السلام في الشعر العربي

إبان الحرب العالمية الثانية

أحمد عبد الرؤوف جبر

المساعد الاكاديمي

جامعة القدس المفتوحة/ قلقيلية

 aajaber@qou.edu

كان السلام وسيبقى الأمنية التي راودت وتراود أحلام الملايين من البشر فوق كوكبنا المعرض باستمرار لمآسي الدمار، والكوارث الطبيعية، من زلازل، وأعاصير، وفيضانات، وثلوج، ناهيك عن اتساع ثقب الأوزون، وانتشار أسلحة الدمار وتطورها، وما سخّرته الأنظمة من أموال طائلة، وإمكانات كبيرة وصولا إلى حسم الحرب بأقصر السبل الممكنة وأسرعها.

 لقد أصبح امتلاك أسلحة الدمار الشامل وتطويرها موضع تسابق وتنافس بين الدول؛ حسماً للحرب، ودفاعاً عن النفس، أو تهديداً لتحقيق أهداف معينة، ويؤدي ذلك إلى القول بأن التطور العلمي (المعاكس) قد أصبح نقمة على البشرية، ووسيلة من وسائل إفنائها، وإرهابها، بكونه السبب المباشر في اختراع تلك الأسلحة وتطويرها، وزيادة قدرتها لإحداث المزيد من الدمار والفناء السريع، ولفِّ الإنسانية بموجة عنيفة من الإرهاب والقلق والتوتر، وشاهده الماثل أمام أعيننا يذكرنا بفظاعته، وجبروته، فما اندثار هيروشيما ونكزاكي إلا خير دليل على ذلك.

 وتعد الرغبة في تحقيق السلام جزءاً من السلوك السيكولوجي الداخل في مركب الحرب، وهي ضد الترعة الحربية؛ لذلك فإن الرغبة في تحقيق السلام والدعوة له تزدهران بصفة عامة في زمن الحرب، إشارة إلى هبوط في درجة التشنج الحربي، ما يمكن عدّه ردّ فعل فوري ومعاكس للحرب، وهو يتمتع بنسبة عالية من التأثير في الرأي العام بعيداً عن إعمال الفكر والتدليل.

وقد ظهر هذا التعبير (السلام) بشكله القوي في عصرنا الحديث حيث اشتدت الدعوة إليه، وراح يفرض معطيات جديدة، ويسهم في تأسيس الأطر الداعية له وبروزها من أحزاب، وجمعيات، وحركات قطرية وعالمية، وقد تجسد وقع ظهوره الأقوى إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكذلك في ما تشهده المنطقة العربية من أحداث دراماتيكية إزاء عملية السلام، ومشروعها المطروح مع المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة.

 وإن هلّل المهللون ، وامتشق الحذّاق معاجم اللغة وسبروا اعماق المشاعر والاحاسيس وفتشوا في رغبات البشر وعواطفهم وتحسسوا حاجاتهم فاكثروا من القول عنها وفيها واجادوا التعبير او خانهم التعبير فان السلام كحاجة وامنية بشرية- وان رافقت البشر منذ القديم- تبقى في حكم الكذب اللطيف والحلم المفقود الذي لا يمكن الوصول اليه على الاطلاق وما هذا الزمن الذي عاشته البشرية بكل معاناته وافراحه وبكل فترات حربه وهدناته الا خير دليل على ذلك بما يحويه ويشتمل عليه من احداث جسام الهبت صدر الارض والانسان فدكته ودكتها وعركته وعركتها وصولا الى تحقيق الهدف المامول من شن الحرب ولذلك فانك عندما تسمع الكلام والحديث عن السلام فكانما تسمع بالحلم المفقود او المستحيل ومن قال بغير ذلك فانما يخالف حقائق التاريخ وما يحتويه هذا التاريخ من علامات واشارات قوية تشير الى ان ذلك لم يتحقق ولن يتحقق .على الرغم من ان السلام كان وسيبقى امنية ترافق الانسان في كل ازمنته وان جنح في بعض الحالات والازمنة الى الحرب وستظل الحاجة الى السلام دائمة، توتر النفس الانسانية، وتدفعها تجاه تحقيقه ما استطاعت الى ذلك سبيلا،

