التربية وأثرها على التفكير المنطقي

(المقالة عن الصغار وتنفع الكبار بإذن الله)

عابدة العظم

التربية لها أثر كبير على طريقة التفكير؛ وإذا شعر الصغير بارتباط الأمور بعضها ببعض ارتباطاً وثيقاً، وتراكب بعضها فوق بعضها الآخر تركيباً هرمياً، وأنها تسير بتسلسل معين ووفق قوانين ثابتة محددة فإنه يستعمل هذه الطريقة تلقائياً في تفكيره، مثلاً: لو أفلت الكوب من يده وقع وتناثرت أجزاؤه، وإن شد ذنب القط خرمشه بأظافره الحادة... وأنه ليس للحدث الواحد سبب واحد فقط (فالمطر -مثلاً- سببه تبخر الماء وتجمع السحب وتعرضها إلى درجة حرارة معينة)... هذه الحقائق توسع مدارك الصغير... وكلما تعلم كيف يفكر جيداً حلَّ مشكلاته بطريقة أفضل. فكيف نساعده ونساعد أنفسنا على التفكير المنطقي الصحيح؟

أولاً- تنبيه الطفل منذ صغره إلى الأولويات المهمة، وتنبيهه إلى الحكمة من وراءها

العادات الصحية الصحيحة تعلم التفكير، وإذا تعود المرء أن يبدأ نهاره بالدخول إلى الحمام وغسل اليدين والوجه وتنظيف الأسنان لأنها حاجات ضرورية ومن سنن الفطرة، ثم يتبعها بالفطور الغني والرياضة الخفيفة، ثم القيام إلى أعباء الحياة اليومية مع الالتزام بالنظام والقوانين. كل هذا يعلم الصغار والكبار المنطق.

وفي الحياة اليومية مواقف تساهم في سرعة النضج وتعليم التفكير:

- فكل طفل يحب مساعدة أهله في أعمالهم، وهي فرصة لإرشاده إلى بعض الملاحظات المنطقية، مثلاً: الطاولة تنظف قبل الأرض ... نعلمه هذه القاعدة ونبين له الأسباب (لئلا تقع بقايا الطعام من الطاولة إلى الأرض فتتسخ الأرض مرة أخرى)، هذه الملاحظة وأمثالها أعطتنا –ونحن صغار- منطقاً سليماً في التفكير، وعرفتنا السبب والمسبب فساعدنا -نحن الإناث- على إدارة بيوتنا فيما بعد، وعلى إنجاز أعمالنا بنظافة أكبر وجهد أقل.

وإذا تعلم الطفل الواجبات وأصول أدائها (بتنظيم وترتيب) تعلم جانباً من المنطق، وقد لا يتقن إنجاز العمل كما يفعل الكبار ولكنه يدرك تماماً المراحل التي مر بها العمل.

- الطفل يأكل ويشرب ويدخل الحمام، وحين نعلمه الطريقة المثلى لإنجاز كل عمل من هذه الأعمال نعلمه نوعاً من أنواع المنطق، فلو علمناه أن يأكل مما يليه ويستعمل ثلاث أصابع لئلا تتسخ يداه، فإذا أمسك الكوب ليشرب أو المملحة كانت يده نظيفة فلا تنزلق الأدوات منها وتنكسر وتبقى الأشياء نظيفة. ويجعل الطبق تحت فمه فإن وقعت لقمته نزلت بصحنه (بدل أن تنزل على ملابسه أو الأرض)... إرشادات بسيطة صحية ومن السنة تُعلّم التفكير المنطقي والتعليل المعقول لكل خطوة، فيفهم أن لكل شيء أصوله وقوانينه.

- وحين يتعلم الوضوء والصلاة يتعلم المنطق من طرف خفي؛ فأوامر الشرعية كلها منطق وتتماشى مع التفكير السليم: فغسل اليدين في بداية الوضوء يعلم الصغير أن العضو الذي سيحمل الماء إلى سائر الأعضاء ينبغي أن يكون نظيفاً ولا يحمل الجراثيم والأوساخ إلى الأعضاء الأخرى... وهكذا في كل خطوة

إن ترتيب الأولويات والعمل وفق نظام معين يثري منطق الصغار، ويدركون بعض الحقائق مثل:

1- "القيام بالأعمال الصغيرة المزعجة يوفر أعباء أكبر وأكثر إزعاجاً"، ولهذا نغسل أيدينا ونغسل الفاكهة قبل أكلها، فتزول عنها الأوساخ والسموم المؤذية، فنبعد المرض ومعاناته وأعبائه المادية.

2- "ترتيب الأشياء حسب أهميتها والبدء بالمهم فالأقل أهمية"، فيشرب الحليب ويأكل الوجبة الغذائية المتكاملة صحياً، ثم يأكل الحلوى.

