ما يحدث في سورية: إلى أين؟

د. محمد كمال الشريف

د. محمد كمال الشريف

) سبق نشره بالاسم المستعار: الدكتور محمد ناصح عبد الله)

1/10/2011

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ما كنت أتوقع أن يتجرأ أحد في سورية على الخروج متحدياً النظام السوري ولو بكلمة لكن ذلك حدث وبجرأة واستبسال رائعين يدلان على أن السوريين تغيروا وصاروا جديرين بحكام أحسن وأقل سوءاً من حكامهم الحاليين.

ما حدث في تونس ومصر شجع الشباب في سورية وأعطاهم الأمل في تغيير واقعهم وأعاد لهم الشعور أن الجهود يمكنها أن تؤثر، وأنه لا بد لنا من التحرر من اليأس والشعور أنه لا جدوى من المحاولة اللذين كانا مسيطرين علينا. لقد كان سقوط ابن علي ومبارك سريعاً وسهلاً ومغرياً للجميع بالمحاولة، لكن الأمور لم تنجح بنفس السهولة في اليمن وليبيا وسورية، ونحن مدعوون للتفكر في العوامل التي أدت إلى النجاح السهل السريع لثورتي تونس ومصر بينما تطلب الأمر دماراً واسعاً وشهداء بعشرات الآلاف وتدخلاً عسكرياً مكلفاً للإطاحة بالقذافي، ولم تثمر المليونيات العديدة في اليمن حتى الآن.

الذي علينا الانتباه له هو أن استقلال الكثير من بلادنا ما زال منقوصاً وما زالت الدول المستعمرة تمارس التحكم بمصائر بلادنا وسياساتها عن طريق التحكم عن بعد وبطريقة غير ظاهرة للعيان بحيث تعيش الشعوب العربية وهم الاستقلال بينما هي ما تزال في الحقيقة شبه مستعمرة.

خرجت فرنسا من تونس لكنها سلمت البلاد لمن يحكم تونس نيابة عنها ويضمن استمرار تبعية تونس لها في كل شيء، ولم يكن الحكام وحدهم من يعمل لحساب فرنسا هناك، بل حرصت فرنسا على الإمساك بخيوط التحكم بالجيش التونسي بحيث لا يستطيع أي حاكم أن يتمرد على فرنسا لو سولت له نفسه ذلك..وهكذا مرت عشرات السنين والشعب التونسي ينعم باستقلالية معلنة وظاهرية، لكنه مستعمر من قبل وكلاء الاستعمار الذين يضمنون للمستعمر الحد الأدنى من مصالحه بينما يترك لهم الحرية لينهبوا ويفسدوا كما يشاؤون لأنها الطريقة غير المكلفة له لدفع أجورهم.

ثم ذات يوم ثار الناس في تونس، وسقط شهداء، لكن ثورة الجماهير استمرت ووصلت إلى أسماع المستعمر الذي خاف أن تنجح الثورة في القضاء على كل الترتيبات التي مازال يحكم تونس من خلالها فكان لا بد له من إنقاذ الموقف عن طريق الاستجابة لمطالب الجماهير في التغيير سواء تغيير الوجوه أو إعطاء الحريات والديمقراطية.. عندها كان القرار أن ابن علي عليه أن يرحل، وكانت التوجيهات للجيش التونسي أن يتركه يسقط، وأن لا يسانده أبداً في محاولته البقاء . كان الرجل أذكى من غيره فحمل ما خف وزنه وغلا ثمنه ورحل غير مأسوف عليه. وانتصرت ثورة تونس بيسر وسهولة لم تكن تخطر ببال الكثيرين. إنه انتصار جزئي حيث ما زال الجيش التونسي على حاله وهو الجهة الوحيدة في البلاد القادرة على فرض ما تريد وقتما تريد لأن القوة هي الحق كما يقول المثل الإنكليزي. وهذا أبداً لا يقلل من قيمة التغيير الذي حصل في تونس لكن يجب الانتباه إلى أنه جزئي ونسبي ولن يكون جذرياً كما حلم الذين طالبوا به. الأمور لن تصبح مثالية في تونس قريباً، لكنها بالتأكيد ستكون أقل سوءاً، وسيكون الشعب التونسي قد حقق درجة أكبر من الاستقلال عن المستعمر الذي لن يزعجه أن تتحسن معيشة التونسيين وأن يتمكنوا من التعبير السلمي عن آرائهم طالما أن مصالحه الاستراتيجية مضمونة له. ستأتي حكومات منتخبة تعبر عن اختيارات الشعب وستمارس سياسات تنطلق من مصالح الشعب لكن الجيش سيبقى دائماً جاهزاً لإجهاض أية ديمقراطية تهدد مصالح فرنسا وسياستها، أي تتجاوز خطوطاً حمراء بالتأكيد منها أمن إسرائيل والحيلولة دون قيام  دولة إسلامية مماثلة للدولة الإيرانية.

ما حدث في تونس جعل المستعمرين يدركون أن الشعب التونسي قد تغير بعض الشيء ولم يعد قابلاً للاستعمار بنفس الدرجة التي كان عليها، وبالتالي لن يتحمل نمط الاستعمار السابق، ولا بد من التراجع أمامه ولو درجة . القابلية للاستعمار مفهوم اعتمد عليه مالك بن نبي رحمه الله في محاولته لفهم واقع بلداننا وتخلفها، وهو مفهوم مهم وصحيح. فبقدر ما يتحمل شعب من الشعوب من استعمار، وبقدر ما تكون الشعوب الغالبة مستعدة لدفع ثمن سيطرتها واستغلالها للشعوب المغلوبة، وبقدر المنفعة المتوقعة من استعمار أمة لأخرى، تتحدد نوعية الاستعمار ودرجته.

انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة ألمانيا واليابان واستسلامهما دون قيد أو شرط، لكن الدول المنتصرة لم تقم باحتلالهما بل اكتفت بقواعد لها في أراضيهما وبفرض قيود سياسية وعسكرية عليهما، بينما نجح البلدان المهزومان في بناء أقوى اقتصادين في العالم بعد الاقتصاد الأمريكي. لم يمتنع الغالبون عن استعمار ألمانيا واليابان بالطريقة التي استعمروا بها بلادنا كرماً أو أدباً منهم، بل لأن شعبي البلدين غير قابلين لذاك النوع من الاستعمار، ولئن أصر الغالبون عليه فستكون الكلفة عالية جداً، أي هم استعمروهم بقدر ما يتحملون. والمتأمل يمكنه ملاحظة أن اليابان ما تزال غير مستقلة تماماً في سياستها الخارجية عن الولايات المتحدة التي تغلبت عليها . وهذا لا يعني أن وضع اليابان ليس أحسن من وضع البلاد العربية، ولا بد لليوم الذي تتحرر فيه اليابان من جميع آثار هزيمتها من أن يأتي.