السلام والتاريخ

تشير كتب التاريخ الى ان ما يزيد عن ثمانية الاف معاهدة سلام معروفة جاءت عقب اكثر من ثمانية الاف حرب احصيت ، ودائما كان لزاما على الشعوب خوض حروب اخرى ،، فان كانت الاحداث ودروس التاريخ تدلل بما لا يدع مجالا للشك بان الحروب لا تحل شيئا ولا مشكلة فان الامر ذاته ينسحب على السلام وينطبق عليه ذلك ان السلام لا ياتي باية حلول وكذلك المعاهدات التي تكرسه فقد خاضت المانيا حربين عالميتين في عشرين عاما تقريبا وكانت الثانية منها عقب معاهدات واتفاقيات ومع ذلك فقد بذلت المساعي نتذ وقت مبكر بحثا عن وسيلة لارساء السلام على دعائم اكثر ثباتا من تلك المتعلقة بالمعاهدات الخاصة، ومن وجهة النظر التشريعية لوحظ ان معاهدات السلام لمجرد انها تضع نهاية للقتال تتسم كلها بالعنف ولا يفوت المنهزمون ابدا اعتبارها لاغية عندما تسنح اول فرصة لذا كان من الواجب الخروج من الدائرة التي تجعل العنف يولد عنفا دائما وكان ينبغي محاولة احلال نظرات عامة محل النظرات الخاصة وان تستبدل العهود والمواثق بقاعدة ثابتة او قانون دولي يتيح تفادي اللجوء الى القوة ويبقى الالمام بالوقائع التي تعكر صفو السلام امرا مهما من اجل سن القوانين الكفيلة بابعاد الحرب وشبحها وهو ما قامت عليه كل مشروعات السلام التي قدمت لنا عبر القرون الطويلة سواء بطريقة مضمرة او صريحة.

وقد انبثقت مشروعات السلام بوجه عام بعد سلسلة من الحروب وهي تعكس السخط والاعياء والرغبة في الانتهاء من الحرب، ولكن لكل عصر بواعثه المفضلة للحرب والتي تؤثر في المعاصرين وتغذي افكارهم وعن طريق التعميم الذي يمتد في كل مرة الى جميع الحروب الماضية والحاضرة والمستقبلية. لقد اصبح من حق الشعوب جميعا ان تتساءل عن تلك المشاريع السلمية القديمة والحديثة منها وان تتساءل عن الاسباب التي ادت الى بطلانها وفشلها في انهاء الصراعات والنزاعات المسلحة وهو الامر الذي يدلل بكل الوضوح والموضوعية فقدان تلك المشاريع لما يثبتها ويمكنها من الاستمرار والدوام .

الحرب

لا جدال في أن الحرب هي أعظم الظواهر الاجتماعية لفتا للانظار ، حيث يمكن الزعم بأن الحرب قد أنجبت التاريخ ويرجع ذلك الى ان التاريخ برمته يمكن اعتباره تاريخ الصراع المسلح ، لأن الحروب هي أشد علامات التاريخ وضوحا وقوة حتى في العصور الغابرة وفي الآداب الاممية المختلفة في زمن الاغريق و العرب والفرس وما البانتيون الجرماني او الفالهالا والالياذة والاوذيسة في زمن الاغريق وكتاب الفيداس عند الهند البرهمية والرمايانا واشعار العرب المتعلقة بالحرب وغيرها من الملاحم الا خير دليل على اهتمام الشعوب بهذه الظاهرة التي تميز التحولات العظيمة للاحداث ،ذلك ان معظم الحضارات المعروفة قد جرى تحطيمها عن طريق الحرب ، وبنفس المعنى والاتجاه يمكن القول انه عن طريقها ظهرت كل الحضارات الجديدة تقريبا ومن خلالها تأكد التفوق الذي أقام لفترة طويلة او قصيرة نمطا معينا من المجتمعات على راس البشرية اذ تنتهي الحرب عادة بارغام اشد الدول انغلاقا على الانفتاح.

وقد كانت الحروب وما زالت تخضع لذات الفكرة والصورة التي تحدث عنها العرب في الجاهلية عبر اشعارهم واقوالهم وان اختلفت الاسباب والدوافع لشنها فالحرب العوان في قول العرب تعني الحرب التي تلد حربا اخرى وقد شبهوها بالناقة العوان التي تلد بعد ولادتها مرة اخرى وهو ما عبر عنه في العصر الحديث بتواتر الحروب فما ان تنتهي حرب حتى يستعد اللبشر لحرب اخرى .

