سيمفونية الحرب والسلام في عرض صرخة ماريا

انطباعات حول عرض فرقة سلمى الجديد:

سيمفونية الحرب والسلام في عرض صرخة ماريا

نادر أبو تامر

[email protected]

*وسط هدوء مطبق، جاءت "صرخة ماريا" مدوية في عالم من السكون الكامل. عندما استعددت للسفر إلى حيفا لمشاهدة فرقة "سلمى" أخذت معي ورقة. دسستها في جيبي. قلت بيني وبين نفسي: على هذه الورقة سأسجل بعض الملاحظات. وبعد انتهاء العرض سأستعملها ضمن مقالتي هذه. الورقة بقيت مكانها. لم استلها من جيب القميص. خفت إن أخرجتها أن أخدش صمت الخشوع في القاعة التي احتضنت العرض. وخشيت أن أتسبب بحركة غير لائقة إذا دونت عليها بالقلم. بقيت الورقة خالية. ولم أجد ما أكتبه عليها فعلا. حتى لو أردت.

عشرات الموهوبين الأبطال. مثل ألوان الطيف. يزينون اللوحات الراقصة بخفة حركتهم. بسلاسة تنقلهم. بحضورهم المكثف في المشهد المعروض. ومن أجيال متعددة يتمازجون مع صوت سميح القاسم. الشاعر الذي أضفى على عمل الشاعر الألماني برتولد بريخت بصوته المتهدّج ولغته الطافحة أنفة ومحبة للأرض والناس. والمشاهد الراقصة تتداخل ببعضها كأصابع يدين تتشابك وتضغط على عقدها برفق.. تضيع، طواعية، بين ألوان المنصة وموجات الموسيقى. بين ومضات لونية ساحرة. تسحب المشاهد معها. تأخذه إلى وسط الحدث. إلى زخم الحرب. إلى دعاء السلام. بعد المعارك الطاحنة التي مزقت العائلات، لكن الحدود أحيانًا بينها، بين مشهد وآخر كانت كالحدود المائية بين دولتين. 

"صرخة ماريا" تحكي قصة ماريا التي قتلت رصاصات الحرب عريسها. "يا فرحة ما تمت". لكنّها تمت بصلة إلى كلّ ما هو إنساني دافق في كلّ مكان يشجب الويلات وللسلام يغني.

التطعيمات الموسيقية الريمونية (ريمون حداد) جعلت من الرقص الراقي الذي يناجي الروح غيمة تموج في الأفق. فرشة من الإسفنح تلتقف كلّ اهتزازت المشهد. تحاول دغدغة السماء. حضور موسيقي بهيّ. تأليفات موسيقية ملهبة تشغلك عن اللوحات الراقصة حينًا. وتعيّشك الحدث بعنفوانه أحيانًا.

بوركت فرقة "سلمى". نقلة نوعية تسجّلها في "صرخة ماريا".

حين سمعت أن الفرقة ستقدّم عرضًا جديدًا تساءلت: لماذا تخاطر برصيدها؟ فما زلنا نتحسس أصداء رائعة "حوض النعنع" التي لم تتبخر من أفئدتنا. لكنّها كانت مراهنة في محلها. نجح العمل وألهب الجمهور الذي زاد عن ألف شخص لم تسمع أنفاسهم.

لا بدّ من الإشارة إلى الدور الفذ الذي قام به مخرج العمل نورمان عيسى، حيث حوّل قطعة من الشعر المسبوك بإحكام، كقطعة من الذهب الخالص إلى عجينة يكوّرها ويلهو هو بها ومن ثم يرمي بها إلينا نحن المشاهدين، فنعبث بها بشغف.

هل فهمت كلّ العرض؟ سألت نفسي. نعم فهمته. لكن، لا ضير لو تمّت زيادة جرعات من النص والكلام داخل العرض لتسهيل وصول الفكرة، خاصة وأن العرض حضره بالإضافة إلى الكبار والعائلات، عشرات الصغار، مع انه كانت هناك أبيات شاعرية مرهفة من سميح القاسم تعبّر عن الحدث بانسياب جميل، وبعض الكلمات من ميساء خشيبون.

بطل هذا العمل كان العمل بحد ذاته. كانت مصممته ومخرجه ومن عملوا في الإضاءة والملابس حيث كان التمازج انسجاميًّا لا تشوبه شائبة ولا شائكة. بطل العمل هو الراقصون الذين يتحركون على المسرح بكل فخر وزهو وتواصل كأزهار الربيع تفرش الأرض بساطًا من المحبة.

حين وصلت السيارة في الكرمل وقبل أن انطلق مع صديقي سمير إلى باقة الغربية، سألته: هل كنت تعود لحضور هذا العرض. لفّ سمير المقود بحركة حادّة باتجاه الطريق الذي سنخرج منه، ولم أتوقع ردّه. قال لي: مستعد أكثر من مرة للعودة وحضور "صرخة ماريا".

كم شخصًا مثل صديقي نجد. هذا هو الاختبار. بوركت أياديكم وأقدامكم.