أما مصر التي خرجت منها بريطانيا مهزومة وحصلت على قدر كبير من الاستقلالية فقد تم في عهد مبارك أن تحولت إلى شبه مستعمرة أمريكية. فمنذ كامب ديفيد ومصر تنفذ سياسات أمريكا في المنطقة وتتلقى ثاني أكبر مساعدات تقدمها أمريكا إلى دولة أخرى بعد إسرائيل. لكن هذه المساعدات أغلبها مساعدات عسكرية لا لأن أمريكا تريد تقوية مصر عسكرياً، بل لتصل تلك الأموال إلى الجيش المصري الذي صارت رفاهية ضباطه معتمدة على المال الأمريكي، وتحول كبارهم إلى موظفين عند أمريكا يقومون بضمان أمن إسرائيل وحماية النظام الذي ينفذ سياسات أمريكا.

قامت الاحتجاجات في مصر وكانت أمريكا ذكية حيث كان قرارهم منذ الأيام الأولى الاستغناء عن مبارك ومعاونيه من أجل أن تبقى مصر تحت نفوذها، أي تخسر مبارك ولا تخسر مصر. وهكذا كان. منذ الأيام الأولى للاحتجاجات سافر المشير طنطاوي إلى الولايات المتحدة وتكررت تطمينات الأمريكيين أن الجيش المصري لن يطلق النار على المتظاهرين، وأخذ الجيش المصري موقفاً سلبياً جعل مبارك يسقط بسرعة وسهولة، ولو أن الجيش المصري كان يتلقى تعليماته من مبارك لما سقط مبارك، ولكان الذين سقطوا بدلاً عنه عشرات بل مئات الآلاف من القتلى والجرحى. عندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979 كانت سلمية مئة بالمئة، وكان المتظاهرون يحملون الورود ويقدمونها للجنود، لكن الجنود كانوا ينفذون أوامر قادتهم ويطلقون النار على المتظاهرين حتى سقط أكثر من سبعين ألف شهيد، عدا عن أضعاف هذا العدد من الجرحى، قبل أن تبدأ حالة من التململ في الجيش الإيراني جعلت الشاه يغادر البلاد، ليقوم مجموعة من السياسيين الذين ترضى عنهم أمريكا بإعلان جمهورية إسلامية، كانت بمثابة نجاح جزئي للثورة الإيرانية التي قبلت بهذا التغيير الجزئي حتى حين، لتقوم بعد أشهر بثورة على الثورة، قامت فيها بتطهير النظام الجديد من كل من له ولاء لأمريكا، والذي ساعد على ذلك أن الثورة الإيرانية كانت منظمة ومخطط لها ولها قيادة موحدة ومطاعة إلى أبعد الحدود بخلاف ثوراتنا العربية الحالية العفوية الارتجالية.

نجحت الثورة في إيران في أن تكون كاملة وجذرية وتحررت إيران من التبعية للغرب تحرراً تاماً، ولا يخفى علينا مقدار الإرباك والإزعاج الذي سببته إيران لإسرائيل والغرب منذ سقوط الشاه. لكن ما حدث في إيران لن يحدث في مصر بل ستبقى مصر تابعة في سياساتها الاستراتيجية لأمريكا، وسيبقى الجيش المصري حارساً للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في مصر حتى لو جاءت حكومات منتخبة تمثل الشعب المصري تمثيلاً حقيقياً ، فهي لن تستطيع أن تخالف الجيش الذي يمسك بزمام القوة والقادر على الإطاحة بأية حكومة لا ترضى عنها أمريكا ولن يصعب عليهم إيجاد المبررات والأعذار لذلك. وحال تركيا وديموقراطيتها المنقوصة التي تعرضت للإجهاض مرات عديدة على يد الجيش التركي كلما تجاوزت الحكومات المنتخبة خطوطاً حمراء عنوانها علمانية الدولة، هذه الحالة تصلح توضيحاً للدور الذي يلعبه الجيش المصري الآن والمتوقع له أن يلعبه لعدة عقود قادمة.

مع ذلك فإن التغيير الذي وقع في مصر جيد وخطوة نحو التغيير الجذري المنشود، لكن التغيير الذي نحلم به لا يمكن أن يتم ما لم يكن التغيير في نفوس المصريين من حيث أفكارهم ومشاعرهم وأخلاقهم تغييرا كاملاً يتخلصون فيه من عللهم الاجتماعية ومن قابليتهم للاستعمار، وقد يحتاج المصريون لبلوغ ذلك إلى أجيال. المهم أنهم يسيرون نحوه والتغيير الذي أنجزوه في نفوسهم يجعلهم جديرين بنظام حكم أقل سوءاً وأكثر حفاظاً على كرامتهم ومصالحهم المعيشية، والأوضاع الجديدة ستساعدهم على المزيد من تغيير ما بنفوسهم لتتغير أحوالهم. فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وتغيير ما بهم يتناسب مع مقدار التغيير الذي حققوه في نفوسهم.

الوضع في ليبيا واليمن مختلف حيث يمسك الحاكم بعوامل القوة في البلاد ويضمن للمستعمر تحقيق السياسات التي يريدها مقابل أن يتركه يفعل ما يشاء ويساعده على القضاء على خصومه السياسيين بغض النظر عن المباديء والقيم، فالغربيون منافقون بما يخص حقوق الإنسان، وكما قال الشاعر، فإن قتل شخص واحد منهم جريمة لا تغتفر، بينما قتل شعب آمن منا قضية فيها نظر.

