أيّهما أخطر على الإسلام والمسلمين: كسرى المتوّج، أم كسرى المعمّم

عبد الله عيسى السلامة
[email protected]

تنبيه هام : مَن يثير الطائفية ، هو ذاك الذي يمارسها على الأرض ، بشكل علني واضح ، همَجي فظّ مَقيت .. لا الذي يشير إلى هذه الممارسة ، وينبّه الناس إلى خطرها ، لاتّقائه وتَلافيه..! أمّا ما يفعله الخبثاء ، مِن ممارسةٍ طائفية وحشية ، ومِن إلصاق تهمة الطائفية ، بمن يشير إلى ممارساتهم هذه .. ثمّ وقوعُ السذّج والبسطاء ، في حبال هذه اللعبة الشيطانية .. أمّا هذا وذاك ، فنتركهما لأبالسة الطائفية ، وللدّمَى الغبيّة ، التي تقع في حبائل هؤلاء الأبالسة ! ولله درّ الفاروق ، الذي قال : لستُ خَبّـاً، ولا الخَبّ يَخدعني !     

أيّهما أخطر على الإسلام والمسلمين : كسرى المتوّج ، أم كسرى المعمّم!؟

*) كسرى المتوّج يحرص على مملكته ، أو إمبراطوريته ، ويحرص على كرسي حكمه داخل هذه المملكة ، أو الإمبراطورية . فهو يتعامل مع الناس خارجياً ، في الإطار الذي يحمي مملكته ، ويعززها ، ويحقّق مصالحها.. ويحارب ويسالم من أجل ذلك . ويتعامل مع شعبه داخلياً ، في الإطار الذي يحمي كرسيه داخل دولته ، ويعزز سلطته. وهو يقرّب من أبناء شعبه ، أو يبعد ، أو يَقتل ، أو يسجن .. على ضوء ما يحقّق له هذا الهدف .

*) أمّا كسرى المعمّم ـ وهو يمثّل طرازاً جديداً من الكسروية ، غيرَ مسبوق في تاريخ الأكاسرة ، وتاريخ الفرس كله ـ ! فيَحرص على ما يحرص عليه صاحبه المتوّج ، إلاّ أنه يضيف إلى كسرويته بعداً جديداً وخطيراً، وهو البعد العقدي الطائفي ! أيْ أنه يفرض بقوّة سلطته وسلاحه وعسكره، على شعبه ، الالتزامَ بالعقيدة التي يؤمن بها كسرى ! وكل من يخالف هذه العقيدة يعذّب ، أو يضطهَد ، أو يقتل ، أو يحبَس .. إذا كان فارسياً ! ويعذّب ، أو يضطهَد ، أو يقتَل ، أو يحبس.. كذلك ، إذا كان مؤمناً بعقيدة كسرى ، لكنه غير فارسي! والأمثلة الحيّة قائمة اليوم ، على أرض الواقع في إيران ..! فمَن كان شيعياً غيرَ فارسي ، فحياته جحيم في ظل حكم الأكاسرة الجدد ! وهاهو ذا إقليم الأحواز العربي ، الذي سطا عليه الأكاسرة المتوّجون ، وانتزعوه من محيطه العربي .. ظلّ شيعته يحيَون في عهد آل بهلوي ، كما تعيش الأقلية العرقية في أيّة دولة يحكمها الاستبداد ..! لهم بعض الحقوق التي لا ترقى إلى حقوق أهل البلاد الأصليين ، ويحظَون ببعض الأمان داخل الدولة . وحين جاء حكم الأكاسرة الجدد المعمّمين ، بات شعب الأحواز يعاني من اضطهاد مضاعَف ، على أيدي أجهزة أمنهم واستخباراتهم، ومتعصبي مذهبهم الصفوي الفارسي! وما يجري على شعب الأحواز في إيران ، يجري على الشعوب الأخرى غير الفرس فيها، من أكراد  وتركمان وغيرهم ! وباختصار يجب أن بكون المواطن في إيران اليوم ، في ظل كسروية (الآيات العظمى!) ، شيعياً صفوياً فارسياً ! وإذا غابت واحده من هذه الصفات ،عن أيّ مواطن ، عاش في إيران كما يعيش الأيتام تحت سلطة اللئام!

*) أما على مستوى التعامل الخارجي ، فلا يكفي الأكاسرة الجدد ، التمدّد السياسي والعسكري .. بل لابدّ من التمدّد المذهبي الطائفي ، في الدول التي يطمح الأكاسرة إلى غزوها والسيطرة عليها . بل إن التمدّد الطائفي ، يأتي في أكثر الأحيان ، ممهّداً للتمدّد السياسي والأمني والعسكري ! لأن المواطن الذي يعتنق العقيدة الصفوية الفارسية ، في أية دولة في العالم، يصبح ـ حكْماً ـ  جندياً مسخّراً لخدمة الإمبراطورية الفارسية..!