3- "توجد مهام يومية ضرورية وينبغي علينا القيام بها كل يوم في موعدها"، مثل الأكل والنوم والصلاة، فهذه لا تؤجل، ولو أجلت لترتب على ذلك ضرر دنيوي أو أخروي، وبقية الأشياء يمكن تأجيلها أو إلغاؤها. فيبدأ بإنجاز الأعمال المهمة والواجبات الضرورية ثم يمارس هواياته، فإذا نعس (أو عطله طارئ ما) لم يتضرر.

ثانياً- تربية الطفل على التوازن

تكلمنا عن الأولويات وبقي التوازن في أدائها؛ فيدرب الصغير أن يولي كل شيء حقه من الاهتمام وبالعدل، فيحب إخوته كلهم، ويحترم أمه وأباه، ويمارس نشاطات متنوعة خلال النهار ولا ينسى مساعدة الجميع، ولا ينسى الفريضة أو ترتيب غرفته أو توضيب شنطة المدرسة... ومع التوجيه والتكرار ومرور الأيام يتفهم الصغير ويطبق التوجيهات في حياته (ربما من غير أن يشعر).

ثالثاً- يجب أن يدرك الطفل أن لكل نتيجة سبباً يوصل إليها

ولكل سلوك عواقب تتناسب معه فإن عصى أوامر والديه عنفوه، وإذا أساء لأخيه رفض الأخير مشاركته في اللهو والمرح. وإذا ساعد أخته الصغرى سُرَّت منه أمه، وإذا قام بواجباته أثنى عليه والده وقد يحظى بمكافأة... وهكذا يفكر الطفل قبل الإقدام على بعض الأعمال خوفاً من عواقبها، ويقبل على أعمال أخرى طمعاً بثوابها.

رابعاً- تصويب سلوك الطفل وتبصيره بما هو صواب وما هو خطأ

السلوك نابع عن التفكير، وأي سلوك خاطئ يدل على تفكير أعوج! والصغير يبقى غراً جاهلاً، يتصرف بمزاجية وتلقائية ويحتاج إلى الإرشاد والتوجيه، وهذه هي المهمة الأساسية للوالدين: "تصويب طريقة تفكير الصغير ومنطقه فينصلح سلوكه".

ولو تذرعت الأم بالصبر وعلمت الصغير الطريقة السليمة لاستعمال كل أداة لربت -في صغيرها- بذور التفكير المنطقي، ويكون ذلك بالتدريج وحسب الحاجة وفي الوقت المناسب، فإذا أمسك السكين ولوح بها، أخذتها الأم منيده برفق وجاءت ببرتقالة فقشرتها أمامه وقطعتها وقالت: "من أجل هذا صنعوا السكاكين"، وإذا لعب بالمقص أحضرت له ورقاً وألواناً وصنعت له سفينة ورقية جميلة... وهذا المنهج ينمي مدارك الصغير وتفكيره. وهكذا وكلما اهتم الصغير بأداة أعطيه على إثرها درساً نظرياً يبين سبب صنعها ودرساً عملياً يبين الطريقة المثلى لاستعمالها.

الجهل هو الذي يدعو الطفل لاستعمال الأدوات على غير ما وضعت له، أي في الإفساد، والإفساد ممتع جداً للصغير! فإذا وجد آلة حادة كان أول خاطر يتبادر إلى ذهنه هو استعمالها في الأذى والتخريب فيحفر بها سطح المكتب الخشبي أو يقطع بها رأس لعبته... وواجبنا أن ننهاه فوراً عن مثلها ونوضح له لماذا منعناه (فلا يظن أننا نحرمه من المتعة ونقسو عليه فيغافلنا ويقوم بالتخريب)، فإن لم نفعل استمر في عمله ذاك ونشأ مفسداً في الأرض ومستهتراً بالممتلكات.

وقد لا يكتفي الصغير بالتخريب المادي وقد يمتد إلى الإساءة لأقرانه وإيذاء الحيوانات، وواجب الأم أن تصوب ذلك بحزم وإصرار، فإذا رمى حجراً على القطة كان معناه الجهل أو الاستهتار بأن القط كائن حي يتألم وقد يتأذى. وإذا لم نعدل سلوك الطفل نشأ على القسوة ونزعت الرحمة من قلبه، ويصير سلوكه -النابع عن تفكيره- غير منطقي ولا مقبولاً اجتماعياً.

5- تعديل عقلية الطفل وزرع الخلق السامي فيه

الملاحظات ضرورية جداً لشحذ تفكير الطفل وتعجيل نضجه، ولابد من توجيهه كل يوم ولفته إلى العديد من الأمور، وكل طفل يحتاج إلى تنبيهات محددة حسب شخصيته وصفاته؛ فالطفل الطائش نوجهه إلى الروية والهدوء وتركيز الانتباه، والطفل الأناني نبصره بحاجات الآخرين ونتحدث له عن مشاعرهم وأحاسيهم ليتفاعل معهم ويفكر بهم...