الغرب خائف من مجيء حاكم لا يكون مخلصاً لهم مثل علي عبد الله صالح، لذا تراهم لا يدعمون الحراك الشعبي دعماً حقيقياً، بل يدعون إلى تغيير يتحكمون به، تعبر عنه المبادرة الخليجية ،مع أنه صار واضحاً أن استمرار علي عبد الله صالح ليس في صالح أحد. لو كان الجيش اليمني يتلقى التعليمات من دولة أجنبية لسقط علي عبد الله صالح ربما بنفس السرعة والسهولة التي سقط فيه ابن علي ومبارك، لأنه وقتها لن تتردد القوى الاستعمارية في تغييره إرضاء لشعب صار واضحاً أنه الآن أكثر وعياً وأقل جبناً. ولو كان البديل عن صالح جاهزاً لما تمكن صالح من العودة إلى اليمن بعد أن خرج منها مصاباً، لكن ما زال في ظن هذه القوى أن صالح خير من غيره ريثما تتم ترتيبات لإحداث تغييرات ترضي الناس جزئياً دون أن تكون جذرية تهدد مصالح الغرب في اليمن والمنطقة.

أما القذافي الذي كان الغرب مقتنعاً أن من الخير أن يرحل فإنه ما يزال حتى الآن يقاوم، وله أنصار يقاتلون من أجله، وإن كان في حكم المنتهي. لكن علينا التفكر في الذي جعل سقوط مبارك وابن علي بتلك السهولة بينما سقوط حاكم بغيض وغير سوي من الناحية النفسية يحتاج إلى كل الدماء والأموال التي بذلت.

في سورية كان حافظ الأسد رجلاً قوياً ماكراً ويمسك بزمام الأمور بنفسه، ومتحكماً من خلال أجهزة أمنية متعددة تتجسس على بعضها البعض، يساعده بذلك اعتماده على الطائفة العلوية التي استطاع أن يربط رفاهها واستمتاعها بمميزات لم تحظ بمثلها في التاريخ ببقائه هو وأسرته في السلطة. كان حافظ الأسد يقدم لفرنسا ما تريده من سياسات وتعاون وتحقيق أهداف، وإن كان في الظاهر مستقلاً وممانعاً. الأمر الذي أسكتهم عنه وجعلهم يتركونه في السلطة دون أن يعينوا عليه خصومه ودون أن يحاولوا جادين شراء ولاء الجيش والأمن في سورية.. فقد كان معهم كما يريدون ابتداءً من تقديم الجولان لإسرائيل إلى الوقوف مع التحالف الدولي ضد العراق وإقناع إيران بالحياد وقتها، وذلك عندما قررت فرنسا الانضمام إلى أمريكا في حرب تحرير الكويت، ورضيت بحصة من الغنيمة، بعد أن كانت تحلم ببترول العراق والكويت من خلال دعمها لصدام. مات حافظ الأسد وجاء خير أبنائه ليحل محله، بعد أن رد الله عن السوريين البلاء الذي كان سيقع عليهم لو كان باسل - بما فيه من كبر وتجبر وعدوانية - مكانه. بشار كان أطيب أولاد حافظ، ومن طيبته قيل أنه كان يقال عنه في المدرسة الثانوية الأهبل. لم يكن أهبلاً على الحقيقة، فذكاؤه واضح، لكنه لم يكن عدوانياً ولا فاسد الطباع مثل إخوته أو عمه سيء الصيت رفعت. كان متوجهاً للطب والمعلوماتية وليس له أية طموحات سياسية، ولعل عيب النطق بحرف السين ساعده على أن لا يكون متكبراً متغطرساً كبقية العائلة. وكان من طيبته مؤمناً بما كان يعلنه والده من قومية ومقاومة لمشاريع الاستعمار وإسرائيل في المنطقة، فصار يتصرف بما يخالف مصالحهم، فأغضبهم إلى حد أصبحت فيه فرنسا ألد أعداء سورية ومتحالفة مع أمريكا جورج بوش الابن في سعيها لإسقاط النظام السوري وبخاصة بعد مقتل الحريري.

بشار الطيب أو الأهبل كما وصفه من كان معه في المدرسة، حاول أن ينتقل بسورية إلى مرحلة من الحرية والديمقراطية النسبيتين، فكان ربيع دمشق المعروف، الذي يقال أن خدام كان أشد المعارضين له والأكثر حرصاً على إنهائه. وانتهى ربيع دمشق، وأدخل الحرس القديم في نظام الأسد والمنتفعون الجدد بشاراً في إحباط تلو إحباط، حتى اقتنع بطريقتهم واستسلم لهم، ورضي بجمع المال، فصار واجهة جميلة لنظام قائم على عصابة أمنية تسيطر على المدنيين والعسكريين في البلاد، ولا تفهم من السياسة شيئاً، بل هي كالوحوش لا تعرف إلا الافتراس والتعامل بالظفر والناب.

طيبة بشار وتهذيبه أكسباه حب الكثيرين من جماهير السوريين والعرب الذي كانوا لا يحبون أباه، وبالتدريج استوعب بشار الدرس وبدأ يقدم لفرنسا وغيرها ما تريد، فانتهت حالة العداء التي كانت بين سورية وفرنسا، وصار طالب الشهادة الثانوية في سورية مطالباً بدراسة لغتين أجنبيتين الفرنسية إحداهما، رغم الميل العروبي القوي لدى السوريين بما فيهم العلويون، ولعل تلك المكاسب الثقافية لفرنسا كانت بعض الثمن الذي قدمه بشار ونظامه لاسترضائها. وعلينا أن نذكر أن الحكومة الفرنسية الاستعمارية التي كانت تحكم سورية أعلنت ولاءها لألمانيا عندما احتلت ألمانيا فرنسا في الحرب العالمية الثانية، مما جعلها عدوة للحلفاء، فدخل الجيش البريطاني ليحرر سورية من أتباع ألمانيا وليبقى فيها حتى تم إنهاء الانتداب الفرنسي على سورية بقرار أممي، فخرج الفرنسيون من سورية مهزومين، وكانت المكاسب الثقافية من نصيب بريطانيا ولغتها الإنكليزية رغم أن الاستعمار كان فرنسياً. وبعد الاستقلال استمر الصراع بين بريطانيا وفرنسا على سورية وكانت الانقلابات الكثيرة التي عرفتها سورية بسبب هذا الصراع ومظهراً له، إلى أن جاء حافظ أسد وطائفته، وحُسمت الغلبة لصالح النفوذ الفرنسي، وبدأت من وقتها فرنسا تحقق مكاسب ثقافية متزايدة في سورية.