*) والطريف أن الأكاسرة (المَلالي) لا يَطلبون من مبشّريهم ، الذين ينشرونهم في العالم الإسلامي، أن يبشّروا اليهود أو النصارى، أو الوثنيين أو الملاحدة! بل إن تبشيرهم محصور بين المسلمين عامّة ، وبين أهل السنّة خاصّة ! وذلك لسهولة الدخول إلى قلوب المسلمين، من خلال اللافتة التي يرفعها المبشّرون،  وهي لافته حبّ آل البيت النبوي ، الذين لا تربط الصفويين الفرس بهم أيّة رابطة ، من عقيدة ، أو نَسب ، أو ولاء حقيقي.. بل إن سيرة الصفويين الفرس كلها ، تدلّ على حقد هائل على أمّة العرب ، التي ينتمي إليها آل البيت ، وعلى أصحاب النبيّ وحملَة رسالته ، وعلى أزواجه أمّهات المؤمنين..! كما تدلّ سيرة هؤلاء الفرس ، المشحونة بالحقد والزيف ، والتآمر والكذب ، والباطنية (التقية!) ،على تناقض تامّ، مع سيَر آل بيت النبوّة الأطهار جميعاً ! وتاريخُ الإمام جعفر الصادق ، الذي يدّعي الصفويون الانتسابَ إليه مذهبياً ، وكذلك تاريخُ آبائه وأجداده ، وأبنائه وأحفاده .. أدلة حيّة على ذلك !

*) على أن أطرف الفروق ، بين الأكاسرة المتوّجين ونظرائهم المعمّمين، وأخطرَها ـ في الوقت ذاته ـ ، هي تلك المتعلقة بمسألة الأخلاق ، لدى التعامل مع الآخرين ! ففي حين ينظر الأكاسرة المتوّجون إلى الأخلاق الإنسانية ، من صدق وأمانة ، ونزاهة ووفاء ، وعفّة عن أموال الآخرين وأعراضهم .. كما ينظر سائر البشر الأسوياء في العالم ، إلى هذه الأخلاق، من حيث قيمتها الإنسانية الرفيعة ، وضرورة التمسّك بها ، وعدم تجاوزها أو مخالفتها ، من حيث المبدأ .. وما يَحصل من مخالفة لها ، إنّما يكون لدفع ضرر، أو جلب مصلحة دنيوية ، أو بسبب ضعف بشري .. وبالقدر الذي تقتضيه الحاجة ، أو يمليه الضعف الإنساني .. نقول في حين ينظر الأكاسرة المتوّجون إلى الأخلاق ، هذه النظرة ، وهي ذاتها نظرة مكيافيللي ـ أستاذ الساسة النفعيين ـ إلى الأخلاق .. نرى الأكاسرة المعمّمين، ينظرون إلى الأخلاق نظرة أخرى ، مختلفة تماماً عن نظرة المتوّجين ..! إذ يرى هؤلاء السادة المعمّمون ، في الأخلاق الهابطة الفاسدة: ( الكذب ، والغشّ ، والخداع ، والخيانة..وإيذاء الآخرين بأنفسهم وأعراضهم وأموالهم) قرباتٍ إلى الله ، تَرفع منازلهم عنده ، وتدخلهم الجنّة يوم القيامة ! و(الآخرون) هنا، هم المسلمون جميعاً ، من غير الشيعة الصفوية ، وفي مقدّمتهم أهل السنّة الذين يسمّونهم (نواصب) ! ومن صفاقة القوم ، أنهم ينسبون إباحة هذا الانحطاط ، بل الحضّ عليه ، إلى بعض رموز آل البيت، الذين يخلعون عليهم الكثير من صفات الألوهية ؛ من حيث علم الغيب كله،  والتحكّم بذرّات الكون .. ونحو ذلك ، ممّا لم يمنحه الله لِ(ملَك مقرّب ولا نبيّ مرسل) ! لأن منزلة الإمام عند الله ، فوق الملائكة والرسل جميعاً ! وهذا من ضرورات المذهب ، كما هو ثابت في كتابات كسرى المعمّم الأول( آية الله روح الله الخميني!) . وما نحسب الشكّ في هذا الكلام ، الذي نورده هنا، يتسرّب إلى عقل عاقل يعيش اليوم بين الناس ، ويَسمع ما يجري من حوارات في الفضائيات والصحف والمجلات ، ويقرأ ما يكتبه علماء المذهب الصفوي أنفسهم ، وينشرونه بين الناس ، على شكل فتاوى ، أو كتب ، أو بحوث ، أو مقابلات ،أو خطب.. فضلاً عما تزخر به كتب علمائهم القدماء ، مِن مثل هذا الكلام ، الذي لم يعد القوم بحاجة إلى (تقية) بشأنه ، فيما يبدو..! ونعترف ، بكل تواضع ، أننا لم نطّلع على دين من الأديان المعروفة ، السماوية وغيرها ،  يجعل الأخلاق الهابطة الفاسدة، قرباتٍ إلى الله ، ولاسيما ما يتعلّق منها بإيذاء الناس .. سوى دين واحد، هو الدين اليهودي المحرّف ، المتداول اليوم بين اليهود ، والذي تزخر به صفحات التلمود ، على وجه الخصوص ! فهل هي مصادفة ، أن يتطابق هذان الدينان في تعاملهما مع الأخلاق ، بهذا الشكل الشاذّ العجيب !

