بابيلون! ح 1

حيدر الحدراوي

[email protected]

يسير على طريقة الكبار , لا يهزه عصف الرياح , لا يحرك منه سوى الثياب , ثابت الاقدام  , لا يكترث لهزات الارض التي تحدثها الوحوش  من حوله ,  يغرس سيفه في اجسادها قدما , ناثرا لحومها في الفضاء , ساقيا الاديم بالدماء , سيفه ليس ككل السيوف , لم يصدأ ولم ينثلم , رغم كثرة مقارعاته للسيوف والفؤوس .

لاذت الوحوش الصغيرة بأخرى كبيرة , مناشدة للأمان , طلبا للمدد , لم تثنيه الوحوش الاكبر , رغم حجمها وكثرة عددها , رغم الضباب حولها , يراها ويعلم مكانها , يمضى قدما ذباحا لها , لم يرتجف ولم يتردد , يقظا يترصد حركاتها , غير عابئا بأنيابها او مخالبها , يسير والرعب يسير امامه .

اجبرها على التراجع , فلا نجاة الا بالهرب , دخلت حصونها ومغاراتها , بينما وقف وحيدا قرب الاسوار , ينتظر خروج المزيد , تفحص الجدران قائلا :

- ستهدم ... ستردم ... سوف لن تبقى لها باقية ! .

اتى الصوت من خلفه :

-الى الامام ... يا معلم ! .

-لا ليس بعد ... لديهم مدد ... نحتاج العدد ... واصلاح ما فسد ! .

هناك , في مكان بعيد , كان يراقب المعركة , الوحش الاكبر , مع وزرائه , تساءلوا جميعا :

-لماذا لا يقتحم ؟ .

-كان يمكن ان ينتقم ! .  

عند ذاك قال الوحش الاكبر :

-بل لم يجد له ندا ! .

ثم اردف :

- ماذا تنتظرون ... ارسلوا المدد ! .    

لكنه اختفى , توارى عن الانظار , فقال الوزير ذو العيون الخمس :

-لعله هرب ... او انسحب ! .

-كلا ... ليس في قاموسه كلمة هرب ... لم ينسحب ... ولم ينل منه التعب ... بل قولوا احتجب ! .  

فتحت البوابات , حلقت وحوش طيارة في عنان السماء , حاجبة ضياء الشمس , وانطلقت وحوش سيارة واخرى زاحفة , لا تمر على زرع او شجر الا هلك , ملئت اعدادهم البر والبحر , بحثا عنه , فلم يقعوا  له على اثر ! .

بينما هو قد انطلق نحو المدن , ليطلع على احوال البشر , لا زالوا مستعبدين , يضربون بالسياط على ظهورهم , تقيدهم السلاسل , مطأطأي الرؤوس , ارتسمت عليهم اعلى صور الذل والهوان , اعتصر قلبه حزنا على ما يرى , اقترب منهم , بل لامسهم , لكنهم لا يرونه , كلمهم , اسمعهم كلامه , ولم يعاينوا شخصه :

- اما آن الاوان لتستيقظوا ... حرروا اجسادكم من قيودها ... حرروا عقولكم ... أم انكم رضيتم  بحياة الاستعباد ... الذل  ... الهوان ... أفيقوا ... استيقظوا من سباتكم ... واعلموا اني لا زلت منتظرا صحوتكم ! .    

قالها ومضى , تركهم يتأملون ويفكرون , كأن احدهم افاق , فقال :

-الى متى سنبقى على هذا الحال  ؟ ! . 

قالها اخر .. واخر , لكن الكثيرين لا زالوا صامتين , حتى اطبقت الوحوش الطائرة على السماء , فتكلم آنذاك بعض الصامتين :

-هذا ما يزلزل القلوب ... بل ويقتلعها ! . 

حدق الجميع بتلك الوحوش الطائرة , لم يأبهوا لمطالبات الوحوش الراجلة لهم الاستمرار بالعمل , حتى ولم يشعروا بالسياط , فقد اعتادت عليها ابدانهم :

-استمروا بالعمل ... هذا ليس من شأنكم ! .

تساءلوا لما كل هذا الجيش ؟ ! , قال احدهم معللا :

-انهم يبحثون عنه ! .

-كالعادة ... سوف لن يجدوه ! .

-اذا انهم الان مشغولون بالبحث عنه ! .

-نعم .

التقت عينا احدهم بعيني الاخر , وقالوا بصوت واحد :

-اذا انها فرصتنا ! . 

داهما اقرب وحش , قتلاه , سلبا سيفه وعدته الحربية , ثم باغتا وحشا اخر , فصرعاه ايضا , دبت الشجاعة في البعض الاخر , هاجموا اقرب الوحوش لهم , تساقط جنود الوحوش واحدا تلو الاخر , ولاذ الاخرون منهم بالفرار , فاحتفل الثوار احتفالا بسيطا ببداية النصر , قال احدهم :

-لقد كان الامر بسيطا ! .