بدأت الاحتجاجات في سورية بهتافات في الحريقة بدمشق اعتراضاً على غطرسة رجل شرطة وتعامله المهين لبعض المواطنين، لكن وزير الداخلية وقتها كان حكيماً واستطاع تهدئة الناس وامتصاص غضبهم، ولم أكن أتوقع أن يتجرأ أو قل يتهور غير من تهور ويخرج في احتجاجات علنية أخرى، إلى أن قام فتية في درعا بالكتابة على الجدران  (جاك الدور يا دكتور) وما شابه، وبدأ القمع الوحشي المستكبر الذي لا يحترم قيماً ولا أدياناً ولا مقامات، ولا يرى أية خطوط حمراء أمامه.. مما استثار السوريين الذين خرجوا يرددون (الشعب السوري ما بينهان) و(الموت ولا المذلة).. وتفتقت عبقرية كبار رجال الأمن عن خطة لمواجهة الانتفاضة، تسرب ملخص لها وكان محضر جلسة لهم، لكنه لم ينل حقه من الاهتمام، ربما ظناً أنه قد يكون مفبركاً، لكنني أعتقد أنه كان حقيقياً، والأحداث حتى اليوم تؤكد أنه هو المتبع والمطبق في مواجهة النظام لثورة الشباب السوري. وتبين من هذا المحضر ومن سلوك النظام ولجوئه إلى حثالة الطائفة العلوية الذين جمعتهم عائلة الأسد حولها كعصابة لإرهاب الناس وفرض سيطرتها عليهم خارج القانون والأجهزة الرسمية وهم المسمون "الشبيحة"، تبين أن النظام ليس فيه من أصحاب القرار من يفهم شيئاً في السياسة وفن التعامل مع الشعب ومع أزمة مثل الاحتجاجات الشعبية السورية. فكان في كل تصرف أحمق من تصرفاتهم، وتصرفاتهم كانت كلها حمقاء، استفزاز لمشاعر السوريين وكشف لحقيقة النظام التي كانت خفية على الكثير من السوريين الذين ما كانوا يتصورونه بهذا السوء، وكانوا مخدوعين به وبكلامه ويؤيدونه، لأنه يبدو لهم أحسن الأنظمة العربية موقفاً من قضايا الأمة، وأكثرها حرصا على مصالحها ومقاومة للمؤامرات عليها. أحبوه لذلك، وغفروا له الكثير، وتغاضوا عن الكثير من عيوبه، فالرمد أهون من العمى.

جاءت أحداث سورية الأخيرة وردود الفعل الهمجية الحمقاء للنظام عليها، لتعري سوأته للجميع، وليراه القريب والبعيد على حقيقته، وليتبين للكل أنه غير صالح لقيادة أمة تفوقت عليه كثيراً في الوعي والإخلاص والأخلاق، وبالتالي لا يمكن أن تبقى راضية به يتحكم بمقدراتها ومصيرها ويرسم لها سياساتها. وهكذا فقد النظام وعلى رأسه بشار الكثير من شعبيته إن لم يكن قد فقدها كلها عند السوريين غير العلويين. لقد سقط النظام أخلاقياً وفقد احترام الذين كانوا يظنون به خيراً، وتبين للجميع جهله وحمقه وعجزه عن القيام بشؤون الوطن في هذه المرحلة وفي قادم الأيام.

المشكلة في سورية، وربما النعمة الكبرى، هي أن استقلال سورية عن فرنسا والقوى الاستعمارية الأخرى استقلال حقيقي إلى حد لا بأس به، وليس لأي من هذه الدول على الجيش والقوى الأمنية المتحكمة بالبلد سلطة الأمر والنهي كما هو الحال في مصر أو تونس. لذا طال الأمر وقد يطول أكثر مما نتمنى، وذلك لأن النظام الذي قام على الطائفة العلوية وحاباها ومكّن أراذلها من الاستعلاء والتجبر على باقي السوريين جعل هذه الطائفة لا تتصور حياتها من دونه وتخشى على مستقبلها إن هو سقط.

النظام يستخدم الطائفة العلوية ويقوم عليها لا من حيث هي طائفة دينية تربطها وتحركها معتقدات مشتركة، بل من حيث هي أسر وعشائر مترابطة ويمكن أن يثق النظام بولائها. والسؤال الآن ما الفرق؟ الفرق هو أن العلويين طائفة محددة ومعرفة على أساس معتقدات دينية معينة، لكن هذه الطائفة قليلة التدين ولا تحركها إيديولوجيا دينية، هم في الغالب الأعم غير متدينين لا وفق عقيدة أجدادهم ( التي تؤمن أن الله نزل إلى الأرض واختلط بالبشر على هيئة رجل هو علي بن أبي طالب وبالتالي علي هو الله وليس مجرد ولي الله كما هو عند الشيعة )، ولا هم متدينون وفق عقائد إسلامية أخرى إلا قليلاً منهم. إنهم متسلطون على سورية لا من أجل تغليب معتقدهم، فكثير منهم قد لا يؤمنون به، وبخاصة أن أغلب المتعلمين منهم تعلموا الإسلام السني معنا في المدارس، ولم يكن لديهم تعليم ديني منزلي يعاكس ما تعلموه في المدارس، اللهم إلا في بعض الأسر في قراهم، وهذا ناتج عن ضعف التدين عندهم عموماً، مما كان له أثر إيجابي في بلوغ دعوة الإسلام غير المحرفة إلى جميع من درس منهم في المدارس ونجا من الضغوط العائلية التي تصر على معتقدات غير التي تلقوها في المدارس.

أقول هذا لننتبه إلى أن الطائفة العلوية الآن تشكل مشكلة للتغيير في سورية لا من منطلق ديني راسخ يصعب التعامل معه، بل من منطلق ولاء قبلي وعائلي تقويه المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة والمكتسبة من خلال ترابطهم ومحاباة بعضهم بعضاً في الوظائف الحكومية والمناصب وغير ذلك من طرق الانتفاع من السلطة. أي بكل بساطة مشكلتنا معهم ليست دينية ، إذ لو تسلط على الحكم أهل مدينة أخرى أو عشيرة معينة لتصرفوا بنفس الطريقة سواء كانوا مسلمين سنة أو مسيحيين أو غير ذلك، فالمشكلة هي الاستئثار بخيرات البلد، وهذا يقع فيه من يغلب على حكم بلد ما أياً كان معتقده، ما لم يكن في تقوى الأنبياء أو الصحابة، أو ما لم يكن نظام الحكم لا يسمح بذلك من خلال وجود رقابة شعبية ومساءلة حقيقية.

