طيبة حسن

د. محمد خالد الفجر

د. محمد خالد الفجر

[email protected]

"هذه القصةُ لا تهزَأ بحسن الظن الذي أوصى به ديننا الحنيف، وإنما تنقُد من يستغلّه أمام الطيبين، فيُنسيهم قولة عمر رضي الله عنه: لست بالخبِّ ولا الخبُّ يخدعني".

في مجتمعٍ متصارعٍ وُلِد وفي بيئةٍ بسيطةٍ عرف الحياة سمُّوه حسنًا لحُسن طلعته وحسن طلَّته فعند ولادته قَمْحُ القرية فائض وحَسُن منظرُ أرضِها فالربيع لَوَّن صفحات وجه الأرض القاحلة فتحول إلى الحُسن بعد قبحٍ طال زمنه درَج حسنٌ في الحياة وتربَّى على أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ سمةُ النُّجباء وكلّما أراد نقدًا لموقفٍ قِيل له: حسِّن ظنَّك يا حسَن ومن كثرةِ تَرداد حُسن الظنِّ على أُذُنَي حسَن صار يُحسن الظن إلى درجة السذاجة فمرةً رأى شخصًا يمتطي جدار جاره فحار حسن بين أن يصيح عليه أو يتركه حتى لا يسيء الظنَّ به فغلّب حسن الظنِّ الذي أوحى له أن الذي اعتلى الحائط إنما اعتلاه لإنقاذ شخصٍ في بيت الجار وفي الصباح علِم أنّ أحد بيوت القرية خالي الوفاض بعد غياب صاحبه؛ لأنَّ سارقًا قد مسح ما فيه من أشياء وتتالى المواقف مع حسن لكنّ أظرفَ موقفٍ عندما انطلق في الصباح إلى كليته؛ وإذ بشخصٍ أمامه يتظاهر بالعَوَز وعدم القدرة على النظر فهبَّت إنسانية حسن وأمسكه بيده بعد أن وضع في جيبه ما وهبه إياه أبوه وصار يحدِّث الضرير عن الإسلام والإيمان والضرير يؤمِّن على قوله، وحسَن يشكو إليه تفلُتَ طالباتِ الكلية وشبابها وخروجهم عن معاني ديننا العظيم والضرير يقول له: صدقتَ إي والله صدقتْ... وكان الزمن رمضان فقال حسن: لأستغِل هذا الزمن المبارك وأطلبَ من صائمٍ من ذوي الاحتياجات الخاصة أن يدعوَ لي فأبوابُ السماء مفتوحةٌ أمامه وهبّت حالُ السكينة على حسن وكأنّه همّ بتقبيل يد الرجل، وهو يقول له: ادعُ لي ادعُ لي فصيامُك أفضلُ من صيامي؛ لأنّ عينك معافاةٌ من رؤية ما تراه عيناي ومطهرةٌ بنقاء الظلام الذي يحجبك عن هذه الفتن فقال له الضرير: سأدعو لك وكانت هذه الكلمات عند المكان الذي طلب الضرير من حسن إيصاله إليه وبعد مصافحة حسن للضرير أشعل الضرير سيجارته ومشى!!!

لكن هل تعلَّم حسنٌ من ذلك الموقف ستتعجبون عندما تعلمون أنّه أحسن الظن به وقال: يـــــــــــَاه.. المسكين نسي أنّه صائم  والحمدُ لله على نعمة الإسلام الذي لا يُفطِّر الناسي.

وتمرُّ الأيام بحسن ويلتقي في جامعته مع جماعة اسمها جماعة "تحسين الظن" ويجلس معهم في إحدى الجلسات المليئة بالسكينة؛ وإذ بهم يسبُّون شخصًا تناول أحد ذَوي اللحوم المسمومة بالكلام فقالوا: إنّه هتك ستر التربية وفسد ذوقه كيف يتكلم عن العالم الجليل صاحب الكشف والبصيرة!!! ألا يعلم أنّ لحمه مسمومٌ أَوَلا يخشى على نفسه من دعاء هذا العالم؟ فقرّر حسَن أن يتعرّف هذا العالم، فحضر مجلسه وسمعه يتحدّث قائلاً: يا إخوان حسِّنوا الظنّ بالنّاس وأَوْلى من يجب أن تُولُوه حسن الظن من مَلَك زِمام أمورنا وسهِر على حماية حدودِنا رئيسُنا الذي حرمَ نفسه الراحة وتزوَّج العمل فلا يكِلُّ ولا يمَلُّ ....رأيتُه مرة يحادثُني في هزيع اللّيل خائفًا مضطّربًا وهو يقول لي: يا شيخنا اليوم صلّيتُ العصر وبعد الانتهاء شكَكْتُ في وضوئي فهل تُقبل صلاتي أو عليّ أن أُعيدَها؟ هذا هُوَ.... نعم هذا هُو مَن يُسيء الظّنَّ به أُولو النّظرة المحدودة المرتبطة أقوالهُم بالعمالة والبعدِ عن القِيَم. هنا حسن صار حالُه كحال القاضي الذي وُصف بقول أحد الشعراء: لو قيل له خمس وخمس لاغتدى يوما وليلته يعد ويحسب.... خمس وخمس ستة أو سبعة قولان قالهما الخليل وأحمد

تلاطمت أفكار حسن وصُوَرٌ تُعرَض أمامه لذلك الزعيم الذي كان الدّرس عن تحسين الظن به تذكَّر أنّ هذا الزّعيم مانعٌ للصلاة فكيف يخشى على صلاته وهو محارب لها أتته صورة أبيه المعتقل؛ لأنّه قال مرة إن صورة الرئيس مائلةٌ فهل تقول لنا: إنّ الرئيس مائلٌ عن جادة الصّواب، هذه الكلمات كانت كفيلةً بحرمان حسن من أبيه خمس سنوات وإلى الآن محرومٌ حسن من الوظائف بسبب كلمة أبيه.

فقرّر حسن تحديثَ الشيخ ربما الشيخ لا يعلم -تحسينًا للظن به- فقبّل يدَ الشيخ وروى له قصته،  فكان جواب الشيخ: هذا جزاءُ سوء ظنِّ أبيك يا ولدي غفر الله له.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أستاذ مساعد في كلية الإلهيات بجامعة أتاورك.