الحصن تروي الحكاية (الحلقة الأولى)

clip_image002_10be5.jpg

clip_image004_58ced.jpg

clip_image006_3dbb6.jpg

 

   الحصن.. وأخيراً سألتقيك؟ هكذا همست بصوت مسموع حين وصلت منتصف الشارع الرئيس بها، وهاتفت الفنانة التشكيلية الشابة رنا حتامله، مضيفتي وصاحبة الدعوة والتنسيق  لزيارتي لبلدة الحصن. أخذت من والدها الجميل عنوان بيته، واتفقنا أن يلتقيني عند مدرسة خليل السالم القريبة من بيته بعد أن أعلمني أن أدخل السوق التجاري متجهاً باستقامة حتى الوصول إلى المدرسة، فالحصن ارتبطت بذهني منذ زمن طويل كلما كنت أمر منها متجهاً إلى مدينة إربد عروس الشمال، وكنت دوماً أتذكر الأديب الكبير أديب عباسي، والمطرب المتميز جميل النمري مترنماً ببعض من أغنياته التراثية الريفية، وحين بدأت المسير وبدأت ملامح ذاكرة الحصن تقفز أمامي، كدت أن أتوقف عشرات المرات لأبدأ التقاط الصور، فقد شعرت بعدستي تريد أن تتمرد عليّ وتقفز من نافذة السيارة لتوثق ما تراه من إطلالات الجمال.

   احتسيت القهوة مع الأخ محمد حتامله (أبو حسين) المهندس الزراعي والمثقف ورئيس منتدى الحصن الثقافي سابقاً، وابنته الشابة الفنانة التشكيلية المتميزة بريشتها وروحها رنا حتاملة، وخرجنا ثلاثتنا لنبدأ الجولة في بلدة الحصن التاريخية الأصول، فرافقني وعدستي وقلمي الثقافة والانتماء من ناحية، والفن الملتزم والجميل من ناحية أخرى، فكانت جولة امتدت طوال النهار في هذه البلدة العريقة، والتي بدأت تروي لي الحكايات من لحظة وصولي ومعانقتها لروحي.

   من حديقة بيت مضيفيني الجميلة من على تلة جميلة مشرفة ومرتفعة أطللت على بلدة الحصن، فتنشقت الهواء النقي، ونظرت للحصن تفرد جناحيها على السهل معلنة بداية سهل حوران الذي كان بامتداده ملقباً بالماضي (أهراء روما)، والذي كان سلة القمح لروما والمنطقة، فأرى البنيان قد التهم السهول وتغيرت رواية الحكاية، لنبدأ الجولة في ربوع الحصن الجميلة مبتدئين بوقفة على تل الهواء (الهوا) وهو تل مرتفع وصخري ونال اسمه من قوة الهواء بسبب ارتفاعه، مطلين منه إلى منطقة تسمى (القحافي) مشتقة من كلمة (قحف) حيث كان الناس (يقحفون) الحصى منها للبناء، فغلب عليها هذا الاسم، ولعل الاسم الأصلي كان مختلفاً، ولكنه ضاع مع غلبة اللقب فأصبح اسماً جديداً، وفي المنطقة تقع مدافن الإخوة المسيحيين، فالحصن عبر تاريخها أنموذج جميل ومتميز بالأخوة الإسلامية المسيحية، فالدين لله والوطن للجميع.

  ومن الجدير الإشارة إليه أن خط البترول (التابلاين) كان يمر من هذه المنطقة بعد أن مده الاحتلال البريطاني من البصرة حتى حيفا عبر نقاط حملت اسماء H1حتىH6 ، والتي تغيرت في الأردن فأصبحت H4 تسمى (الرويشد) والـ H5 تسمى (الصفاوي) في عودة للأسماء العربية للمنطقة. وما لفت نظري أنه تم شق طريق واسع وعريض بالمنطقة متجهاً غرب الحصن، ومن هناك اتجهنا للبلدة ووقفنا عند أطلال مدرسة الحصن الابتدائية، مروراً ببيت آل (أبو الشعر) التراثي وهي أسرة أنجبت العديد من المشاهير ومنهم الكاتبة الكبيرة د. هند أبو الشعر بمؤلفاتها القصصية وأبحاثها الكثيرة وكتبها العديدة التي قاربت العشرين كتاباً في التاريخ والتوثيق، ومنهم أيضاً وقبل ما يزيد عن مائة عام ترك الأديب والروائي عقيل أبو الشعر ثلاثة روايات مهمة وهي "القدس حرة" و"إرادة الله"، و"انتقام الأب كريستوبال"، متجهين إلى البيت الذي شهد ولادة وحياة الأديب الكبير أديب عباسي، حيث سيروي لنا المكان حكاية أديب عملاق.