العلويون في سورية تحركهم النزعة القومية العربية، وتحركهم مطامعهم الحياتية التي تحرك جميع البشر، كالسعي إلى الثراء والجاه والمتعة في إطار من ضعف الوازع الديني لديهم.

في وضع كهذا فإن الصراع مع الطائفة العلوية من منطلق ديني وطائفي سيكون مفيداً للنظام لا لأحد سواه. فمعاداتهم من منطلق ديني سيدفعهم إلى العودة إلى معتقداتهم القديمة لا قناعة بها، بل من منطلق التعصب للدفاع عن الذات والتوحد مع البقية، وهذا سيكون تراجعاً في حالتهم الدينية، بدل الذي نتمناه لهم وهو أن يثبتوا على العقيدة السليمة التي تلقوها في المدارس. إن معاداتهم على أساس المعتقد الديني سيجعلهم حريصين عليه بغض النظر عن مدى اقتناعهم به، وهذا سيحولهم فعلاً إلى طائفة دينية منغلقة على نفسها وولاؤها لنفسها، ويصبح من الصعب عليهم الشعور بالولاء لسورية ككل، كبلد ينتمي إليه أهله بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، إنما هم أسرة واحدة مترابطة وكل له دينه الخاص، لكن مصلحتهم هي في العيش المشترك، وهم شركاء في الوطن، ولهم حقوق متساوية فيه، وكلهم يحرص عليه ويسعى لخيره.

ثم إن معاداة العلويين على أساس المعتقد الديني يعني أن تتحول الثورة من ثورة سورية شعبية من أجل الحرية والديمقراطية إلى ثورة طائفية سنية مخيفة لباقي السوريين من مسيحيين ودروز وإسماعيلية وغير ذلك، وهذا سيجعل هؤلاء يفضلون البقاء تحت نظام فاسد وظالم لكنه يعاملهم كمواطنين متساوين -ولو نظرياً  - لا كأقليات في بلدهم، وسيجعلهم يقفون مع النظام ويحاربون الثورة، رغم أنهم غير راضين عن النظام، وليسوا مستفيدين منه كثيراً. وهذا يفسر لنا سبب حرص النظام على تحويل القضية إلى صراع سني علوي كالذي كان في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حيث كانت هنالك حركة إسلامية مسلحة ليس لها امتداد شعبي واسع تحارب النظام من منطلق أنه نظام طائفي كافر. ويرينا أهمية أن لا نرجع إلى الوراء بعد أن نضج وعينا السياسي واقتنعنا أن مصلحتنا جميعاً هي في العيش المشترك على أساس المواطنة لا على أساس الانتماء الطائفي أو الديني.

كما إن استعداء الطائفة العلوية على أساس طائفي لا تستطيع الطائفة تغييره، فهي لن تغير مذهبها لترضي السنة مثلاً، وبالتالي تصبح الطائفة أمام تهديد وجودي، يجعلها تدافع عن نفسها وعن النظام الذي ستتوحد معه بشكل كامل دفاعاً مستميتاً، بل لنقل مميتاً، لأن القوة العسكرية في سورية مركزة بيد ضباط علويين، وهذا يعني اضطرار الطائفة إلى مذابح تسحق ثورة الشباب سحقاً.

يجب على الثائرين الحذر من أي انزلاق نحو الطائفية، لأنه سيجعل البلد جبهتين: السنة مقابل اتحاد العلويين مع الدروز والمسيحيين والإسماعيلين والعلمانيين بكافة توجهاتهم الفكرية والسياسية، وهو ما يتمناه النظام لأنه بذلك سيتغلب على الثورة ويقضي عليها قضاء لا تقوم بعده في ثلاثين سنة أخرى.

كما إن تحول الثورة إلى طائفية سيفقدها كل تأييد دولي اللهم إلا تعاطف السعودية، لأنها لا يمكن أن تصطف ضد الطائفة السنية، لكنها لن تدعم ثورة طائفية ولو كانت سنية إلا دعماً ضعيفاً لرفع العتب والملامة لا أكثر. الثورة الآن ولأنها ثورة وطنية وشعبية تطالب بحقوق جميع السوريين في حياة حرة كريمة وليست ثورة أصولية إسلامية ولا ثورة معادية للغرب قد اكتسبت تعاطف وتأييد أغلب الدول والشعوب.

سمعت الشيخ العرعور يقول إن الثورة إن نجحت ستعامل العلويين وغيرهم من الأقليات بالحسنى كما عامل عمر بن الخطاب اليهود في المجتمع المسلم، وهذا رأي غير موفق، لأن عمر بن الخطاب تسلم السلطة بعد انتصار المسلمين وتغلبهم على من سواهم بالسلاح، أما الوضع المماثل لوضعنا الآن فهو وضع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لما هاجر إلى المدينة وأسس دولة فيها كان لليهود فيها وضع المواطنة الكاملة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فهم أصحاب البلاد والمسلمون مثلهم، إضافة إلى المهاجرين من مكة وأعدادهم محدودة، وعلينا في هذا العصر تذكر أننا لسنا غزاة فاتحين، بل نحن أبناء وطن واحد نتشارك أرضه وسماءه وخيراته مع إخوة لنا قد يختلفون عنا بالدين أو المذهب لكن لهم علينا حق البر كما لآبائنا وأمهاتنا علينا حق البر، وليس ذلك كرماً ولا تسامحاً منا معهم، فنحن لسنا أحق بالبلاد منهم ، أما اختلاف الدين والرأي، فالأصل أنه لا إكراه في الدين، ومن حقنا وحقهم أن تكون لنا ولهم حرية الاعتقاد وممارسة المعتقد في إطار قانون ينظم علاقتنا ببعض فلا يطغى جانب على جانب. ولنتذكر أنه لو كان هنالك مسلم وأمه أو أخوه مشرك -ولا أقول كتابياً، حيث لأهل الكتاب وضع مفضل في الإسلام- فإن عليه بره أو برها، ولا يحرم حتى الشرك أو الإلحاد أهلنا من حقهم في برِّنا، وهو ليس تفضلاً منا عليهم، بل حق لهم، علينا أداؤه بلا منَّة.

