الدكتور إبراهيم عوض

حائط الصد الإسلامي

بقلم: الدكتور جابر قميحة

[email protected]

عالم جليل له عشرات من الكتب, ومازال قلمه يجري علي الأوراق, فيحولها إلي عالم كبير, وقوة لا تباري, وكأن الله قد خلقه بألف عين, وألف بصيرة, وظفها كلها للإسلام ونبيه صلي الله عليه وسلم وصحابته الأبرار, والمثل الإنسانية العليا. ولا أبالغ إذا قلت إنه يجمع في شخصيته بين ملامح كثيرة من موسوعية العقاد, ويقين سيد قطب, ومنطقية محمد الغزالي, ووقاره العقلي, زيادة علي وجدانية صادقة دفاقة. ولأنه جمع كل هذه المآثر, ولأنه عاش ويعيش نظيف القلب واليد واللسان, زهدت فيه وسائل إعلامهم, وهذه الزهادة وسام يشهد له بالعزة والعظمة.
معًا علي درب الجهاد بالكلمة
أ   أكتب هذه الإلماعة المقطرة عن الدكتور إبراهيم عوض مع إيماني بأن ضيق المساحة المتاحة لن يسمح لي إلا بأقل القليل مما يجب أن أكتب عن هذا العالم الناقد الجليل:
الدكتور إبراهيم عوض الحاصل علي الدكتوراه من جامعة اكسفورد سنة 1982, والأستاذ المرموق في كلية الآداب بجامعة عين شمس, كان أول لقائنا من بضع سنين -علي مدي ثلاث ساعات- ومعنا العالم الفاضل الدكتور يحيي إسماعيل, في واحدة من الندوات الشهرية بقاعة «آفاق عربية» لمحاورة «واحد» من أدعياء التجديد في الفقه الإسلامي, واستطاع الدكتور إبراهيم بنظراته الشمولية, وغزارة مادته, وقوة عارضته أن  يُقزًّم» المجدّد الدعيّ, حتي إن معاونه الذي أحضره ليشدّ به أزٍره -وهو أيضا دعيّ تجديد وتنوير- لما أحسّ أنه سيدركه الغرق افتعل الغضب, وغادر القاعة بعد بداية الحوار الملتهب بنصف ساعة, صارخا: أنا لا أستطيع أن أواصل المشاركة تحت سيف «الإرهاب الفكري». وهي حجة يتذرع بها عتاة «العلمانيين» في الندوات والمناظرات والبرامج حينما يشعرون ببوادر الهزيمة أمام صعقات الحجج القوية, والبراهين الحاسمة.
ومن أحسن ما قرأنا له دراسته الضافية التي  ينقض فيها -بعقلانية بصيرة- زيوفات الصحفي الشوباشي (الذي يعمل حاليا وكيل وزارة الثقافة الحُسنية), أعني ذلك الذي قاد مظاهرة خائبة تهتف «بسقوط سيبويه».
وفي هذه الدراسة رأيت في إبراهيم عوض -كما حضرته من قبل- قوة حجة, ونصوع بيان, ووجدانا متوهجا, وغيرة قوية صادقة علي الإسلام والعربية.
متزوج.. وعنده أولاد!!
وكأني رأيته وأراه يهز إليه بجذع النخلة فتسَّاقَط عليه توفيقات وتيسيرات وفكرا جنيّا, أو يضرب بقلمه يمنة ويسرة, فيأتي بما يشرح صدور المؤمنين, ويكبت ويكسر كل شرير متربص بالدين.
وأمام قرابة خمسين كتابا أنعم الله عليه بتأليفها يقف الناظر والقارئ والباحث معجبين متعجبين: كيف استطاع هذا الرجل أن يقدم كل هذا العطاء خلال مدة لا تزيد علي عشرين عاما?
وكان هذا هو السؤال الذي طرحه عليّ أخي الأستاذ زين العابدين النجار المحامي حينما ألقي نظرة علي مكتبتي ووجدها عامرة بكتب الدكتور إبراهيم ثم أردف سائلا:
- الدكتور إبراهيم متزوج?
- نعم.. وعنده أولاد.
- عجيبة.
ومن الكلمة الأخيرة قرأت سؤالا صامتا في عينيه, مؤداه: فكيف استطاع أن يجمع بين «الانشغالات» الأسٍرية, والاشتغال بالكتابة وإنجاز هذا العدد الكبير من الكتب?
