الشيخ حسن خالد

الشيخ حسن خالد..

مفتي الثوابت الإسلامية

نادر سراج *

ولد في بيروت في العام 1921، وتلقى دراسته الابتدائية في مدارس جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية في بيروت، والثانوية في ازهر لبنان. بعد تخرجه من كلية اصول الدين بالأزهر الشريف (1946)، بدأ حياته العامة استاذا في الكلية الشرعية في بيروت، ثم موظفا في المحكمة الشرعية، وواعظا وإماما في المساجد.

عين في العام 1954 قاضيا في محكمة بيروت الشرعية، ثم قاضيا شرعيا في عكار (1957)، ومن ثم تسلم رئاسة المحكمة الشرعية في جبل لبنان (1960). هذا التدرج أوصله الى تولي منصب مفتي الجمهورية اللبنانية في آخر العام 1966 باجماع العلماء والزعماء المسلمين. رئِس مجلس القضاء الشرعي الاعلى والمجلس الاسلامي الشرعي الاعلى. كما كان نائب رئيس للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الاسلامي في مكة المكرمة، ونائب رئيس للهيئة الاسلامية الخيرية العلامية في الكويت.

كان عضوا في عدة مجامع فقهية وفي مجمع البحوث الاسلامية في مصر، ومشاركا فعالا في العديد من المؤتمرات العربية والاسلامية.

حياته الحافلة بالتقوى والاجتهاد والعمل ونشر الدعوة شهدت نهاية مأساوية تمثلت باستشهاده في بيروت في 16 ايار 1989.

ترك المفتي الشهيد اربعة عشر مؤلفا تبحث في مسائل دينية ودنيوية حيوية شكلت بمجملها المحاور الاساسية التي استقطبت اهتماماته وحكمت مسار عمله خلال توليه مهام الافتاء في مراحل عصيبة من تاريخ لبنان.

ولدى استعراضنا لمجمل العناوين التي تحملها كتبه، نتبين بجلاء ان تسلمه شؤون الافتاء لم يقعده البتة عن التفكّر في مسائل اساسية كانت تشغله وتستوجب المعالجة وايتاء الرأي المستنير خدمة لمصالح المسلمين والمجتمع الاسلامي في لبنان.

ومتى تتبعنا مراحل نشاطه التأليفي، تبين لنا ان انصرافه الى الكتابة في مواضيع تبدو للوهلة الاولى متعددة الاوجه ومتباعدة التوجهات ينمّ في حقيقة الامر عن شمولية رؤيته للحالة الاسلامية ولمسار الدعوة في لبنان، وسعيه للاضاءة على مختلف المواضيع التي تلامس مصالح الاوقاف وشؤون العبادات والاحوال الشخصية، بما يؤمن رعاية شؤون المسلمين وتوجيههم في ظل ظروف اجتماعية حرجة وتجاذبات اقليمية حادة ألقت بثقلها على الاوضاع العامة في البلاد.

بلورة رؤيا عصرية للدين الحنيف وتجديد النظر والاجتهاد في مختلف قضاياه استوجبت خوض غمار مواضيع تراوحت بين: «الاسلام والتكافل الاجتماعي والمادي في المجتمع» و«المواريث في الشريعة الاسلامية» و«احكام الاحوال الشخصية في الشريعة الاسلامية» و«احاديث رمضان» و«مسار الدعوة الاسلامية في لبنان خلال القرن الرابع عشر الهجري» و«الزواج بغير المسلمين» و«موقف الاسلام من الوثنية واليهودية والنصرانية» و«آراء ومواقف» و«مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها» و«المسلمون والانجيل والقرآن الكريم» و«الشهيد في الاسلام» و«الاسلام ورؤيته فيما بعد الحياة».

ومن جملة هذه المؤلفات، ثمة واحد يرتبط بشكل وثيق ومباشر بمسار الحرب الاهلية اللبنانية ويؤرخ لبعض فتراتها الحرجة. «المسلمون في لبنان والحرب الاهلية» هو كتاب مهم وضعه المفتي خالد بغية توثيق وجهة النظر الاسلامية من مجريات الحرب اللبنانية. لذا، فهو يشكل وثيقة تاريخية يستند اليها العديد من الباحثين والمؤرخين كي يعودوا الى مجمل الآراء والمواقف التي صاغها المفتي خالد، وعبّر فيه عن رؤية المسلمين لمختلف المسائل الاساسية التي كانت مطروحة آنذاك على بساط البحث والتي توالت القمم الروحية ـ بما فيها قمة عرمون ـ لايجاد افضل الحلول لها، حقناً للدماء وسعياً لايقاف القتال ونزع فتيل الشقاق والفتنة واعادة اللحمة الى ابناء البلد الواحد.

انصرف المفتي خالد الى خدمة الإسلام بالتعليم والتأليف وارسال قواعد العمل المؤسساتي وتطوير اجهزة دار الفتوى التي رفدها بهيئات ومجالس متخصصة، فأصبحت بجهوده مؤسسة اسلامية فاعلة، وباتت مرجعية حقيقية تحتضن مؤسسات اجتماعية ناشطة تتسابق في خدمة الاسلام والمسلمين وتسعى لتحسين احوال ابناء مجتمعها. وقد اسهمت هذه المنجزات في انتعاش الدعوة الاسلامية وتطوير العمل الاسلامي العام وارتفاع موازنات الاوقاف في المناطق وربط الاطراف بالمركز. كما عمل ايضا على تكريم المرأة وتعزيز حضورها على غير صعيد.

وبكلمة فقد استحق الراحل الكبير لقب مفتي الجمهورية، واعطى هذا المنصب الديني ابعادا جديدة. فوثق، قولا وعملا، الوشائج بين «الديني» و«السياسي» و«الوطني».

وأطل من هذا المقام الروحي على قضايا الشأن العام. فكان بحق المرجعية الدينية والوطنية ورجل الحوار والاعتدال والوحدة الوطنية الذي وظف ايمانه وحكمته ووعيه لتجنيب لبنان آفات الفتنة والانقسام في فترة حرجة من تاريخه.

              

  * باحث لبناني