رغم اختلاف الدين والمعتقد بين الرسل وأقوامهم الذين قص علينا ربنا في القرآن قصصهم، ورغم معاندة هذه الأقوام للدعوة واعتدائها على رسل الله حتى استحقت من الله الإهلاك والدمار، يصر القرآن الكريم على أن الرسل هم إخوان لأولئك الذين كفروا وعاندوا، وحتى لوط الذي أرسل إلى قوم غير قومه، فقد وصفهم الخالق أنهم إخوان لوط.

نحن في حاجة إلى إعادة فهم علاقتنا بأبناء أمتنا الذين نشترك معهم في وطن واحد، لنتخلص من أفكار غير ناضجة انتشرت عند بعض المتدينين وجعلتهم يحلمون بدولة إسلامية خالصة للمسلمين، كالدولة التي يحلم بها اليهود ويريدون أن يعترف لهم العالم أن إسرائيل دولة يهودية، ليكون العرب فيها ضيوفاً وهم أصحاب البلاد الأصليين. علينا نحن الذين ننتمي للأكثرية الدينية في سورية أن نضع أنفسنا مكان باقي أبناء وطننا الذين ينتمون لأديان أو مذاهب أخرى ولا يشكلون أكثريات عددية، لنحس بأحاسيسهم ونفهم مخاوفهم ولا نستغرب إصرارهم على حق المواطنة المتساوية معنا.

أما النظام الذي يتصرف بمنتهى الغباء السياسي، والمتوقع له أن يستمر في غبائه المتأصل فيه، فقد خسر الكثير من رصيده عند أغلب السوريين من جميع الطوائف وعند بعض العلويين أنفسهم ، وهو باستمرار أخطائه وجرائمه التي يقع فيها كل يوم سيخسر شعبيته عند الطائفة العلوية، التي سيأتي يوم تخشى فيه على مصيرها مع تورط بعض أفرادها في جرائم بشعة ضد باقي السوريين لا يبررها شيء، بخاصة إن نجحت الثورة في البقاء ثورة لا عنف وثورة سلمية مئة بالمئة، لا تمسك ولا حتى حجراً أو عصاً، بل ثورة التزام بكفِّ الأيدي، كما التزم المسلمون في مكة قبل الهجرة كفّ أيديهم رغم كل الأذى والتعذيب الذي تعرضوا له، لكنهم لم يمدوا أيديهم ولا حتى للدفاع عن أنفسهم.

صحيح أن من مات دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله فهو شهيد، لكن هذا مختلف عن الخروج للقول للظالم يا ظالم كما هو حال المتظاهرين في سورية، فإنهم عليهم كفُّ أيديهم وعدم الدفاع عن أنفسهم بأي نوع من السلاح لأنهم بذلك يتحولون إلى خوارج ويفقدون مكانة المجاهد بكلمة حق عند سلطان جائر. لا تستغربوا أن لا يكون للمتظاهر حق في أن يدافع عن نفسه ضد من يتعمد قتله أو إيذاءه، فالموقف مختلف عن الدفاع عن النفس والعرض والمال تجاه لص أو قاطع طريق. إن الخروج في المظاهرات السلمية جهاد، والموت فيها استشهاد لا شك فيه، ومن كان مستعداً للموت في سبيل الله فليقدم عليه، ولا يفسده ببسط يده إلى عدوه لا بسلاح ولا غيره، لا من قبيل الهجوم ولا من قبيل الدفاع. إنك بمجرد أن تبسط يدك لتضرب أو تقتل ولو دفاعاً عن نفسك فإن الموقف كله سيفقد تأثيره في الناس وباقي الشعوب وسيصبح موقف مصارعة لدى الناس رغبة في معرفة من الغالب فيه ، والغالب كما يقال ذنبه مغفور، فالدنيا بطبعها تميل مع المنتصر والغالب بغض النظر إن كان ظالماً أو مظلوماً.

إن الثورة إن لجأت إلى السلاح ولو مجرد قبضات أيدي أبنائها العزلاء تكون قد دخلت مع النظام في مباراة هو الفائز فيها حتماً ويقيناً، لأن العنف هو اللعبة الوحيدة التي يجيدها، والسلاح الذي بيده لا مقارنة بينه وبين ما يمكن لمعارضة مسلحة أن تمتلكه، والتنظيم والتدريب لديه لا يمكن لمعارضة شعبية أن تتفوق عليه فيهما، ولا تخدعنا انتصارات الليبيين فالحال مختلف تماماً. إن إصرار الشباب على التظاهر وتلقي الرصاص الحي بصدور عارية وإيصال صورة ذلك وخبره إلى باقي السوريين وباقي شعوب الأرض هو الذي سيسقط النظام، ولن يستطيع النظام مقاومته والقضاء عليه. . فسلمية الثورة تجعل الصراع والمنافسة والمباراة في شيء لا يمتلكه النظام ولا يقدر عليه، فهو إما أن يسمح بالتظاهر دون أن يقتل المتظاهرين وعندها ستخرج المظاهرات المليونية وهذا ما يخشاه، أو أن يستمر الحال على ما هو عليه الآن مظاهرات خاطفة أو طيارة كما سماها ياسين الحاج صالح يتم فيها الهتاف والتصوير والنشر ثم الهروب مع ما يمكن أن يسقط فيها من شهداء أو مصابين، وهذا يعني أن تتفاعل الأمور أكثر فأكثر، فيضطر العقلاء من الضباط العلويين الممسكين بمواطن القوة في البلاد إلى أن ينقذوا أنفسهم وطائفتهم من مصير مخيف، وذلك بأن يتخلصوا من النظام الذي سيكون يومها عبئاً ثقيلاً جداً على الطائفة العلوية، وستتخلى عنه حفاظاً على نفسها ومكتسباتها، فالإنسان مستعد للتضحية حتى بعينه إن صارت مصدر خطر على حياته.

العلويون هم الآن الأمل وطوق النجاة الوحيد للنظام، ما لم تتحول الثورة إلى مسلحة أو طائفية ( سنية ضد علوية )، والعلويون هم من سينقذ سورية من نظام تغوَّل ومستعد أن يضحي بهم جميعهم ليبقى في الحكم. النظام ليس فئة ذات عقيدة حقيقية تدافع عنها وتموت في سبيلها، سواء كانت عقيدة صحيحة أو فاسدة من المنظور الديني، إنه عصابة ممن يستأثرون بخيرات البلاد والعزة فيها لتكون لهم الكبرياء في الأرض من دون الناس، وللكبرياء لذتها، وللثروة إغراؤها، وهم مستعدون للتضحية حتى بأبناء طائفتهم، لأنهم لا يهمهم إلا أنفسهم، ولو كان لديهم خلق أو ضمير لما ارتكبوا ما يرتكبونه كل يوم من جرائم بشعة أذهلت البعيد والقريب.

