( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا )

من المعلوم أن الله تعالى قد كرم بني آدم ، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا ،مصداقا لقوله تعالى : (( ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )) . ولا يحق لبني آدم أن يفرطوا في هذا التكريم، بأن يبتذلوه كنعمة أنعم بها الله عز وجل عليهم لأن ابتذالها  يعد جحودا وسوء أدب مع المنعم سبحانه وتعالى. ولا يجحدها إلا كافر أو مشرك أو عاص. وطالما ظل بنو آدم على الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها ، وهي الإسلام كما جاء في كتابه عز وجل : ((  فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ))، فإنهم يحافظون على نعمة التكريم التي خصهم بها سبحانه وتعالى ،وهذا الخطاب الإلهي موجه إلى عموم الخلق،إذ يلزم كل إنسان أن يذعن له كي يكون مكرما ، وإذا لم يذعن له، فهو أول من يبتذل كرامته .

ولقد خص الله تعالى صفوة خلقه من أنبيائه ورسله صلواته وسلامه عليهم أجمعين بتكريم خاص يليق بهم ، تعظيما لشأنهم ، وأوجب على الخلق تعظيمهم ، وتبجيلهم ، وتقديسهم ، ونهى عن التقصير في حقهم ، وحذر من إذايتهم ، وجعلها بمثابة إذاية له تعالى عن ذلك علوا كبير فقال : (( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذابا مهينا )) ، أما اللعن هو الطرد من رحمة الله عز وجل، والتحقير والإهانة ، وأما العذاب المهين، فهو الخلد في نار جهنم ، والعياذ بالله .

ولقد جاء في كتب التفسير أن إذاية الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا حاصلة  على وجه المجاز ، بينما إذاية رسوله تكون على وجه الحقيقة، بحيث لا ترعى له حرمة ، كأن ينكر عليه ما يفعل أو يطعن فيه ،أو يشكك فيه ، أو ينال منه أومن عرضه كما فعل أصحاب الإفك ، أو يكاد له  كيدا .

ولقد ألحق الله تعالى بحرمة رسله وأنبيائه حرمة عباده المؤمنين ، وإن كانت رتبة حرمتهم دون حرمة من اصطفاهم للنبوة والرسالة ، فقال سبحانه وتعالى : (( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ))، ولقد سوّى سبحانه وتعالى بين حرمة المؤمنين ، وحرمة المؤمنات إذ قد  يؤذوا جميعهم، ذلك أن قذف المؤمنات المحصنات هو في حد ذاته نيل من أعراض المؤمنين  . ولقد جاء في كتب التفسير أن هذه الأذى الذي يلحق المؤمنين والمؤمنات يكون بالألسنة، والدليل على ذلك أن الله تعالى سماه بهتانا ، والبهتان هو افتراء الكذب  باللسان ، وهو أخطر من الغيبة التي تكون ذكر الغائب بما يكره ، حتى وإن صح ما يذكر به  ، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال لأصحابه : " أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره ، قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فقد بهته " . ووصف الله تعالى إذاية المؤمنين والمؤمنات بالبهتان، وبالإثم المبين يدل على شدة الوعيد ، و على ما يترتب عنه من شدة العقاب .

ولقد تعرض المؤمنون والمؤمنات زمن البعثة النبوية إلى إذاية من الكفار ، والمشركين ، ومن أهل الكتاب ، ومن المنافقين، وكانت إذاية هؤلاء لهم شر إذاية، لأنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام ، وهم يبطنون الكفر، وكانوا على صلة بأهل الكتاب من اليهود الحاقدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى المؤمنين والمؤمنات. ولقد فصل الله تعالى  في وصف نماذج من تلك الإذاية ، كما أنه  جاء وصف لنماذج منها في كتب السيرة .

