطي طاقة المستقبل .

فالاحتياطي  السوري من الغاز في منطقة تدمر ، وقارة ، وساحل طرطوس ، وبانياس، هو الأكبر بين الدول الست، وهذا ما يجعل سوريا، إن تمّ استخراج هذا الغاز "ثالث بلد مصدر للغاز في العالم".

لاستكمال الدراسة ، تعالوا الان نتابع طموحات المحتل الروسي صاحب الاحتياطي العالمي رقم واحد ، كما نعلم روسيا ذات انتاج صناعي متخلف وليس لها من مصدر دخل رئيسي سوى السلاح والغاز والبترول  ففقدان تصدير  الغاز  لاوروبا يعني اختناق روسيا اقتصاديا ، اذن الصراع على اوروبا وتصدير الغاز لها هو اهتمام روسيا بالدرجة  الاولى  بينما ستكون سوريا المستقبل الدولة الرئيسية المنافسة التي ستلعب دوراً رئيسياً في تصدير الغاز عالمياً لانخفاض التكاليف  وعبور الانابيب لاوروبا باقصر الطرق .

اذن اوروبا بالنسبة لروسيا رئتها التي تتنفس منها  حيث تغذي روسيا اوروبا بالغاز عبر خطين( الخط الثاني لم يستكمل بعد) . الخط الاول وهو الخط القديم الروسي الاوكراني ، الا ان ألمانيا تخشى من تفاقم الخلافات الروسية الأوكرانية التي بدأت منذ عام 2014 بعد إعادة سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم، واندلاع الحرب شرق أوكرانيا مما  يهدد مرور الغاز الروسي لأوروبا عبر أوكرانيا فتتوقف عجلة الاقتصاد الاوروبي ،

فتم الاتفاق على تمديد الخط الثاني وهو نورد ستريم 2

وهذا سبب هام للتمسك الأوروبي بـ"نورد ستريم-2" رغم أنه يكلف 11 مليار دولار ويمتد إلى 1200 كيلومتر وتكمن اهميته لمستقبل الصناعة الأوروبية، بسبب عبوره بمناطق آمنة أسفل بحر البلطيق، ويمر في 5 دول هي روسيا وفنلندا والسويد والدنمارك وألمانيا، وينقل 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، وهو اكثر اماناً من الخط الاول. 

وخاصة انه في  عام 2022 سيشهد توقف ألمانيا عن استخدام المحطات النووية التي تنتج الطاقة الكهرو- نووية كما ستتوقف ألمانيا رابع اقتصاد في العالم وأكبر اقتصاد في أوروبا مع دول أوروبية أخرى عن استخدام الفحم لإنتاج الطاقة، بالإضافة إلى أن المانيا  ستحتاج مزيدا من الغاز مع دول الجناح الغربي في الاتحاد الأوروبي لرفع معدلات النمو الصناعي، وهو ما يستلزم ضمان ضخ الغاز بشكل دائم،وهنا تكمن مشكلة اوروبا باعتمادها على مصدر واحد من الغاز هو روسيا مما يجعل اوروبا تحت سيطرتها .

التدخل الامريكي 

رغم كل هذه الأسباب والدوافع الأوروبية للمضي قدماً في خط "نورد ستريم-2" فإن الولايات المتحدة ترفض الموقف الأوروبي، وأيد الكونجرس فرض عقوبات هائلة على الشركات الألمانية والروسية التي تنفذ المشروع، فما هي دوافع واشنطن لرفض دخول مزيد من الغاز الروسي إلى أوروبا؟

أولا: ترى واشنطن في "نورد ستريم-2" تغييرا لـ"المعادلة السياسية" في أوروبا أكثر منه مشروعا اقتصاديا، وأنه سيزيد من حجم النفوذ الروسي والأحزاب اليسارية التي تدعمه داخل الاتحاد الأوروبي، ويؤدي هذا الأمر إلى "ابتزاز سياسي" روسي في قضايا تتعلق بالعلاقات الروسية الأمريكية، كما ترى واشنطن أن دخول الغاز الروسي بهذه الطريقة واعتماد الأوروبيين بنسبة ستزيد على 53 % عندما يكتمل "نورد ستريم-2" على روسيا في قضية الغاز سيجعل من أوروبا "رهينة للكرملين"، ولن تكون امريكا بقادرة على اتخاذ قرارات تتعلق بروسيا في الفترة المقبلة.

ثانيا: تطرح واشنطن سؤالا على الأوروبيين، هل أنتم تقاومون روسيا أم تساعدونها؟ فالولايات المتحدة ترى أن الأموال التي ستحصل عليها موسكو من "نورد ستريم-2" ستعزز من قدرة روسيا على مواجهة الولايات المتحدة والناتو، وتعتبر الولايات المتحدة هذا المشروع دعماً كاملاً لروسيا ومكافأة لها بعد السيطرة على القرم.

حيث صرح الرئيس ترامب في أكثر من مناسبة: "بينما نحن ندفع الأموال لحلف الناتو لحماية الأوروبيين تقوم الدول الأوروبية بدفع المليارات لروسيا للوقوف في وجه حلف الناتو"، وهذه القضية دفعت الولايات المتحدة إلى التشدد في قضيتين، الأولى ضرورة أن تلتزم الدول الأوروبية بدفع 2% من دخلها القومي لحلف الناتو، وتفكير واشنطن في فرض بعض الإجراءات الجمركية على منتجات أوروبية مثل النبيذ الفرنسي والسيارات الألمانية.

والحقيقة ان امريكا في ذلك محقة ولكن تفكك الحلف الاوروبي الامريكي سمح للروس من اقتناص الفرص وتحقيق الاستفادة السياسية والاقتصادية .

والآن... ماذا اذا اصرت الولايات المتحدة على عقوباتها على الشركات المنفذة لنوردستريم2 ؟

 اذا اصرت الولايات المتحدة فهذا يعني على الولايات المتحدة ان تؤمن البديل لاوروبا عن طريق  

- الغاز الامريكي  

 - او عبر خط أنابيب الغاز القطري- التركي

حيث تعمل قطر التي تمتلك ثالث أكبر احتياطي للغاز في العالم وهو ما يمثل 14 بالمئة من الاحتياطي العالمي، لتصدير غازها إلى الدول الأوروبية، عبر تسييله ونقله عبر البحر، إلا أن قدرتها على إيصال الغاز إلى أوروبا تبقى محدودة قياساً بخطوط الأنابيب الروسية، لذلك كان السعي القطري لمد خط أنابيب عبر السعودية وسوريا عبر مناطق التواجد الامريكي والتركي  إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، وبالتالي لكسر احتكار روسيا لتصدير الغاز إلى أوروبا، ولتعزز من مكانتها لدى الدول الأوروبية وأمريكا.

- ومد خط الغاز المصري الاسرائيلي عبر قبرص ومنها الى اوروبا .

ولكن رغم هذه الحلول يبقى غاز سوريا ثالث احتياطي في العالم نقطة  خلاف بين الدول الكبرى فان شعرت روسيا انها ستخسر اوروبا عندها ستضطر مرغمة لبحث الغاز السوري لجعله الرديف القوي لتصديره لاوروبا وفق شراكة محسوبة عندها ستنتهي حرب الانابيب وقد تنتفي الحاجة الى غلام الوكر الجمهوري .

هذا العام حاسم جداً

من الناحية الاقتصادية ومن الناحية السياسية 

والاشهر القليلة القادمة  ستجلو كل الحقائق.

وسوم: العدد 913