والأخلاق لها أثر كبير على صحة المحاكمة وعلى التفكير المنطقي، فزرع النخوة والشجاعة والكرم (وغيرها من الصفات) في الأبناء يجعل تفكيرهم أنقى وحكمهم على الأمور أعدل. مثلاً: حين يتعود الصغير أن الحلوى توزع عليه وعلى إخوته بالتساوي، وأن الأعباء يتحمل كل طفل منها نصيباً مفروضاً يتناسب مع عمره... كل هذا يساهم في تقويم تفكيره وصرفه إلى الإنصاف والعدل والسمو في محاكمته وفي النتائج التي سيتوصل إليها.

وإذا حصل الطفل على العلم الديني والدنيوي ملك حساً قوياً يميز به الخير من الشر، وصار أبعد نظراً وأعمق فهماً في النظر إلى الحياة.

سادساً- تهيئة الصغير ليتقبل التوجيه في السلوك وليدرك الخطأ في أسلوب تفكيره

فيتسع صدره لملاحظات والديه وإرشاداتهما، ويشعر على الدوام بأنهما الأكبر والأكثر تجربة (ولا ضير أن يتساءل الطفل في بعض الأحيان عن السبب، ويعترض على بعض الأوامربالقول لا بالفعل)

وحبذا لو أعطيناه الأمان والطمأنينة ليستطيع التفكير بحرية، ولنسمح له بالتعبير عما في نفسه وعن كل ما يجول في خاطره فإن كان صواباً شجعناه وآزرناه وإن كان خطأ أعدناه إلى الجادة السوية. وهذا يثري منطق الطفل، ويجعل عقله في حالة يقظة فيراقب ويحلل ويستنتج، ويتعلم التفكير المنطقي.

سابعاً- ألا يكون إمعة: إن أحسن الناس في منطقهم أحسن وإن أساؤوا في سلوكهم أساء

إن موافقة الناس على عمل ما واجتماعهم كلهم على فعله لا يعني أن العمل صحيح ولا يعطيه القوة؛ فالطفل يكذب ثم يتحجج بأن أقرانه يكذبون، أو بأنها كذبة بيضاء.. هذه الأخطاء المنتشرة صعبت عملية التربية ونقضت ما تزرعه هي في أولادها و الأقران والأصدقاء يفسدون منطق أطفالنا أكثر من أي شيء آخر!

ولابد من أن تصر الأم على الحق ولو كان الجميع على الخطأ، وتجبر ابنها على المنطق السليم الذي يفرز السلوك الصحيح، ومنه الاعتزاز بالقيم والحفاظ عليها مهما استهتر الناس بها، ولتعلمه أن التميز في هذه الأمور محمود، والتمسك بالمبادئ لا يعتبر شذوذاً بل يدل على الشجاعة وقوة الشخصية والأصالة.

في البداية لن يصدق الصغير وسوف يخجل من نفسه وهو غريب بين أقرانه فكلهم يغش ويسب ويشتم... ولكنه سيجد يوماً من يؤازره ويقف إلى صفه، وسوف يتأثر بعض الناس ويتغير سلوكهم بفضله لأننا في النهاية نعيش في مجتمعات مسلمة وملتزمة وستصحو يوماً وتعود إلى الحق. وعندها سيكتشف الصغير أن تعميمه خاطئ: "وإذا كان أقرانه يكذبون فليس معناه أن كل الأطفال يكذبون". فلا ينساق مع الناس في سلوكهم بل يبقى اعتماده على عقله وعلى المنطق الصحيح الذي تعلمه، فيبقى سلوكه مصيباً ولا يجرفه الآخرون معهم. وهذه الدروس من أعظم الدروس في التفكير المنطقي: "عدم الانجراف مع الآخرين في الخطأ، والثبات على الصواب"، لأن الانجراف يعني العشوائية وفقدان المنطق.

ثامناً- ترك الطفل ليحاول التصرف وحده، فإن عجز أرشدناه

فعندما يحاول أن يلبس جوربه وحذاءه نتركه قليلاً ونراقبه لنرى ما سيفعل، فإن نجح فبها ونعمت، وإن عجز عرفتَ مواطن الخلل في تفكيره (من مراقبته وهو يخطئ) وساعدته على تجاوزه.

تاسعاً- تجنب القسوة والعنف في التوجيه

أعطي صغيرك الأمان والاطمئنان ولا تثوري عليه ولا تغضبي، وحافظي على ثقته بنفسه وعلى العلاقات الجيدة والود العائلي لكيلا تضري بتفكير الأبناء.