   الحصن بلدة تاريخية شهدت عصوراً مختلفة حتى آلت إلى وضعها الحالي، فهي تعتبر من المدن التاريخية والعريقة، وقد شهدت حضارات عدة منذ القدم، فهي تعود بآثارها إلى العصر النحاسي قبل الميلاد بحوالي 4500 عام، وعاشت العصور التي تلت وتركت آثارها بها مثل العصر البرونزي القديم والعصر الحديدي فالنبطي العربي والروماني والبيزنطي وصولاً للعهد العربي الإسلامي، وكل هذه الحضارات تركت آثارها في باطن تل الحصن الأثري الذي يروي حكاية الحصن عبر التاريخ، وهذا التل عبارة عن تل تراكمي عبر الأزمنة وليس تلاً طبيعياً، وتكوّن بسبب تراكم الأتربة فوق المباني عبر العصور، لذا يعتبر هذا التل تراكماً للحضارات المختلفة، ويحتاج إلى جهود هائلة كي يتم كشف أسراره.

  وصلنا إلى متحف الأديب الكبير أديب عباسي وهو مقام في البيت التراثي الذي كان يسكنه، ومبني من الحجارة الجبلية على نظام العقود ذات الأسطح المستقيمة باستخدام العوارض المعدنية، إضافة إلى أن الأبواب تعلوها الأقواس ولكن النوافذ مستطيلة بدون أقواس، وهذا النمط من البناء كان سائداً فيما مضى، وهو مكون من غرفتين وحديقة جميلة، وهذا النمط من البناء يختلف عن بيوت العقود ذات الأعمدة المتصالبة التي تعلوها القبة الصغيرة،

وهو نمط البناء الذي كان منتشراً في فلسطين.

 وبكل ِأسف كان المتحف مغلقاً فضاعت عليّ مشاهدة ذكريات الأديب الكبير وكل مقتنياته وما كان يستخدمه في صومعته، وما آلمني أيضاً أن اليافطة المعلقة على الجدار الخارجي، وتحمل اسم (متحف أديب عودة عباسي)، كانت مصابة بالتلف والتمزق، ولا أعرف إن كان هذا بسبب عوامل زمنية أم عبث العابثين من الأطفال، لكن أديبنا الكبير يستحق متحفه التفاتة واهتماماً أكثر، فاكتفيت بتوثيق جدران وزوايا البيت بعدستي من الخارج والنظر من بين شقوق النوافذ للداخل متخيلاً عزلة الأديب مع قلمه وإبداعه في صومعته، فأديب عباسي من أدباء الأردن المميزين، وتركت ذكراه أثراً في روحي رغم أني كنت أحلم برؤيته ذات يوم ولم يتحقق الحلم، فأديبنا الذي ولد في العام 1905 وتوفي في العام 1997م كان متميزاً بدراسته مقارنة بفترة شبابه، وعمل بالتدريس فترة حتى اضطهد وعقد له مجلس تأديبي وعوقب بتخفيض ثلث راتبه تقريباً إن لم يتوقف عن الكتابة والنشر، فاستقال من التعليم وتفرغ للكتابة والتأليف معتزلاً في صومعته بسبب كتاباته ومواقفه الوطنية ونقده للأنظمة وانتمائه للقضية الفلسطينية، يعيش على الكفاف، وأصدر كتابه المتميز "عودة لقمان"، وترك واحداً وتسعين مخطوطة بالعربية والإنجليزية، مهتماً بالشعر والفلسفة والفلك والأدب، حتى داهمه المرض فمات وحيداً في عزلته كما عاش وحيداً.. فطوبى للغرباء في مجتمعاتهم وهم يصرون أن لا تتوقف أرواحهم عن معانقة القلم.

