أيّها الوُعَّاظ قليلاً من الحكمة فنحن في عصر الـ Fast Food

خلقَ اللهُ هذا الكونَ لكي يتقدّمَ ويتطورَ ويسيرَ إلى الأمام، حتّى أصبحَ هذا العالَمُ الفسيحُ العظيمُ قريةً صغيرةً يتَّصلُ ساكنُ مشرقها بساكنِ مغربها وكأنّه يعيشُ معهُ في غرفته، ويطيرُ المسافرُ من أقصاها لأقصاها في سويعاتٍ معدودات.

هذا التطورُ والتقدّمُ دفعَ النّاسَ للحياةِ بطريقةٍ سريعةٍ لا وجودَ فيها للكُسالى والخاملينَ، فغدا الكائنُ البشريُّ في سباقٍ مع الزّمنِ وفي سباقٍ معَ الحياةِ الَّتي أصبحَ فيها العامُ كالشّهرِ والشّهرُ كاليومِ، وبلغَ من سُرعةِ الأيّامِ أنْ وصلتْ للطّعامِ فأطلقوا عليها " الوجباتِ السّريعة"!

والسؤالُ المطروحُ هنا هلْ ينفعُ في ظلِّ هذه السّرعةِ والعجلةِ أنْ يبقى الخِطابُ الوعظيُّ أو الدعويُّ أو حتّى المنهاجُ التعليميُّ هو عيْنُهُ الذي كانَ يُخاطبُ بهِ الوُعَّاظ والمعلّمون والدُّعاةُ منذُ عدّة قرونٍ تلامذتَهم وأتباعَهَم؟!

وقد قيلَ أنّ الإنسانَ هو ابنِ بيئتهِ وبما أنَّ هذه الحياةَ هي البيئة الّتي يعيشها فقدْ تكيّفَ على أساسِ سُرعتها فأصبحتْ حياته كلّها قائمة على السّرعة فلا ينفعُ أنْ تُخاطبَ ذلكَ الأرنبَ كما تُخاطبُ تلكَ السّلحفاة، وعليه فعلى الواعظِ أو المعلّم أنْ يتكيّف مع تطوراتِ الحياةِ وألاَّ يبقى بفكرهِ وأسلوبهِ وطريقتِهِ وكأنّهُ منَ القرنِ السَّابعِ الهجريّ.

الْمُتَلَقِّي اليومَ يبحثُ عنِ المعلومةِ السّريعة والفائدةِ العاجلةِ ولا يُحبُّ الغَرقَ في التَّفاصيلِ والضياعَ في الإنشاءات فعلى الواعظِ أنْ يُعطيه المعلومةَ المفيدةَ لهُ باختصارٍ كبيرٍ ودونَ زيادةٍ أو نقصان.

لو طلبَ المُعلّم منْ طلاّبه اليومَ قراءةَ كُتبِ الشّعر والنَّثر وغيرها منْ أمّهات الأدبِ فهو يصرخُ في صحراءَ لنْ يسمعَ فيها إلاّ صداه، فالحكمةُ أنْ يُوردَ لهم فوائدَ ودُرَر تلكَ الكُتبِ على شكلِ معلوماتٍ صغيرةٍ بسيطةٍ مختصرةٍ مفيدة، فنحن نعيشُ جيلاً يعشقُ المللَ لدرجةِ أنّهُ يضجرُ أنْ يأكلَ على مائدة.

على الواعظِ أنْ يدخلَ عصره ويعيشَ حياةَ جيله ويخاطبَ النّاسَ بلغتهم ولذلكَ قالَ المولى عزّ وجل: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ" ولسانُ القومِ اليومَ هو وسائلُ التَّواصلِ الاجتماعيّ فكم من تغريدةٍ تكفي عن مُجلّداتٍ وكم من مُلصقٍ على جدارِ الفيس بوك يُغني عن خُطبٍ عصماء؟! فعلى سبيلِ المثالِ لو طلبتَ من النّاس قراءة كُتبِ التَّفسير ليتعرفوا على غريبِ كلماتِ القرآن ماوجدتَ أحداً يستجيبُ لكَ إلاّ منْ رحمَ الله حيثُ تغرقُ هذه الكُتُبُ وخاصّة القديمَ منها بالتَّفاصيلِ الفقهية والإرشادية والقصصية وأقوالِ السَّابقينَ والمتأخّرينَ فيها ممّا يجعلُ هؤلاءِ الغارقينَ في حياةِ السّرعةِ يُعرضونَ عنها، بينما لو عمدَ ذلكَ الواعظُ إلى القرآنِ الكريمِ فاستخرجَ منه غريبَ الكلماتِ ثمَّ أرسلها تغريداتٍ صغيرة لا تتجاوزُ الخمسَ كلماتٍ على مراحلَ لكانَ ذلكَ مُحفّزاً على قراءتها فهي وجبةٌ علميةٌ سريعةٌ لا تستغرقُ منه وقتاً.

لقد كانَت هذه طريقةُ رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم في دعوتهِ لأصحابهِ منذُ قرون، طريقةً سهلةً مختصرةً مفيدة غيرَ مُفصّلةٍ أومعقدة.

سألهُ صحابيٌّ فقال: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ: "الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا " ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ " ، قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ :" الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"

اجاباتٌ مختصرةٌ مفيدة لا يزيدُ فيها حتّى يزيدَ السائل، وليسَ كبعضِ علمائنا اليومَ تسألهُ عن حُكمٍ مُعيّنٍ فيوردُ لكَ أقوالَ الأئمة فيهِ من يومِ بعثةِ النبيّ إلى يومنا هذا ثمَّ يُخبركَ الراجحَ منه! فيا شيخنا "هداكَ اللهُ" ما يُريد صاحبنا دراسة الفقهِ ولا أصولهُ إنّما فتوى سريعة يعملُ بها.

وقسْ على ذلكَ مناهجنا التَّعليمية مُملةٌ طويلةٌ قليلةُ الفائدة يُدّرسُهَا "إلا من رحمَ الله" أساتذةٌ تفننوا في تنفيرِ الطّلاب من العلمِ والتّعلمِ فتراه كما أوردَ بعضهم يخطُّ في سؤال امتحانه:" ماهو الاسم الذي أطلقه عليكَ والداكَ أوّل ما رأتْ عيناكَ نورَ الدنيا وتكحَّلت بضوءِ الشّمسِ فأطلقتَ صرخةَ القدومِ للحياة"؟!! لقد نسيَ المسكينُ ماذا كانَ السؤال!!.

لنْ تنهضَ أمّةٌ القواعدُ فيها متقدّمةٌ على النُّخبة، ولن تنهضَ أمّةٌ يعيشُ علماؤها ودعاتها ومعلّموها في عصرٍ غيرِ عصرهم، ولنْ تنهضَ أمّةٌ لا تجري معَ الحياةِ حيثُ جرتْ وتتوافقَ معها، وكذب ثمّ كذبَ من خدعكَ وأخبركَ أنَّ السُّلحفاة سبقتِ الأرنبَ يوماً.

فيا أيّها النُّخبة في المجتمعِ نحنُ في عصرِ الوجباتِ السّريعةِ ونريدُ وجباتٍ علمية سريعة.

مع تمامِ العلمِ أنَّ الكثيرَ لنْ يُكملَ قراءة هذا المقالِ لأنّه يراهُ طويلاً ومُملاً ولا يتوافقُ مع الحياةِ السّريعة ولا معَ تلكَ التغريداتِ الصغيرة.

وسوم: العدد 624