موازين الضعف والقوة عند المؤمن

في عالمنا المادي  تختلف تقدير قيمة الأشياء وقيمة الأهداف والمشاريع ،  باختلاف  معيار تحديد القوة والضعف .

فتجدنا نحكم على حقائق الأشياء من ظاهرها،  ونقرأ الكتاب من غلافه .

فنحكم هذا قوي ، وهذا ضعيف ، وذاك مهزوم ، وهذا متخاذل،  وذلك يمتلك زمام  عناصر القوة ، والآخر مغلوب على أمره  ، وكل أحكامنا نسبية لا تخضع لمعيار الحكم الحقيقي .

والواحد  منا مولوع  بالقوي  ، منبهر بمن يمتلك عناصر القوة المادية وهي مهمّة ، ولكن.. 

نغفل تأثير المؤيدات الداخلية ، نهمل عناصر القوة  الحقيقية ، التي يملكها  قوي العزيمة ، ونهمل العناصر التي يتملكها مسلوب الحقوق ،   و ننسى أن  روح المقاومة  التي يمتلكها المقهور تذيب الجبال ، وأن  إرادة افتكاك الشيء المفقود ، و استرداد الحقوق المسلوبة ،  واسترداد الحق الضائع ، لا تضعف. ،  ولا  تمنعها أي قوة  متكبرة أن تحقق مبتغاها ، ولا تمنعه  القوة القاهرة ،   أن ينهض  ويعدو نحو هدفه المرسوم ، و يسترد حقه المسلوب .

وتعلمنا الحياة أن تحرير القوة يكون بأن نتجاوز الانهزام الداخلي ، فنتحرر من الخوف ، نتحرر من الفشل ، والخوف من السقوط ، و الخوف من مواجهة الأعاصير ، فنرضى أن نقاد بالسلاسل  ، وما الآخر سوى فقاعة بالون لو تعرض لهزة ضاغطة لا انفجر .

ويخطئ  الاعتقاد من يظن أن الضعيف يظل أبد الظهر ضعيفا  ، ولا القوي يظل على قواه ، فقد رأينا من  تقلبات الأحوال كيف  قسمت ظهر المتغول ، فخارت قواه بعد القوة  ، وفي المقام نفسه  وقفنا عند صور مبهرة لشعوب كسرت الأغلال  وداست على قوانين  التي تصنعها هيمنة  المتغول ، واسترجعت سيادتها على أرضها بالمقاومة المشروعة .

و قد قيل " ليس القوي قوي العضلات،  إنما القوي قوي القلب " و هذا يتوافق تماما مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  

فقد جاء  في  حديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال:  ( ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ( متفق عليه.

وتلك القوة يحررها الإيمان الصادق ، الذي يحرك مكنونات النفس ،    يتفاعل الإيمان  مع المؤيدات والأسباب ، فتصنع العجائب ، فلا عجب أن  يحقق صاحب الإرادة والعزيمة ما يعجز تحقيقه الأقوياء .

وتظل الحياة دائما تعلم ضعاف النفوس أن النصر يأخذ بالعزائم ، و يفتك بالتضحيات ، وأن حياة الترف لا يرقى أصحابها  الظفر بالجوائز.

وقد خلد الشاعر التونسي الشاب الثائر أبو القاسم الشابي  أبياتا يحق لنا أن نكتبها بماء الذهب ،تخاطب مهزوز القوى أن يستفيق من نومه .

يقول فيها : 

وقالتْ ليَ الأَرضُ لما سألتُ

أيا أمُّ هل تكرهينَ البَشَرْ

أُباركُ في النَّاسِ أهلَ الطُّموحِ

ومَن يَسْتَلِذُّ ركوبَ الخطرْ

وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَ

ويقنعُ بالعيشِ عيشِ الحجرْ

هو الكونُ حيٌّ يحبُّ الحَيَاةَ

ويحتقرُ الميْتَ مهما كَبُرْ

اللهم إنّ ننتظر فرجك، ونرقب لطفك، ونرجو نصرك ، وليس لنا رب سواك ندعوه ،  يا أرحم الراحمين ، فلا تكلنا لأنفسنا أو إلى أحد سواك .

وسوم: العدد 1058