-لم نكن نتوقع انهم جبناء الى هذا الحد ! .

-دعكم من هذا ... وقولوا ماذا سنفعل للوحوش الطيارة ! .

-نعم ... لا زالوا محلقين غير مكترثين لما يحدث على الارض ! .   

توجه شخص منهم نحو قاذفات اللهب , تسلقها , القمها صخرة ملتهبة , ثم اطلقها الى عنان السماء , اصابت واحدا , خرّ هاويا الى الارض , بينما تناثرت جثث راكبيه في الفضاء , نالته الفرحة , فتمالك نفسه واطلق الثانية , والثالثة , اثناء ذلك هرع اخرون لتسلق قاذفات اللهب الاخرى , وشرعوا بالهجوم .

اربكت الوحوش الطائرة لهذا الهجوم غير المتوقع , اضطربت صفوفها , ثم بدأت بالانسحاب .

سرعان ما تفشت حالة العصيان في المدينة , تحولت الى ثورة , قادها  حالصبيعش , الذي اعلن سقوط المدينة بالكامل وتوليه زمام القيادة , اعاد الثوار تنظيم انفسهم ووحداتهم , تسلحوا بما غنموه من اسلحة جنود الوحوش , تترسوا حول المدينة , استعدادا لأي هجوم مباغت , قد يشنه جيش الوحوش لإعادة الاستيلاء عليها .

كان حالصبيعش وقادة الثوار يتوقعون هجوما في اقرب وقت , لكن الهجوم لم يشن , استغربوا لذلك , وتناقشوا :

-طالما وانهم لم يشنوا اي هجوما علينا لاستعادة المدينة ... لما لا نستبق الاحداث ونشن هجوما بدورنا على المدينة التالية ! .

-كلا ... سنعيد ترتيب صفوفنا ! .

-ننتظر ان يلتحق بنا المزيد من الثوار .

-او فلننتظر سقوط مدنا اخرى ... عند سماعهم بخبر ما فعلناه في مدينتنا .      

بينما هم كذلك , جاءت الاخبار بسقوط احدى المدن , و اوكلت قيادة الثوار فيها الى شخص يدعى ينامي الحكيم , ابتهجوا فرحا , وقرروا الاتصال فيما بينهم للتنسيق وتقديم العون .

                    **********************************

كان الوحش الاكبر يجلس في مقره , حين دخل عليه احدهم حاملا الاخبار :

-سيدي ... لقد تمردت مدينتين ... الاولى اصبحت تحت قيادة المدعو حالصبيعش والثانية يقودها ينامي الحكيم ! .  

انزعج الوحش الاكبر من هذه الاخبار المفاجأة التي لم يسبق لها مثيل , ولا حتى مقدمات , نهض من كرسيه غضبا .. صارخا :

-تمرد ... في امبراطوريتي ! .

حاول ان يهدأ غضبه , صرخ في الحاضرين بين يديه :

-استدعوا خنياس ذو العيون الخمس ! .

لم يمض وقت طويل , حتى مثل خنياس منحنيا بين يديه , بصوته الاجش :

-امركم سيدي ! .

-خنياس ... توجه نحو مدينة الاسوار ... ابقى فيها ... احميها ... وارسل جيوشك لاستعادة المدينتين المتمردتين ! .

-امركم سيدي ! .

بينما كان يروم الانصراف , جاءه النداء من الوحش الاكبر :

-خنياس ... لو استدعى الامر ان تحرق المدينتين فاحرقهما بمن فيهما ! .

-سوف لن ارحم احدا ... سيدي ! .   

بينما كان خنياس يهم بالمغادرة , سمع صوت الوحش الاكبر :

-احرص على ان لا يلتقي بالمتمردين ... ولا ان يلتقوا هم به ! .

-سوف لن اسمح بذلك ... سيدي ! .

هرعت كل شخصيات مدينة الاسوار لاستقبال خنياس , يتقدمهم حاكم المدينة , أدوا له التحية , اتخذ له مجلسا على كرسي القيادة , أقترب منه حاكم المدينة منحنيا متكلما بصوت منخفض :

-عذرا سيدي ... ما بال القيادة مهتمة بهذه الفقاعات المتناثرة هنا وهناك ! .

-يجب ان لا نتهاون بالأمر ! .

-لم نتهاون ابدا ... وها قد ارسلت القائد ينايفس ذو القلب الحديدي ... سيقضي عليهم مثل كل مرة ... كما وان لأسمه صدى وهيبة في قلوب جميع اهل المدن لما عرفوه به من شدة البطش والتنكيل ! .

-هذه المرة تختلف عن كل المرات السابقة ! .

-لم افهم ... سيدي ! .

-هذه المرة تحرك المتمردون وفقا الى اوامر منه ! .

-هو سبب كل المشاكل التي نعاني منها ... سيظفر به القائد ينايفس ويقتله شر قتلة ! .

-لا تبالغ ايها الحاكم ... ينايفس ليس كفؤا له .   

يتبع