بين النزوح والملاجئ أمة تنهض..

ها هي مشيئة الله في الأقدار تعود لتُدير عجلة العدالة، ولو بعد حين. وها نحن، أبناء الأرض التي طحنها الطغيان، وتناوبت عليها النوازل والبلايا، نرفع رؤوسنا بين الرماد لا لنشمت، بل لنشهد ما نؤمن به منذ أول دمعة سالت من عين أم شهيد: أنّ الله يُمهل ولا يهمل، وكما تدين تدان، وأن العين بالعين والسن بالسن.

وأخيراً .. لقد صَفتْ سماء الشام والحمد لله، ولكنها تلبدت في الشرق، فها هي سماء طهران تمطرهم نيراناً وسعيراً، وتتهاوى من العلياء الطائرات الحديثة محملة بهدايا الشياطين، وتشتعل المدن والمواقع العسكرية والمحطات والمصانع النووية، وكذلك حال سماء تل أبيب فلا ترى إلا صادرات وواردات تتصادم، فضربات إسرائيلية قاسية، وردود إيرانيّة مهزوزة هزيلة وخجولة.

كلاهما قد كان يفاخر بقوّته وبأسه في الأمس، واليوم يتلوّى تحت وابل الحديد والنار. ولسان حال الشعوب المقهورة يقول: من ذات الكأس التي سقيتمونا منها، اشربوا وتزقّموا إلى حيث وضعت رحلها أم قشعم...

اليوم، تعيش طهران النزوح الذي عشناه، والهلع الذي ذقناه في حلب ودمشق ودرعا. آلاف الإيرانيين يهجرون بيوتهم، يفرّون من المدن، يبحثون عن مأوى لا تطاله الصواريخ ولا تلامسه النيران. والنظام الذي شتّت شعوباً عن ديارها، يُذوَّق اليوم مرارة التشتّت والخوف في أرضه وبين جمهوره.

كذلك ما تُسمى "إسرائيل"، التي أغرقت غزّة في الظلام والخوف والرعب والموت، ها هي اليوم تتذوق طعم الملاجئ والهروب، شعبٌ بأكمله يعيش في الأقبية، لا يرى الشمس ولا يسمع إلا صفارات الإنذار. أطفالهم اليوم يعرفون ما كان يجهله آباؤهم: ماذا يعني أن تعيش على وقع القصف، أن تتشقق جدران بيتك، وأن تجهّز حقيبة الهروب كلّ مساء.

فرحتنا اليوم ليست فرح شماتة، بل فرح عدالة.. فرحٌ مكتوم في صدور الثكالى واليتامى والأرامل، بأنّ من دمّر بيوتهم قد ذاق طعم الدمار، ومن أزهق أرواح أبنائهم وآبائهم وذويهم يسمع اليوم صفارات الإنذار في عُقر داره. لقد سقطت أوراق التوت، وبانَ للجميع أنّ كليهما لا يحمل مشروع حياة ورفاهية وإنسانية، بل مشروع خراب ومأساة وشيطنة.

لقد خاضت إيران حرباً أو حروباً بالوكالة في سورية واليمن ولبنان والعراق، وأطلقت أذرعها تعبث بهوية الشعوب، وتقيم مستوطناتها المذهبية، بينما إسرائيل مارست غطرستها الصريحة، فهجّرت، ودمّرت، وأقامت سياجاً من نار حول شعب أعزل. واليوم، يجتمع الخصمان، بعد أن تقاطعت أطماعهما، ليتبادلا ما أمطراه على غيرهما..

أمّا عن موقف سورية اليوم، فالحكومة تلوذ بالصمت، مقيّدة بتحالفات مُرّةٍ ومصالح ضيّقة، لا تجرؤ على التصريح ولا تملك قرار الفعل، لا سيما أنّها دولة وليدة جديدة، أشواكها ما تزال ناعمة، وأظفارها لم تنبت، وأنيابها تحتاج إلى المزيد من الوقت.

وأما الشعب السوري، فقد اتّخذ موقفه منذ سنوات طويلة: لا لطهران، ولا لتل أبيب. لا للاحتلال الديني، ولا للاحتلال العسكري. نعم للحرية والكرامة والقرار المستقل.

وهنا تبرز المسؤولية الكبرى على عاتق المسلمين السنّة في هذا العصر المضطرب. فهذه الحرب ليست نهاية المطاف، بل ربما تمهيدٌ لملحمة قادمة لا محالة، للمعركة الفاصلة التي بشّرت بها النبوءات، وتهفو إليها قلوب المؤمنين. فليستعدّوا لها كما يليق بها: ببناء الدول لا بتفكيكها، وبزرع الثقة بين الحكّام والمحكومين، وبتقوية الجيوش لا استعدائهم، وبتوحيد الشعوب لا تشتيتها وإضعافها.

إنّها فرصة نادرة، أن ينشغل الأعداء بأنفسهم، فيتّسع لنا الوقت لترميم ذواتنا وجراحنا، واستعادة زمام المبادرة. فمن لم يتأهب اليوم، فقد لا يجد غداً موطئ قدم في ساحة الصراع الكبرى. نحن الذين كنا ساحةً لتجاربهم وساحةً لحروبهم، نراقبهم اليوم يحترقون على شاشات الأخبار، ونردد مع التاريخ: "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون".

وسوم: العدد 1128