وعلى الرغم من ادانة المواثيق الدولية والمعتقدات للحروب الا ان الملاحظ ان ظاهرة الحرب ظلت تهدد امن الامم وسلامها بل ربما فاقت الحروب الحديثة في اهميتها وخطورتها تلك الحروب القديمة التي اشتعلت نيرانها بين الامم في الازمنة الغابرة ويبدو ان اتساع نطاق الاتصال بين الشعوب بعد التقدم الهائل الذي شهدته وسائل الاعلام والتكنولوجيا مما جعل امكانية انتشار العداوات والصراعات امرا يسيرا. هذا بالاضافة الى ان التقدم التكنولوجي قد اصطحب معه نوعا من عدم التوازن الدائم في القوة العسكرية الامر الذي يؤدي الى اثارة نوع من القلق العام حول امكانية اندلاع حروب عالمية في اي وقت وحول الاخطار التي تهدد الجنس البشري من جراء هذه الحروب 

 وقد شكل ما فات ذكره دافعا لنا لاستشفاف موقف الشعراء العرب تجاه السلام إبان الحرب العالمية الثانية ذات الأبعاد العقائدية والعسكرية والاقتصادية التي ألقت بظلالها على التاريخ والجغرافيا على كافة الأصعدة القطرية والقومية والعالمية بشكل مستمر معاصَر إلى حين؛ لأن التاريخ لم تسجله أمة، ولا قوة احتكرته على مر الأزمان والحقب المتلاحقة، فقد تكتب أمة كتاب تاريخ لكن خاتمة الكتاب قد تنتزعها أمة أخرى.

والسلام لغة: البراءة والتحية، والسِّلم والسَّلم: الصلح يفتح ويكسر ويذكّر ويؤنّث ويكون السلم إبان الحروب وبعدها، قال الأعشى:

أذاقتهم الحرب أنفاسها        وقد تُكرَه الحرب بعد السلم

وقال أبو كبير الهذلي:

هاهاجوا لقومهم السلام كأنهم        لما أصيبوا أهل دين محتَر

ولعلنا نتذكر في هذا المجال قول زهير بن أبي سلمى في الحرب، وبيان شدتها بقوله:

وما الحرب لإ ما علمتم iiوذقتم
مـتى تبعثونها تبعثونها iiذميمة
فـتعرككم عرك الرحى بثفالها


وما هو عنها بالحديث iiالمرجم
وتضر إذا أضريتموها فتضرم
وتـلـقح  كشافاً ثم تنتج فتتئم

وكذلك قول عمر بن معد يكرب:

الـحـرب  أول مـا تكون فتية
حتى إذا استعرت وشبّ ضرامها
شـمطاءُ  جزّتْ رأسَها iiوتنكرتْ


تـسـعـى  بزينتها لكل iiجهولِ
عـادت عجوزاً غير ذات iiخليل
مـكـروهـةً لـلـشمّ iiوالتقبيل

إن أبيات زهير وعمرو هذه تؤكد طبيعة الإنسان في بغضه للحرب ونزوعه للسلام، فقد عرف البشر مرارة الحرب وقسوتها في العصور القديمة والحديثة، بِنِسَبٍ قد تفوق كثيراً تمتعهم بلحظات الانتصار التي تعقب الحرب، والتي تمثل للمهزوم حافزاً يدفعه باستمرار نحو الأخذ بالثأر، واسترداد حق اغتُصِب، وهكذا تدور الدوائر، وتستمر الرحى في سحق أجساد البشر، وكأن الحرب عوان وسجال.