أنا على يقين وإن كان لا يعلم الغيب إلا الله ، أنا على يقين أن الطائفة العلوية سوف تتخلى عن النظام ولو بعد حين، لأن الطائفة بشر مثل باقي السوريين لهم آمالهم ومخاوفهم وتهمهم أنفسهم ومستقبل أجيالهم ويفكرون بمنطق كما نفكر، ويوماً بعد يوم سيتكشف للعلويين كذب النظام وزيف ادعائه أنه يواجه مؤامرة خارجية وأن جماعات إرهابية هي التي تقتل المتظاهرين السلميين العزَّل، وستراه الطائفة على حقيقته عصابة من القتلة واللصوص والدجالين، وستشعر بالخوف على مصيرها إن تركته مرتبطاً بهذا النظام الذي يورطها كل يوم بمزيد من الجرائم يرتكبها حثالة الطائفة ويتحمل وزرها كل الطائفة.

هذا ليس استعطافاً للطائفة إنما هو توقع لما ستصل إليه الأمور، لأن سنن الله في خلقه لا تتخلَّف سواء في الطبيعة أو النفوس والمجتمعات. المظاهرات حتى لو كانت مليونية لن تسقط نظاماً من أناس لا حياء عندهم -وإن لم تستحِ فاصنع ما شئت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. إن المظاهرات لن تسقط النظام بفعل صرخات المتظاهرين، إنما ستسقطه لأنها تجبره على التصرف بوحشية لا يبررها شيء، وعلى ارتكاب المزيد من الجرائم، وزيادة العيار كل يوم على أمل أن ينجح في إعادة الخوف إلى النفوس.. ضحاياه هم الذين سيقضون عليه وإن بغير أيديهم، وكما قيل من مأمنه يؤتى الحذِر.

صحيح أن النظام يرعبه الانشقاقات في الجيش لأن الانشقاقات إن كثرت فسينفرط عقد الجيش ويتحول إلى فوضى مخيفة ، لكن النظام لا يخاف من تحول الثورة الشعبية إلى مسلحة، بل يتمنى ذلك لتتغيير قواعد اللعبة وندخل في لعبة يجيدها هو ومتمرس عليها ولديه كل مقومات الفوز فيها فوزاً ساحقاً. لذا علينا بذل كل شيء لتبقى أيدينا مكفوفة، ولتبقى ثورتنا سلمية مئة بالمئة، ولا حاجة هنالك لأي عسكري يريد حماية المتظاهرين من بطش رجال الأمن والشبيحة، فمن يريد الحماية من هؤلاء المتظاهرين يمكنه لزوم داره وهم لن يأتوا إليه. أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وسيد الشهداء رجل قام إلى إمام (أي حاكم) جائر فوعظه فقتله، أي لم يزد هذا المجاهد على قول الحق بلسانه، فقتله الحاكم الظالم وأوصله إلى مرتبة سيد الشهداء.

إن الخروج في المظاهرات السلمية والمشاركة في الفعاليات السلمية للثورة السورية جهاد في سبيل الله يكتب الله الأجر لمن يشارك فيه ولا يلوم من يخاف على نفسه فيمتنع عن المشاركة طالما أن قلبه مع إخوانه المجاهدين من أجله وأجل أنفسهم، لذا لا مبرر لأي عنف من أجل حماية المتظاهرين..إنما هو جهاد الكلمة والاستعداد للموت في سبيل إيصالها ، والله يعطي عليه جنة عرضها السماوات والأرض، وما أحسب المتظاهرين يريدون فعلاً من يحمل السلاح ليدافع عنهم، فقد خرجوا ليقولوا كلمة الحق ويموتوا من أجلها، ولا يريدون حماية أحد إلا ربَّ العالمين.

وهذا يوصلنا إلى موضوع الحماية الدولية ومطالبة بعض المتظاهرين بها لأنهم ظنوا أن لا أمل إلا فيها، ولأنهم غالبهم جماهير طيبة لا تعرف مكر الساسة وأطماع الدول في خيرات غيرها. إن الحظر الجوي لن يحمي المتظاهرين من جرائم الشبيحة والمخابرات، فالحظر الجوي على جنوب العراق وشماله بعد حرب تحرير الكويت عام 1991 لم يمنع صدام من ارتكاب مجازر بحق أهل البصرة لما انتفضوا عليه، بل مهد لتقسيم العراق ولم يضمن أية حماية للمنتفضين. وحتى القصف الجوي المركز لم يضمن سلامة الليبيين، فالذين قتلوا بعد بدئه أضعاف الذين قتلوا قبله، عدا عن إنه يفقد الثورة طابعها السلمي الذي لا يعرف النظام كيف يتعامل معه، إضافة إلى أن القصف الجوي لن يستطيع انتقاء الشبيحة ورجال المخابرات ليقضي عليهم ويحمي الناس من أذاهم. أما الاحتلال الأجنبي فاسألوا العراقيين عنه، ولعل استمرار النظام الحالي مئة سنة خير لنا من الاستعمار والفوضى المدمرة.

لكن مالذي يمكن للدول الأخرى أن تقدم لثورة السوريين السلمية؟

يمكنها الاستمرار في فضح جرائم النظام وإيصال صوت الثوار والمعارضة لباقي السوريين وباقي الشعوب والحكومات، ويمكنها تزويد الثوار بوسائل تمكنهم من كسر الحصار الإعلامي الذي يفرضه النظام وأقلها أجهزة الاتصال التي يمكنها تجاوز أجهزة الاتصالات المحلية، ويمكنها مواصلة وتصعيد ضغوطها السياسية على النظام والتضييق عليه مما سيعجل في شعور الطائفة العلوية بخطورة الوضع الذي يورطها فيه النظام وعندها تنضم إلى الثورة بالطريقة المناسبة لها.