إنها البركة يا صاحبي
أنا لن أقول إنها الموهبة, والثقافة الواسعة, والتمكن من العربية الفصحي, وأكثر من لغة أجنبية فحسب, فهناك كثيرون يملكون كل أولئك, وعُمّروا, ولم نشهد لأحدهم ربع هذا الإنتاج عدّا. ولكني أقول -وكلي يقين- إنها «البركة» يا صاحبي.. البركة التي قد ينعم الله بها علي بعض عباده في المال, أو الصحة, أو الوقت.. إلخ كما بارك الله في الأنبياء والرسل والكتاب والذكرٍ, والماء والشجر والبيت الحرام, كما نري في كثير من الآيات القرآنية, وما أصدق قوله تعالي{ ولو أن أهل القري آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ...} [الأعراف: 96].
وبارك الله في بعض الأيام والليالي لخصوصية فيها, ألم تر أن ليلة القدر في ميزان الله -خير من ألف شهر?وأن الله سبحانه وتعالي- قال عنها{إنَّا أّنزّلًنّاه فى ليلة مباركة إناكنا منذرين}[الدخان: 3].
والبركة -كما قال الراغب الأصفهاني في كتابه «المفردات- «...هي ثبوت الخير في الشيء علي غير المعهود عند الناس, وعلي وجه لا يُحصي ولا يُحصر.. وقد تكون علي وجه محسوس أو غير محسوس...».
وفي حياتنا اليومية ما يقطع بصحة هذه الحقيقة, فقد يكفي «المبلغ القليل», ويقضي من الحاجات أحيانا ما لا يقضيه ضعفه عدّا, والأمثلة المشهودة الدالة علي ذلك في حياتنا أكثر من أن تحصي.
وكاتبنا الدكتور إبراهيم رزقه الله الموهبة والثقافة الواسعة, ورزقه الله نعمة «الصبر الأيوبي» والدقة في التعقب والمتابعة, وبارك الله في أفقه وفكره, فكان قديرا علي التعامل بعقلانية نيرة حاسمة مع الآخرين, وبارك الله له في وقته, فاتسع يومه الواحد لإنجاز ما قد يعجز غيره عن إنجازه في شهر أو أشهر.
رصيد ضخم وتنوع موضوعي
ولكن أهم من هذا الكمّ القيمة الموضوعية والفنية, والرؤي الجديدة فيما كتب الدكتور عوض, فعلي سبيل التمثيل لا الحصر قدم في التفسير والدراسات القرآنية: المستشرقون والقرآن- السجع في القرآن - سورة طه.. مصٍدر القرآن - سورة يوسف - سورة المائدة - القرآن والحديث (مقارنة أسلوبية).
وفي التراجم والنقد وتاريخ الأدب مما قدمه: معركة الشعر الجاهلي بين الرافعي وطه حسين - المتنبي - لغة المتنبي - المتنبي بإزاء القرن الإسماعيلي - عنترة بن شداد - النابغة الجعدي وشعره - أصول الشعر العربي - مع الجاحظ - المرايا المشوهة - في الشعر الجاهلي - في الشعر الإسلامي والأموي - شعراء عباسيون - فصول من النقد القصصي - نقد القصة في مصر - محمد حسين هيكل - محمد لطفي جمعة -القصاص محمود طاهر لاشين - في الشعر العربي الحديث - أدباء موديرن - دراسات في المسرح - د. محمد مندور.
كما تصدي بعدد من الكتب للذين حاولوا النيل من الإسلام والقرآن والرسول صلي الله عليه وسلم, وأغلب هؤلاء -للأسف- من المأسٍلمين أعداء الإسلام, ومن هذه الكتب: وليمة لأعشاب البحر: بين قيم الإسلام وحرية الإبداع - العار: هتك الأستار عن خفايا كتاب: فترة التكون في حياة الصادق الأمين لخليل عبدالكريم - افتراءات الكاتبة البنجلاديشية: تسليمة نسرين علي الإسلام والمسلمين - دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية: أضاليل وأباطيل.. ماذا بعد إعلان سلمان رشدي توبته? دراسة فنية وموضوعية للآيات الشيطانية.