 الموقف الشعري من الحرب ودوافعها:

وفي الحرب العالمية الثانية سلك الشعراء في تعبيرهم عن السلام، والدعوة له أساليب متنوعة تجلّت في إلقائهم الضوء على بواعث الحرب، وذكر أسبابها، حيث أرجع معظمهم نشوب الحرب إلى حالات الجنون والهوس التي تسيطر على بعض القواد، لتحقيق غاياتهم ومآربهم باستخدام القوة في بناء عروشهم وممالكهم، منتهجين في سبيل ذلك سياسات متشددة مستبدة في مختلف المجالات، منتحلين لبعض الصفات "الربّانية" وهم مجرد أقزام آدميين، يعيشون في زمن لا يعترف فيه الناس بغير إله واحد، وقد عبّر الشاعر علي محمود طه عن ذلك في قصيدته "عام جديد"([1]) حيث قارن الشاعر بين حرب الخير التي خاضها الإسلام وحرب الشر التي فجّرها الطّغاة المستبدون أمثال هتلر وموسليني، بقوله:

هـذه حـربُ حياةٍ أو iiحمامِ
خاضها الاسلام فرداً، وهدى
لـم تُـتَحْ يوماً لجبار iiطغى
لـم تـطقها حجراً أو iiخشبا
وعـجيب صنعهم في iiزمنٍ
آدمـيـون قـزامى انتحلوا





وصراعُ الخيرِ والشرِ iiالعُقامِ
بـيـراعٍ، وتـحدى iiبحسامِ
أو لـباغٍ فاتك السيف iiعُرام
ويُـطاقُ اليومُ أصنام iiالأنام
أبصر الأعمى به iiوالمتعامى
مـنطق الآلهة الشم iiالعظام؟

إن اعتماد مبدأ القوة وسيلة لتحقيق الغايات يقود للهلاك واستحقاق الغضب الرباني الموجب للقصاص، وإنزال العقاب بالأمم نظير ما تقترفه من آثام، وعدوان، وممارسة للرذائل، واستباحة لحمى الغير، تلك الأمور الناجمة عن الحياة الفوضوية العبثية التي عاشتها بعض المجتمعات، فتسلطت وتسلط قادتها المستبدون الذين أصبحوا كالذئاب، والوحوش الضارية، لذلك استحقوا طوفان الحرب الذي يغسل الأرض من دنسهم، وآثامهم، وعن هذه المعاني يعبر الشاعر محمد مصطفى الماحي في قصيدته له بعنوان "همة شيخ"

مـمُـلِئَ الكونُ بالشرور iiوباتتْ
خَشِىَ الناسُ بعضهم بأس iiبعضٍ
وجـدوا  مـرتَع الرذيلةِ iiخَصْباً
أينَ  يُلقى السلام والناس iiفوضى



لا تُـنـالُ الـحـقوقٌ إلا غِلابا
ونـسـوا الله فـاستحقوا iiالعقابا
فاستباحوا الحمى وخاضوا العبابا
خـذلـوا  الحقَ واستحالوا iiذئابا

إن الحرب تكون على هذا النحو غضب من الله تعالى، وعقاب أنزله جلَّت قدرته بالبشر نظير ما اقترفوه من آثام وذنوب، وجنوناً ينشر القتل والدمار في كل البلاد، فكأنّ الأرض بحاجة إلى تطهير من كل آفات الشرك والمعصية، والحقد والطمع الذي يبعث الخلافات، ويقود إلى القتال، فالبشر ليسوا بشراً بل ذئابٌ تستحق القتل والقصاص، يقول محمد الأسمر في قصيدته "الحرب في عامها السادس"

ربـنـا  هـذه الـحـوادثُ iiمـنا
عـالـم  الـنـاس أي شـئ iiدهاه
أيـن "نـوح" يرى دماء iiبني"حواء"
كـان أولـى مـن كـل ذلك iiلوأنّا
إنـمـا  نـحـن إخـوة iiأورثـتنا
فـعـلام الـخـلاف وهـو iiرحب





أدركـتـنـا  ذنـوبـنا فاعف عنا
جُنّت الأرض الأرضُ تحته أم جُنّا؟
وهـي  الـطـوفـان حسّا iiومعنى
نـزعـنـا الأضغان ضِغنا iiفضِغنا
أمُّـنـا  الأرض مـنـزلاً فـسكنا
لـو  قـنـعنا بالنصف منه iiلأغنى

وهو القائل:

وفي الناس عرق ضارب من توحش
لـقـد  لـمسته الأنبياء فما iiارعوى
أهـاب  بـنا "عيسى" ونادى "محمد"
جـيوش وقواد وصرعى كما iiمضى



