خالد هريسة

من شهداء انتفاضة الثمانين

يحيى بشير حاج يحيى

[email protected]

تنتفض حمص اليوم و في ذاكرتها مخزون من البطولات ، و رصيد ضخم من المواجهات ...

و لئن كانت قد خمدت إلى حين ، إلا أنها كانت كالجمر المتقد ، و كالبركان المرتقب ، و على الرغم من مرور عقود ثلاث فإنها لم تنطفئ و ظلت مشاعل انتفاضة الثمانين تخبو حيناً و تلتهب حيناً حتى أتى أمر الله فهبت سورية كلها تردد ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، الذين مهدوا طريق الشهادة و العزة بدمائهم على الرغم من قلة العدد يومذاك ، و فقد النصير ..

في المدينة التي أعزتها سيوف الإسلام ، فنسبت إلى بطل من أبطاله . و في المدينة التي ترعرع فوق ربوعها القائد الدكتور مصطفى السباعي فكان واحداً من رواد الدعوة والإصلاح على أرض الشام ، ولد الشهيد خالد هريسة (أبو صهيب) عام 1953 في حمص في أسرة مؤمنة ،  ليجد نفسه منذ نعومة أظافره يتردد إلى المسجد ، و قد ملك عليه فؤاده ، و شعر بأن هناك ما يجذبه إليه حتى في غير أوقات الصلوات الخمس - و كلما كبر عاماً توضحت معالم شخصيته ، حتى نال الشهادة الثانوية و انتسب إلى معهد النفط و قد فاق أقرانه بحسن الخلق ، و نجح بتفوق واضح عليهم .

و يكون العمل و كسب العيش في مصفاة حمص ، إلى أن دعي لأداء الخدمة الإلزامية ، و رأى بعينيه المآسي التي تجري في جيش سورية الأبي ، و طالما حزّ في نفسه أن يرى العناصر التي سميت (( بالردع )) تنهب متاجر بيروت ، و تسرق ما تبقى للشعب الجريح من حوائج لم تطلها ألسنة اللهب .

و يكون شاهد حق على لصوصية النظام المهترئ في ((المصفاة )) بحمص و في أسواق بيروت.

و يزداد يقيناً أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .

 و يمضي في طريق الجهاد جنديا جريئاً ، و مجاهداً مخلصاً ، و شاهداً على فساد السلطة.

فانتفض مع ثلة من شباب حمص ، الذين واجهوا النظام بما يملكون .

و شاء الله أن تكون الصلاة في المسجد ، و رؤية المسلمين مجتمعين على طاعة الله آخر عهده بالدنيا .

و يحيط المجرمون بالمسجد من كل جانب ، و يحس البطل أنهم سيغتنمونها فرصة لترويع الآمنين ، و قتل المصلين ، كما فعلوا في أكثر من مدينة ، فيقف بين يدي الناس و يصيح قائلاً  ( ويلتفت الناس فإذا شاب طويل القامة ، عريض المنكبين ، عيناه تمسحان المسجد من أوله إلى آخره ) : أيها الناس ، أرجو أن لا يخرج أحد منكم من المسجد لأن كلاب السلطة قد جاؤوا في طلبي فأنا سأخرج قبلكم .

فانطلقت أصوات التهليل و التكبير ، و كل واحد مهم يود لو يفديه بنفسه . و اندفع إلى خارج المسجد و لسان حاله يقول : و الله لن تدنسوا بأقدامكم القذرة ، و أجسادكم الخاطئة رحاب هذا المسجد الطهور ، و لن أترككم تريقون دم مسلم واحد و لو كلفني ذلك حياتي .

و صاح صائحهم : قف ، و واجههم شهيدنا بما يملك، يعطيهم درساً جديداً في البطولة ، ليختاره الله شهيداً ،و لتكون ملائكة المسجد و الجمعة شهوداً و أي شهود ! في 1981/1/8

و اخترقت رصاصات الغدر الصدر الطهور ، و راحت تسكب غيظها في جسده الممزق ، و سقط البطل ، فالتفتوا و كل واحد منهم يشير إلى صاحبه ، و لكن أحدهم صاح بأحد المصلين ، و قد شهر عليه السلاح :

- تقدم .. تقدم ، و هات سلاحه و إلا ..

و يتقدم الرجل إلى بركة من دم .

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

(( و الذي نفسي بيده . لا يُكلَـمُ أحدٌ في سبيل الله - و الله أعلم من يُكْلَم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة : اللون لون الدم ، و الريح ريحُ المسك )).