ولما كان كتاب الله عز وجل رسالته للعالمين إلى يوم الدين ، فإن العبرة بعموم لفظ  الآيات التي توعد  فيها الله تعالى من كانوا يؤذون رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويؤذون المؤمنين، لا بخصوص أسباب نزولها ، وهو ما يعني شمول حكمها كل من سولت له نفسه إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذاية المؤمنين في كل زمان ، وفي كل مكان إلى قيام الساعة .

مناسبة حديث هذه الجمعة، هو تنبيه المؤمنين والمؤمنات من خطر الوقوع في إذاية الله عز وجل، من خلال إذاية رسوله صلى الله عليه وسلم  ، ومن خلال إذاية المؤمنين والمؤمنات . وقد يجاري بعض المؤمنين جهلا أو غفلة  شرذمة من المحسوبين على الإسلام  في التجاسر على حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق الطعن فيما بلغنا عنه من أقواله، وأفعاله، وتقريراته وإنكارها والجحود بها ، وقد جعلوا وسيلتهم لإنكارها الطعن فيمن نقلوها إلينا في صحاحهم و صاروا يعبثون بها ، ويشككون فيها ، ويسخرون منها ، وغايتهم من وراء ذلك التفريق بين القرآن والسنة ، وكلاهما وحي أوحاه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وهم يرومون من وراء تعطيل السنة التمهيد للتشكيك في كلام الله، والقول فيه بأهوائهم . ولقد أقدم  بالفعل بعضهم على ذلك تجاسرا على كلام الله تعالى ، وهم يطعنون في المفسرين قديمهم وحديثهم ، ويطعنون في علم واختصاص أهل العلم والاختصاص في لتفسير، ويتطاولون عليهم ، وقد بلغت جرأة بعضهم أن صاروا يطالبون  بمناظرتهم، وهم لا علم، ولا اختصاص لهم ، وليسوا أهلا للتناظر، لأنهم يفتقرون إلى ما يؤهلهم لذلك بسبب جهلهم الفظيع بعلوم الدين عموما ، وبالقرآن وبالسنة، وبما يتعلق بهما من علوم لا مندوحة عن  معرفتها لفهمهما .

ولقد ظهر هذا التيار المؤذي لله تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وللمؤمنين والمؤمنات في هذا الظرف بالذات الذي يسوق فيه  للفواحش، والتهتك، والاستهتار بالقيم الإسلامية من أجل نسف الهوية الإسلامية من أساسها ، كما أنه يسوق لفكرة الجمع بين تعاليم الإسلام  السمحة ، وبين تعاليم اليهود والنصارى ، وقد كشف الله تعالى في محكم التنزيل عما لحقها من تحريف ، وتوعد المحرفين بأشد العذاب في آيات محكمات غير قابلة للتأويل ، ومع ذلك يصر المفترون على الله تعالى ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم على أنه يمكن الجمع بين ما صح من تعاليم الإسلام ،وما حُرّف من تعاليم غيره . وكل أنواع الإذاية الحالية والصادرة عمن يدعون العلم والمعرفة بكتاب الله وسنة رسوله ، وهم في الحقيقة  على جهل فظيع بهما كما يشهد على ذلك ما يصدر عنهم من أقوال منكرة  والحقيقة  أنها مؤامرة محبوكة لأغراض خبيثة وماكرة ،لا يمكن أن تنطلي حيلها على المؤمنين والمؤمنات ، ومع ذلك نحذر من الانخداع  بما تسوقه بعض المواقع على الشبكة العنكبوتية  ، وما تسوقه وسائل التواصل الاجتماعي  مما قد يورط في الوقوع في إذاية الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا من خلال  إذاية رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن خلال  إذاية المؤمنين والمؤمنات، لها لا بد من الاحتراز من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة .

اللهم إنا نبرأ إليك ممن  يؤذونك تعاليت عن ذلك علوا كبيرا من خلال إذاية رسولك عليه الصلاة والسلام ، و من خلال إذاية عبادك المؤمنين والمؤمنات .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .  

وسوم: العدد 1043