يـظـل إلى الغابات والفتك يضرب
مـضـوا  وهو باق لم يزل iiيتوثّب
فـأيـن الـذي لبى، وأين iiالمهذّب؟
"لـكـل زمـان فـتـنـةٌ iiومهلب"

ويرجع الشاعر شبلي الملاط سبب نشوب الحرب إلى الكفر الذي يعيشه الناس، والفساد الذي يمارسونه بقول:

ولولا  الكفر  أو  لولا  فساد        لما غضب الإله على العبيد

أما الشاعر فخري أبو السعود فيرى الدنيا وكأنها قفصان، الأول تعيش فيه الحيونات، والثاني يعيش فيه البشر الذين لم تُّعد الأقفاص من أجلهم، ويصور الشاعر تلك الأقفاص المختلفة، وقد تبدل ما فيها، حيث حلّ الحيوان محل الانسان والانسان محلّ الحيوان، واعترى ما في القفصين التغيير الذي أدى إلى تبادل الطّباع والسلوك والغرائز، فالشاعر يتجّول في حديقة الحيوان بأمن وسلام، بعيداً عن الغدر والخداع الذي يعيشه البشر؛ لقد عاشت الظباء، والنعام والطيور الضعيفة مع الحيوانات المفترسة جنباً إلى جنب، بينما ينقلب الناس إلى حيوانات مفترسة دامية المخالب، يقول:

تـجـاورت الآرامُ والأسـدُ iiهـهـنا
وبـاتـت  بغاثُ الطير لم تخش iiغِرّةً
تـبـدّلـت الأقـفاص من طلقِ iiأفقها
وأرثـي لـحـرب بـيـنها iiمستحرةٍ



ولـم يـخشَ يوماً أعزْلٌ بطش iiأغلبِ
ولـم تـخش غدر الأجْدال iiالمتُنصّبِ
ومن رحب مسرى في الشّعابِ وملْعبِ
وأرثـي  لـغـلابٍ بـهـا ومـغلب

 مشهد السلام والدعوة إلى تدمير الأسلحة

 ويستمر الشعراء في تنويع أساليب دعوتهم لتدمير الأسلحة والتخلص منها عن طريق إعادة تصنيعها وصياغتها بشكل نافع للناس، كما دعا الشعراء إلى حل الجيوش، وبينوا الأسس الكفيلة بتحقيق السلام وضمان استمراره، وهذا محمد الأسمر يقول في سينيته:

علامَ الحربُ؟ عيشُ السلمِ أحرى
أكـلّ وثـيـقـةٍ لـلسلم iiليست
فـحـرب تـنتهي لتجئ iiأخرى
ألا  صـوغـوا حديدة كلِ سيفٍ



بـقـومٍ  أهـلُ فـلسفة iiودرْس
لـديـكم  غيرَ نقسٍ فوقَ iiطرسِ
وتـعـيـسٌ مقبل في إثر iiتعس
ورمـحٍ  نـصلَ محراثٍ iiوفأسِ

ويتساءل أحمد محرم عن

نـاجِ الممالكَ، وهي حيرى iiتنظرُ
لـك في المخافةِ عذرُ كلّ iiمجربٍ
أعلى القواضب قامَ محرابُ الهدى
إن يـخطبوا باسمَ الإخاء iiويكتبوا
الـكـاتـب الأعلى يدمِّر ما iiبنوا
نـادى بـمـيـثاق السلامِ iiدعاتُه
وصـفـوه كـالبركان، يهدأ iiتارةً
نـار  الـقتال تشب بين iiسطورهِ







أيُـراعُ  سـربُك للسلام iiويُذْعَرُ؟
عـرف السياسةَ، والمجربُ iiيُعْذَرُ
لـبني  الحضارة واستقر iiالمنبرُ؟
فـالـقـول لـغوٌ والكتاب مزوّر
فوق  الصحائف والخطيب iiالأكبر
صَدَقَ  الدعاة هو "السلام iiالأحمر"
يـبـغـي الـسبيلَ وتارة iiيتفجر
ودمُ  الـضعيف يسيل منه ويقطر

