هذا الذي اهلك من كان قبلكم

ثقافة الطمع

قصة قرأتها قديما جدا..

وأنا لا زلت طالب

وتأثرت بها ولم انسها

كنت ارويها لتلاميذي عند ما كنت مدرس

واحكيها في المجالس للأصدقاء المقربين

ومن العوامل التي رسختها في ذهني وعدم نسيانها

الطمع والغدر والخيانة والتآمر الاستئثار

في دهاليز السلطة والسياسة

القصة لا تمت الى السياسة مطلقا.. لا من قريب ولا من بعيد

وإنما جوهر القصة ذات أبعاد واسعة كذب وخيانة ومؤامرة

كذالك هي السياسة . بما يعني ان القصة تحاكي جوهر السياسة .

لهذا سطرت في آخر الموضوع مشاعر وحقائق ووقائع ثورية حدثت في كثير من الثورات العربية وغير العربية . وبالأخص ذات الطابع الاشتراكي اليساري .

القصة

جاء فيها.. ان نبي من الأنبياء خرج في سفر ورافقه في الرحلة ثلاثة رجال

وبعد مسافة طويلة وجدوا كنز من الذهب فقال لهم النبي وهو يشير الى الذهب

هذا الذي اهلك الناس من قبلكم وسيهلك من بعدكم وواصل سيرة ولم يأبه بالذهب

والنفر الثلاثة يمشون معه و فجأة قال احدهم إني أريد العودة

الى أهلي فقد نسيت ان اترك لهم طعام وعاد وتركهم يواصلون سيرهم .

.

فلما رآه صاحباه عاد قالوا ونحن كذلك سنلحق بصاحبنا لن نتركه يعود وحده فعادا . وأسرعوا في السير حتى وصلوا عند الكنز ووجدوا صاحبهم عنده .

فقال احدهم قبل ان نقتسم الذهب فنحن نكاد نموت من الجوع فليذهب احدنا ويشتري لنا طعام .

فمضى احدهم يأتي بالطعام وهو في الطريق أتته الأفكار الشيطانية

وقال لماذا لا يكون الذهب لي وحدي وأتخلص من الاثنين .

فاشترى الطعام واشترى سما ووضعه في الطعام .

وعاد ومعه الطعام .

فقالا له صاحباه بغضب شديد لقد تأخرت وسببت لنا كثير من الأذى والبلاء فهجما عليه وقتلاه . بتدبير وتفكير مسبق أثناء غيابه لجلب الطعام .

وبعد تنفيذ مخططهم جلسا يأكلان الطعام المسموم , قبل ان يقتسمان كنز الذهب لأن كل واحد منهما يخطط لقتل الآخر ليستأثر بالذهب .

كان الموت اسبق إليهما .

عاد النبي من رحلته من نفس الطريق ووجد الثلاثة أموات

فردد بصوت مسموع منخفض قائلا.. : -

الم اقل لكم ان هذا الذي اهلك من كان قبلكم !

انتهت القصة من أحداثها ولكنها بقيت في ذهني

كما بقيت في ذاكرتي ووجداني بسبب و قائع وحوادث أخرى كلها تصب في ثقافة الاستئثار والطمع والمصالح الذاتية ومن بديهيات هذه الثقافة لا بد ان يتوفر فيها عناصر أو عوامل لا أخلاقية ولا إنسانية لنجاحها.. كالنفاق والغدر والخيانة وأشياء لا داعي لذكرها ولكن القارئ بالتأكيد سيفهما .

في فترة النضال و الكفاح ضد الاستعمار . ليس في بلد معين , تكاد تكون في معظم الثورات . مجاميع أتحدت وتكاتفت في نضالها وكل منهم يكاد يفدي الآخر بروحة ونفسه بطيب خاطر.. ليموت هو ويبقى رفيقه يواصل النضال والكفاح لتحقيق الانتصار والخروج من براثن الاستعمار .

وبعد تحقيق الانتصار واستلام حكم البلاد واعتلاء العرش وهيلمان السلطة يتبخر ما كان يكتنز في الوجدان من مشاعر الفداء لتحل مشاعر العداء ,

وتذهب تلك المشاعر الفياضة وتختفي ثقافة سباق الفداء والاقتداء .

لا شك ان اختفاء تلك المشاعر النبيلة والروح الوطنية الأصيلة تفرز بنتائج عكسية وخيمة .

ثقافة طموح الاستئثار وحب السيطرة .

الاستئثار وحب السيطرة يولد الحسد .

والحسد تلقائيا يأتي بالحقد والكره ومن ثم وتتكون الجماعات والمجموعات

تأتي الخلافات والاختلافات نابعة من حب الذات .

وحب الذات يأتي من مختلف الاتجاهات و كلا يغني على ليلاه .

و تتفاقم المنافسات وتحاك المؤامرات

وتبدأ الصراعات وتنتهي بالتصفيات

من بديهيات الثورات الاختلاف بين الثوار

ومن ثوابت الثورات يختفي صناع الثورات

ومن تجارب الثورات يأتي من يستأثر بنصر الثورات          

والمواطن والوطن .

هو من يدفع الثمن .

برغم السنوات الطوال . من المفترض انني نسيتها

لكنني أتذكرها عند ما يتساقط طغاة الأنظمة الاستبدادية عشاق السلطة تباعا

ولسان حالهم يقول.. الكرسي أو الموت .

وهم جازمين ان الكرسي هو الأقرب لأنهم جالسين عليه

وان الموت لا زال... بعيدا.. بعيدا..  

والأمل مستمر استمرارا طويلا..

كانوا يعتقدون ان الموت لا يأتيهم إلا من الانقلابات والمؤامرات والخيانات لهذا حولوا الجيوش الوطنية الى مؤسسات تبعية لحمايتهم وللاستعراضات الاحتفالية في الميادين والساحات .

فالخطط.. والمخططات لطموحاتهم وتثبيت عروشهم معدة مسبقا لسنوات عديدة وأزمنة مديدة .

ولم يخطر لهم على بال هادم اللذات ومفرق الجماعات .

لكن الحذر لا يمنع القدر.

فجأة وبدون سابق إنذار .

باغتهم الأجل .

وهم في نشوة الأمل .

هكذا هي الدنيا يلهثون ليطوها فإذا بها تطويهم

هل من متعظ .

هل من معتبر .

مسك الختام .

اللهم إنا نعوذ بك من الطمع والجشع والهلع، ونعوذ بك من كل وجع، نعوذ بك من مكر اللئام، وشر الأنام، وسيئ الأسقام، ونعوذ بك من سوء الأخلاق

اللهم إنّا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ونفسٍ لا تشبع، ودعاءٍ لا يُسمع.. اللهم أصلح شئوننا وأمورنا وأحوالنا كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة .

والحمد لله رب العالمين .

وسوم: العدد 906