حائط الصد الإسلامي..
وأجدني - وأنا أكتب مقالي هذا- أقع أسير أبيات من قصيدة طويلة نظمتها في الشاعر الإسلامي الكبير عمر بهاء الدين الأميري -رحمه الله- ونص الأبيات:
فما اغتربتَ, ولكن ظلَّ مغتربا
من عاش في أرضه عيش الملاعين
حيث الحقيقةُ تاهتٍ في غَيابتهم
وخلفها ألفُ جزار وسكين
لكنما عشتَ همًا ضاريًا نَهًمًا
هَمَّ اغتراب, وهمًا من فلسطين
وهمَّ كلًّ شريد مسلم ضربت
به الفجاجَ تلافيقُ السلاطين
أكلما شبَّ جرح في مشارقها
تبيتُ بالمغرب الأقٍصي كمطعون
وتنزف النزفَةَ الحرّي مُبًّرحة
وكنتَ درعا لموجوع ومحزون
والمعروف أن عمر بهاء الدين الأميري عاش العقود الأخيرة من عمره بعيدا عن وطنه, يضرب في فجاج الأرض, يفيض شعره بنبض دينه, وآلام الأمة الإسلامية, داعيا للحق والعدل والحرية. وإلي هذا الفصيل ننسب الدكتور إبراهيم عوض الذي وقف قلمهُ, ونذره لله والدين والرسول صلي الله عليه وسلم والقرآن ولغته, بعيدا عن الحزبية والتبعية المذهبية والسياسية.
وهو يملك استشعارا قويا, وحساسية مرهفة لكل ما يمس المقدسات التي ذكرناها, كأنه موكل بأعداء الإسلام يصدهم وينقض دعاواهم وافتراءاتهم.
المصدر والطوابع والسمات
وهو في هذا التصدي -كما ألمعت آنفا- يمتح من ثقافة واسعة المدي, بعيدة الأعماق متنوعة الاتجاهات والطوابع, منها القديم, ومنها الحديث. وهو يعتز بعربيته, لذلك يحرص علي أن يكون أداؤه التعبيري فصيحا راقيا, وكثيرا ما يحرص علي تصويب الأخطاء اللغوية والنحوية التي يقع فيها العادون بكتبهم علي الإسلام أو مترجموهم, كما فعل في نقضه كتاب خليل عبدالكريم,وقصة المارقة تسليمة نسرين
كما يتسم نقده بالشمولية والاستقصاء- لا للموضوع الأساسي وجزئياته فحسب, بل كل ما يتعلق به ويحيط . ولنكتف بدراسته النقدية لرواية «العار» لتسليمه نسرين:
فهو يستهل دراسته بنقد موضوعي مركّز بمقال كان رجاء النقاش قد نشره في الأهرام واصفا فيه الرواية بالجرأة والشجاعة, وإبراز القيم الإسلامية الإنسانية. كما يأخذ علي النقاش تمجيده للترجمة التي قام بها الصحفي عصام زكريا من الإنجليزية إلي العربية «مع أن رجاء النقاش لم يقرأ النص الإنجليزي وهو الأصل». ولم يكتف الدكتور عوض بذلك بل رجع هو إلي الأصل الإنجليزي, وتمكن من تسجيل الأخطاء الغزيرة التي وقع فيها المترجم. وكان موضوعيا دقيقا في نقده للرواية, فلم يكتف بإبراز ما فيها من إساءات للإسلام والمسلمين, ولكن تركيزه الأساسي كان علي نقد الرواية نقدا فنيا, وهذا النهج يغفله كثير من النقاد الإسلاميين في نقدهم للأعمال الأدبية التي يسيء بها العلمانيون والحداثيون إلي الإسلام, وموروثات الأمة, وقيمها الخلقية.

***

وما قدمته لا يعدو كونه خطوطا سريعة جدا لجهود العالم الناقد الجليل الدكتور إبراهيم عوض, وتذكيرا للقارئ بدراسة عنه أوسع وأرحب أكتبها عنه لتنشر في مجلة متخصصة إن شاء الله.