ثم يأتي الشاعر على ذكر ما اشتهر "بحلف باريس" وهو المعروف بميثاق "بريان وكلوغ" عام 1928، والذي يقضي بعدم اللجوء إلى الحرب واستخدام القوة في حل الخلافات والنزاعات، وقد وقعته 63 دولة، وقد أشار الشاعر إلى إنعدم الجدوى والفائدة من ذلك الحلف الذي تهدده السيوف الضاحكة، والمدافع الساخرة، والسياسة اللعوب التي انتهجها الطغاة أمثال هتلر وموسليني:

"كـيـلوج"  مؤتمرُ يشاورُ iiصحبه
يقضي  ويحكم في الشعوب iiوخلفهُ
انـظـر إلى القتلى تصجّ iiدماؤُها
فـي  كـل يـوم لـلسياسة iiحجة
الأرض  ميراثُ القوى فإن iiمضى




والـسيفُ يضحكُ والمدافعُ iiتسخرُ
قـاض يـجـورُ، وحـاكمٌ يتجبرُ
وإلـى  الـمصارع تقشعر iiوتَجأَر
يمضي الحسام بها ويقضي العسكر
يـبـغـى الزيادة فالسماءُ المظهرُ

وفي قصيدة له بعنوان "ميثاق السلام"، يتساءل الشاعر محمود عماد عن إمكانية تحقيق السلام واستمراره بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو يتساءل عن صحة ما ادعته الولايات المتحدة الأمريكية – التي رمز لها "بالعم سام"- من أن الأرض قد حل بها السلام، وأن الحروب قد انتهت، وطُعنت وشُيِّع جثمانُها إلى مثواه الأخير فليس له رجعة ولا نشور. ثم يستنتج الشاعر على طريقة الحساب والهندسة بأن الأساطيل الحربية قد أغرقت عمداً، وأن الحصون قد دكت، وأن السيوف قد تكسرت، لأن ذلك هو النتيجة الحتمية لموت الحرب، وتحقيق السلام؟ ويتجاوز الشاعر هذه النتيجة المفترضة ليصل إلى الجوهر والأساس موجهاً أنظارنا إلى الطبيعة التي خُلق عليها البشر وجبلوا منها، وهم يتأرجحون بين الخير والشر، وغيرهما من المقابلات التي تتجاذب البشر، والشاعر يريد بذلك الوصول إلى معادلته التي تقضي بأن الساسة يستطيعون تدمير الأسلحة وتغيير أساليب الحرب، إلا أنهم عاجزون عن تغيير أنفسهم، وعن تغيير الناس الذين يمثلون الطرف الثابت في المعادلة وكل ما حولهم متغير، يقول:

أحـقـاً مـا يـقـولُ "العم iiسام"
وأن الـحـربَ قد طُعِنَت iiفماتت
إذن قـد أُغـرق الأسطول iiعمداً
ومـات  الـناسُ في الدنيا جميعاً
وتلك الأرض صارت غير أرض
وبـات  الـذئـبُ أَدْرَدَ ذا iiأنـاةٍ
وقـلَّـم ظـفـرَه النسرُ iiالمدوي
ولـم  يَـخْشَ الهشيمُ أذى iiضرام







بـأن الأرضَّ قد حل بها iiالسلامُ؟
وَشَـيَّـعَ  نـعشَها الدولُ iiالعظام
ودكّ الـحـصن وانكسر iiالحسام
وأعـقـبـهـم مـلائـكةٌ iiكرام
فـحـال الـخبثُ فيها iiوالخصام
يـرى  شـاةً فـيـدركه iiاحتشام
وطـار عـلـى سـجيّته iiالحمام
فـلـيـس  بمحرق بعد iiالضِّرام

إذن  نام الضعيف قرير iiعين
وقـد هدأت مطامعهم iiوقرّت
ولا  أمـل يـرغب في iiبقاء
إذا ضعف القوى فلست iiتلقى
فـمـا  كانت حياة دون جهد
إذن ترك الورى موتاً صغيراً
ويـأبى الكون إلا أن iiيعيشوا
إذن  فـالـحرب باقية iiلنبقى







فـإن  إلـى القوى عنه iiنيام
فـلا  مـال يشوق ولا طعام
أحـلّ  لـه التنازع iiوالزحام
سـوى ضـعف يهدده iiالحَمم
وهـل جـهد إذا فقد iiالمرام؟
لـيـلـقاهم غداً موت iiجسام
وأن الـعيش شرعته iiالصدام
إذن  مـا يـقول "العم iiسام"؟