   الجميل بالمتحف أنه تمت المحافظة عليه كما هو حين أعلنت روح الأديب الكبير الرحيل، فما زالت البوابة الخشبية التراثية قائمة، والنباتات محافظاً عليها سواء الأشجار أو المزروعة بالأحواض وفي الجرار الفخارية، وقذيفة مدفعية تحولت إلى إناء لنبتة صبار، كذلك توجد قطع حجرية إحداها قطعة من فوهة بئر تراثية، إضافة إلى مقاعد حجرية ومقاعد من جذوع أشجار مستندة إلى حجارة، وأيضاً تنور الخبز والطعام، والخوابي، وسقف البوص والطين للمبنى الصغير بجوار البيت وهو موقع العمل المنزلي من خبز وطبخ، والفتحات بين الحجارة التي كان يتم الاحتفاظ ببعض الأدوات المنزلية فيها، وموقد النار المعدني الذي كان يستخدم للتدفئة باستخدام الفحم، إضافة إلى سلال من القش تتناثر في المكان، وشاهدت بعض القطع الأثرية المختلفة ومنها تيجان أعمدة رومانية، ولفت نظري قطعة أثرية من البازلت الأسود منقوش على حافتها حروف لاتينية، إضافة إلى قطعتين حجريتين منقوش عليهما الصليب، وأعتقد أن هاتين القطعتين كانتا من التي توضع فوق المداخل في القوس الحجري الذي يعلو المدخل، حيث شاهدت مثلها في العديد من البلدات التي يقطنها المسيحيون العرب في رام الله وبير زيت وبيت لحم وحمص وغيرها من البلدات، كذلك مشاهدتي أحواضاً من الحجارة بعضها مزروع وبعضها خال من الزراعة.

   في العهد العربي الإسلامي حملت الحصن اسمها الحالي، والحصن هو المكان الحصين، وفي العهد الأموي بقيت للحصن مكانتها الخاصة فبني فوق التل حصن منيع يصعب مهاجمته بحكم طبيعة التل، وكان الحكام الأمويون يأتون للحصن للراحة كما يمارسون هوايات الصيد في مناطق عدة في الأردن، ولذا حملت الاسم وبقيت عليه منذ العام 1306م، بينما كان اسمها السابق حسب أبحاث المتخصصين تشير إلى أنها كانت تحمل اسم (ديون) التي ازدهرت في العصر الهلنستي والروماني، وديون كانت واحدة من عشرة مدن عرفت باسم (تحالف ديكا- بوليس Deca polis) وهو اسم إغريقي يعني (المدن العشرة) وقد انشأ الحلف الإمبراطور الروماني بومبي لمواجهة القوة المتصاعدة في جنوب بلاد الشام وهي قوة العرب الأنباط، وعرفت الحصن بتلك الفترة تحت اسم: هيبوس  (Hippos)والهدف من إنشاء الحلف الذي امتد من دمشق إلى شمال الأردن وشمال فلسطين حماية أطراف الإمبراطورية الرومانية في بلاد الشام، وانتهى الحلف بعهد الإمبراطور تراجان بعد تأسيس الولاية العربية وضمها للإمبراطورية الرومانية، وهذا ما يؤكده وجود بقايا الآثار الرومانية والبركة الرومانية وبقايا كنائس ولوحات فسيفساء، وإن كان بعض الباحثين يختلفون حول مواقع بعض المدن العشرة وعن سبب إنشاء الحلف.

   ومن متحف أديب عباسي واصلنا المسيرة الطويلة لإكمال التجوال في بلدة الحصن الجميلة، فشاهدت العشرات من البيوت التي كانت وتحولت إلى ردم من الحجارة لا يمكن ترميمها، وإن كان بالإمكان إعادة البناء باستخدام ما تبقى من الحجارة بنفس الأسلوب التراثي السابق، وتحويل هذه الأبنية إلى مراكز ثقافية وفنية وعلمية وغيرها مما يخدم المجتمع ويحافظ على ذاكرة الأجداد، وهذا ما سأتابعه في الحلقة القادمة إن شاء الله لي ذلك، فللحصن حكايات وحكايات تروي قصص الجدات والأجداد وشعب من النشامى.

   من جيوس بلدتي الخضراء المحتلة ومن تحت ظلال زيتونة تروي حكاياتها، أستذكر زيارتي للحصن وأحتسي قهوتي واستمع لفيروز تشدو:

 (أردن أرض العزم أغنية الظبى نبت السيوف وحد سيفك ما نبا

في حجم بعض الورد إلا إنه لك شوكة ردت إلى الشرق الصبا

فرضت على الدنيا البطولة مشتهى وعليك دينا لا يخان ومذهبا)

فأهمس: صباحك أجمل فلسطين وجيوس الخضراء.. صباحك أجمل أردن العزم والهوى.. صباحك أجمل الحصن الجميلة وصباح أجمل لكل أحبتي ومعا سنواصل التجوال في حكايات الحصن.

وسوم: العدد 660