*) ويبقى فرق آخر بين صنفي الأكاسرة ، خطير كذلك ، يبرز في الجانب السياسي ،  نابعاً من فلسفة الأخلاق السياسية ، عند كلا الفريقين، وهو ذاك المتمثل بالعلاقة مع دولة الصهاينة : ففي حين كان آخر ملوك آل بهلوي، يتعامل مع الدولة الصهيونية من منطلق سياسي نفعي ، كسائر الساسة النفعيين ( البراغماتيين ) في العالم .. يعترف بهذه الدولة ـ مخالفاً أكثر حكام العالم الإسلامي ـ ويعاملها معاملة الأصدقاء ، سياسيا واقتصاديا .. نرى الأكاسرة الجدد ، يظهِرون لهذه الدولة أشدّ مشاعر العداء في العلن، ويبرِمون معها صفقات الأسلحة سراً (كما ظهر فيما سمي فضيحة إيران غيت ) في السنوات الأولى من عمر الثورة الخمينية ، وفي عهد الخميني نفسه ! بل الأخطر من ذلك ، والأدهى ، أن الأكاسرة المعمّمين ، جَرّوا الحلف الصهيوني الأمريكي جراً ، إلى احتلال العراق وتدميره ، وذبح شعبه ، من منطلقات عقَدية لدى الأطراف الثلاثة ( إيران ـ أمريكا ـ إسرائيل) ! فقد تقاطعت في بؤرة فلسفية سياسية واحدة ، عقيدة الأكاسرة (الملالي )، التي ترى أن اليهود والنصارى ، أقل سوءاً ، في نظر الصفويين .. من أهل السنّة ( النواصب!) الذين يكنّ لهم شيعة الفرس ، عداء تاريخياً مزمناً ، يمتدّ أربعة عشر قرناً في الزمان ، منذ سقوط دولة الأكاسرة ، في القرن الهجري الأول ، على يدي الصدّيق والفاروق..! والتقت عقيدة الأكاسرة الملالي هذه ، مع أحلام بوش (الإلهية!) والمهمّات المقدّسة التي كلّفه بها (الربّ) ، والمتمثلة في شنّ حرب صليبية عالمية، لا يحدّها زمن ، على امتداد الكرة الأرضية ، ضد الإسلام والعالم الإسلامي، باسم (مكافحة الإرهاب!) .. والتقت العقيدتان ، مع العقيدة الصهيونية، المركّبة من حقد ديني على الإسلام جملةً ، ومن حقد تاريخي على دولة بابل ( العراق) ، ومن حقد خاصّ على صدام حسين ، الذي ضرب إسرائيل بعشرات الصواريخ ، ذاتَ يوم ! فضلاً عن الخوف المزمن ، لدى الصهاينة ، من العراق وجيشه ، وسلاحه المتطوّر ، وصِدقه في عداوة الصهاينة ، وفي حربه معهم..! وهاهي ذي الأطراف الثلاثة (الفرس، واليهود ، والأمريكان) تجوس خلال الديار، في العراق كله ، من شماله إلى جنوبه ، تفترسه أرضاً وشعباً واقتصاداً وحضارة..! تنسّق فيما بينها حيناً، وتختلف حيناً آخر، ضمن لعبة ماكرة ، حاقدة سوداء ، تشمل فيما تشمل ، التهديد المتبادل بالحرب وبالتدمير ، وبالإزالة عن ظهر الأرض ! بينما المخالب والأنياب مجتمعة ، تنهش الفريسة العراقية ـ سنّة وشيعة ـ  من رأسها إلى أخمص القدم ..! وكلّ ينهش بحسب قوّته ، وقوّة حقده ، وقوّة خوفه من عراق عملاق ، ينتفض من تحت أنقاضه ، فيعصف برؤوس الحقد جميعاً، ولو بعد حين !      

*) ولقد بات جيران الفرس ، من أبناء الدول العربية وغيرها ، يترحّمون على عهد جيرانهم الأكاسرة القدماء ، من آل بهلوي ، الذين كانوا يكتفون بالسطو على الأراضي (إقليم الأحواز ـ الجزر الثلاث من دولة الإمارات العربية المتحدة) ، ولا يحرصون على التبشير العقدي الصفوي في الدول الإسلامية ، كما يفعل الأكاسرة الملالي! حتى بات بعض أبناء الدول العربية، يردّدون المثل الشعبي المعروف : ( الله يرحم النبّاش الأول !).