لقد عبر الشاعر محمود غنيم عن هذه المعاني وغيرها متمنياً تحقيق السلام في العالم، وذلك في قصيدته "حرب الرذيلة"، وكان قد نظمها عقب الحرب العالمية الثانية، ويشير بين أبياتها إلى مبادئ الأطلنطي، تلك المبادئ التي شبهها بمبادئ مسيلمة الكذاب وسجاح، وهما المتنبئان الكذابان، يقول:

لـيـت  الممالكَ بعد طول كفاحٍ
لوأستْ عميقَ جراحها، إني أرى
أو  رمـت مدافعَها المبيدة iiجانباً
وسادت الأخلاق ما انقلب الورى
وغـررت  بـالـعالمين iiمبادئٌ
مـن يَـبْـنِ ملكاً شامخاً لم يبنه
يـا رب مـلـك أسـسـته قوة
حلوا  الجيوشَ فما بنا من iiحاجة







وقـفت  حجافلها على iiالإصلاح
أكـبـادها  تشكوا عميقَ iiجراح
وتـسـلـحت من خلقها iiبسلاح
ذؤبـانَ فـتـكٍ أو كباشَ iiبطاح
تـزرى  بـإفك "مسيلم iiوسجاح"
بـشـواظ نيران وبيض iiصفاح
عصفت  به في الجو هوجُ رياح
إلا  إلـى الـجيش من iiالنصاح

وللشاعر قصيدة أخرى بعنوان "فجر السلام"، تعد من روائع شعره في السلام، والتغني به، وتعالج مركّب الحرب بشتى عناصره وأغراضه، وهي قصيدة امتزج فيها الأمل باليأس، والوعد بالوعيد، والتفاؤل بالتشاؤم، والعنف باللين، ويعرض الشاعر في ختامها زبدة رأيه في السلام وموقفه منه، ويبين كيفية تحقيقه، كما يذكر أهم ركائزه التي تكفل له الدوام والبقاء بعيداً عن تهديد الحروب، يقول:

جـاءوا  بيومِ النصر يمخرُ iiفلكهُ
مـلـئوا الكؤوسَ فكلما هموا iiبها
فتشت في غمار المحتفين فلم أجد
مـن فارقته يداه في ساحِ iiالوغى
أعـراسُ  يوم النصر أين iiنقيمها
إنـا  نـريـد مـن السلام iiلبابه
عـذراً إذا ما الشكُ خامرَ iiمعشراً
كـم لـلـسلام مواثقاً عبثتْ iiبها
إن تـكـتبوا للسلم عهداً iiفاجعلوا
أو فـانـقشوا بدم الضحايا iiخطّه
صـوغـوه عـدلاً للبرية iiشاملاً
واسـتشهدوا الرحمن فيه iiعليكمو
واسـتـودعوه  مساجداً iiوكنائساً
الله  قـد خـلق الشعوب iiسواسياً
لـن  يـسـتقيم لكم سلامٌ iiماشكا
لـن تـبلغ الشطر الأمين iiسفينة
هـذا هـو الماضي وتلك عظاته
















سـيـلاً  من الدمِ والدموعِ iiصبيبا
ذكـروا  بـحمرتها الدم iiالمسكوبا
إلا طـعـيـناً في الصميم iiأصيبا
إنّـى  بـصـفّـق السلام طروبا
الـمـدنُ  صـرن خرائباً iiولهيبا
لا  لـفـظـه أو صـكه المكتوبا
عـهـدوا الـسياسةَ بالكلامِ iiلعوبا
ريـح  الـسـياسةِ شمألا iiوجنوبا
دمـع الـثـكـالى بالمدادِ iiمَشوبا
وتـذكـروا يـوماً قضوه iiعصيبا
لا  مـرتـعـاً لـلأقوياء iiخصيبا
وكـفـى  بـربك شاهداً iiوحسيبا
وضـعـوا هـلالاً فـوقه iiصليبا
لا ربّ بـيـنـهـمو ولا iiمربوبا
شـعـب  ضعيف حقه iiالمغصوبا
تـركـت  بـها أيدي البناة iiثقوبا
لـكـمو  وقد تجدي العظات iiلبيبا