نحن نريد تحسين أوضاعنا لا أن نعالج البلاء ببلاء أشد منه، وعلينا أن نصبر ونواصل الجهاد ونحن موقنون أن الله ناصرنا، لكن لا بد لكل شيء من أسبابه، ولن نتوقع أن ينقذنا الله كما أنقذ إبراهيم من النار بأن غير طبيعتها فكانت برداً وسلاماً على إبراهيم. لا بد للعوامل أن تجتمع وتتفاعل ليحدث التغيير والنصر. وإنه وإن كان التغيير المتوقع ليس جذرياً، ولا يعني إزاحة الضباط العلويين نهائياً عن سيطرتهم على الجيش، لكنه بالتأكيد يعني تحرر الناس من تسلط ضباط الأمن والمخابرات وتدخلهم في جميع أمور السوريين، وتمتعهم بحصانة تمكنهم من ارتكاب الجرائم بحق المواطنين دون مساءلة أو عقاب، والتغيير غير الجذري المتوقع سيعطي الناس حرية التعبير عن آراهم والمشاركة السياسية وسيأتي بأناس منتخبين يتولون إدارة شؤون البلاد والعباد منهم الصالح والطالح، لكن سيكون هنالك تداول وإمكانية لفضح السارق ومقاضاته. لن تسمح القوى العظمى لحكم ثوري جذري معادٍ لها ويهدد إسرائيل تهديداً حقيقياً، فعندها ستدعم بقاء النظام الحالي ولن نهمهم في شيء، كما إنني أتوقع أن يتم أي عمل إنقلابي يقوم به الضباط العلوييون ومن معهم من أبناء الطوائف الأخرى بالتنسيق إن لم يكن بدعم ومؤازرة الدول الغربية وبخاصة فرنسا، التي بالتأكيد لها اتصالاتها بضباط الطائفة العلوية المتنفذين في الجيش والأمن.

علينا ترسيخ قناعتنا بقضية المواطنة لكل السوريين على اختلاف أديانهم، وأنه حتى لو وصل إسلاميون إلى السلطة عندما تعود سورية ديمقراطية فإنهم لن يفرضوا الحجاب على أحد.. فالتاريخ والفقه الإسلامي يؤكدان أن بلاد المسلمين في عصور الخلافة الإسلامية كانت تخرج فيها ملايين النساء وكثير منهن سافرات، فما لا يعرفه كثيرون أن الإسلام لا يفرض الحجاب على المرأة إن كانت مملوكة وليست حرة، جميلة كانت أو غير جميلة، ولا يحمي الرجال من فتنة النساء بتحجيبهن بالإكراه، بل على الرجال غض أبصارهم . ألم يكن في الجواري الجميلات من كل الجنسيات السافرات فتنة لمن لا يغض بصره من الرجال المسلمين؟ الحجاب يحمي المرأة المسلمة من أن ينظر إليها الرجال كجسد وينسون الإنسان فيها، لذا ترك وجهها تكشفه للجميع لأنه موضع الإنسانية حيث تلتقي الأبصار بالأبصار، أما الجارية التي تشترى بالمال فلا معنى لتكليفها بحجاب يصونها من أن تعامل كجسد وهي تُقَيَّم بالمال وتورث كما تورث الأشياء، أما إن تحررت، فعندها يكون لحجابها معنىً. تركيا الآن تحكمها فئة مؤمنة غير قادرة على فرض أي قيود دينية إجتماعية على الناس حتى لو أرادت، لكنها ولأنها فئة من الناس الذين لا يسرقون مال الأمة ولا يخونونها، استطاعت أن توصل تركيا إلى مرتبة الدولة العشرين عالمياً في الاقتصاد خلال بضع سنوات لا غير. علينا أن نطمئن غير المتدينين وغير المسلمين أن الثورة ليست كثورة إيران دينية متعصبة، بل هي ثورة الأمة السورية كلها ومن أجل جميع أبنائها، فإنه بدون هذا التطمين ستبقى الطوائف الأخرى مترددة في المشاركة، والثورة بدون مشاركة الجميع فيها لن تحقق التغيير المنشود، ولن يتحقق أي تغيير مهم ما لم تنضم الطائفة العلوية للثورة ممثلة بجماهيرها وضباطها وزعمائها.

علينا أن لا نتصور كل العلويين أشرار لأن منهم الشبيحة وعناصر المخابرات فهؤلاء ليسوا كل العلويين، والعلويون هم الأكثرون في الأمن لا لأنهم أشرار إنما لأن النظام لا يثق بغيرهم، ولو وثق لوجد الكثير من أبناء السنة والطوائف الأخرى مستعدين للقيام بما تقوم به الشبيحة والمخابرات. كما علينا أن لا نتصور العلويين شياطين أو مستكبرين لأننا تصادف أن واجهنا إساءة من أحدهم أو سمعنا كيف أساء بعضهم الأدب، أو أكل حقوق الناس معتزاً أنه علوي لديه القدرة على إيذاء الناس من خلال الأمن. لو كانت سورية تحكمها قبيلة أو عشيرة أو أهل بلدة من أي دين آخر لظهر من كثير من هؤلاء نوعيات لا تقل حقارة ونذالة عما ظهر من بعض العلويين الذين غرتهم قدرتهم على إيذاء الناس فطغوا وتجبروا. إن الطغيان والظلم لا دين له والبشر يقعون فيه على تنوع قومياتهم أو أديانهم أو طوائفهم. القضية قضية أخلاق قبل كل شيء.. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا. والذي يعرف العلويين عن قرب يعرف أن أكثرهم أناس طيبون ويريدون أن يعيشوا مثل كل السوريين، وأننا لو كنا مكانهم نتمتع بوضع متميز على الآخرين في البلد، من منا كان سيترفع عن المنافع أو الوظائف أو المنح الدراسية أو غيرها لأنها لا تعطي للجميع بالعدل؟ أعتقد أن القليل القليل من كان سيفعل ذلك، وبخاصة أن ما يصل إلى جماهير العلويين من المنافع ليس من قبيل المنافع غير العادية، بل هي غالباً مما يستحقه أي مواطن سوري، اللهم إلا أكابر مجرميها الذين يستأثرون بخيرات البلاد ويحجبونها عن باقي السوريين بما فيهم العلويون. هل سمعتم أن رامي مخلوف وأمثاله يبذلون ملياراتهم للنهوض بحال المناطق العلوية وفقرائهم؟

كل امريءٍ بما كسب رهين، ويوم القيامة يفصل الله بين الناس فيخبرهم من كان منهم على حق ومن كان على باطل، أما في الدنيا فنحن السوريين عائلة واحدة تتعامل بالبر والمعروف فيما بينها وتتعاون من أجل حياة أفضل لجميع أبنائها أياً كانت أديانهم أو قومياتهم.