نوتر دام

حرب على الحضور المريمي

 زهير سالم

تنتمي الشعيرة الإسلامية التي ضاق بها الرئيس الفرنسي جاك شيراك ومحازبوه إلى عالم العفة والطهر. العالم الذي جسدته على مر العصور العذراء البتول سيدة نساء العالمين، سيدتنا (نوتر دام) مريم عليها السلام.

وسيدتنا مريم، عليها السلام، ليست كما يريد أن يعترف بها السيد جاك شيراك عنواناً يطلق  علـى أكبـر وأفخم كنيسة في باريس (نوتر دام). مريم البتول ليست حجارة مرصوفة أو منحوتة، وإنما هي قيمة حاضرة في نفوس الأجيال، تمثل دائماً ما تسعى مدنيتهم المتوحلة إلى استدباره وتنكبه.

يجمع المسلمون والمسيحيون على أن مريم سيدة نساء العالمين طاهرة عفيفة حَصان رزان، رغم كل تخرصات واتهامات أعدائها من يهود.. (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين..). ولا يخفى أن المدنية المسيحية الغربية ببعدها الرأسمالي والإباحي قد جعلت من مريم المَثَل والقدوة والعفة وراءها ظهرياً.

ولكن المسلمة المحجبة في فناء مدرسة فرنسية أو في غرفة صف أعادت الحضور المريمي بطهره ونقائه وثقله.. يُعلِّم من جهلت، ويُذكِّر من نسيت، ويفسد على أصحاب المشروع التهتكي الإباحي مخططاتهم. ويخرب على الذين يسعون ليكون في مكتب كل متنفذ منهم ضحية مثل مونيكا لوينسكي سعيهم.

فرض الطهر المريمي حضوره، في عالم التهتك والانحطاط، فقرع الناقوس، ولفت النظر، وطرح السؤال، وأيقظ مشاعر الاستواء في نفوس إنسانية فطرها الله على حب الطهر وإيثار النقاء.. والتعلق بالعذراء البتول سيدتنا (نوتر دام) مريم عليها السلام.

ترى المراهقة الفرنسية في زميلتها المسلمة التي تصاونت عن عبث العابثين الصورة المشتقة من صورة العذراء.. وتقارن صورة المَثل وصورةَ الواقع بما تمارسه أو تراه، فتستيقظ في نفسها معاني الفضيلة والخير.. وهكذا لم يعد (الحجاب) الشعيرة الإسلامية، قطعة قماش كما يقول في عالمنا المتفيهقون والمتفيهقات، وإنما غدا الحجاب حضوراً مريمياً نقياً مؤثراً فتح آفاق الفضيلة والطهر وآفاق الحياة العملية بزهرتها الطيبة، في وقت واحد، أمام أولئك اللواتي قيل لهن: إما أن تكوني راهبة منعزلة في دير منقطعة عن (الأنوثة) و(الأمومة) و(الحياة)، وإما أن تكوني كما نريدك: مادة للمتعة وأداة للإنتاج. وهذا هو صلب المشروع الرأسمالي للإنسان، وللمرأة بشكل خاص.

المشروع الرأسمالي الإمبريالي، مشروع ذكوري محض، وإن رغمت أنوف أو ورمت أنوف، ولقد نَفَسَ هذا المشروع على المرأة حقين ؛ حقها في أنوثة عفيفة طاهرة، وحقها في أمومة مقدسة حنون.

هذا الحضور المريمي الذي مثلته الفتاة المسلمة في قلب العاصفة الإباحية الهوجاء، هو الذي أقلق شيراك وأصحابَ مشروع التهتك والإباحية، وتشييء المرأة، وتحويلها إلى سلعة رخيصة ينادى عليها في أسواق الفضائيات.. ولهذا فقد سارع شيراك لإعلان حرب غير مقدسة على (مريم) المقدسة. لأن شيراك ومشايعيه لا يقبلون سيدة الطهر في باريس.. إلا حجارة مرصوفة ومنحوتة تحت اسم (نوتر دام).

           

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية