تعدّدُ المكاييل : أصلٌ في الحياة ، ولا يمكن توحيدُها!

(العدالة : إعطاءُ كلّ ذي حقّ حقه .. والمساواة  ، بينَ غير المتساوين ، ظلم) !

تعدّد المكاييل ، في التعامل البشري ، سنّة ثابتة ، تمارسها المجتمعات الإنسانية ، كلّها : أفراداً وجماعات ، حكوماتٍ وشعوباً ! ولابدّ منها ، في أيّ تعامل إنساني ، في سائر المجالات ، وعلى مستوى الشرائع  والقوانين !

الله جل جلاله ، لم يسوّ، بين عباده ، لا في الحقوق ، ولا في الواجبات : فلم يسوّ بين الأعمى والبصير، ولا بين المؤمن والكافر.. ولا سوّى ، بين مَن آمَن قبل الفتح وقاتل ، وبين مَن آمَن بعد الفتح وقاتل.. ولم يسوّ بين المؤمنين ، أنفسهم : فهناك السابقون ، وأصحاب اليمين.. وغيرهم! بل ، لم يسوّ، بين رسله   (وتلك الرسلُ فضّلنا بعضَهم على بعض ..) ! وقد رفعَ الناسَ ، بعضَهم فوق بعض درجات ، ليتخذ بعضُهم بعضاً سخريّا ! 

(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) .

ورسول الله : لم يسوّ ، بين صحابته ؛ فهم مختلفون ، في الدرجات ، بحسب أعمالهم ، وفضائلهم، والتضحيات التي قدّموها ، لدعوة الإسلام !

والخلفاء الراشدون : لم يسوّوا ، بين المؤمنين ؛ فقد أعطى عمر، السابقين ، الذين قاتلوا مع رسول الله ، سهماً إضافياً ، من غنائم الحرب ، وقال : والله ، لاأسوّي ، بين من قاتل مع رسول الله ، ومن قاتل ضدّه !

وفي معاملة الأبناء : لايشتري الأب ، لباساً بحجم واحد ، للصغير والكبير، من أبنائه وبناته ، ولا يسوّي بين بارّ به ، وعاقّ له !

وحتّى في مجال العاطفة الإنسانية ، وأعلاها عاطفُة الأمومة ،  سئلت امرأة : أيّ أبنائك أحبّ إليك ؟ فقالت : الصغيرُ، حتّى يكبر.. والمريضُ ، حتّى يشفى .. والغائبُ ، حتّى يعود !

وفي التعامل التجاري : لايعامِل التاجرُ، شخصاً غريباً ، كما يعامل أباه وأخاه ، وصديقه ؛ بل يخفض للمقرّبين ، سعرَ البضاعة ، ويأخذ منهم ربحاً، أقلّ ممّا يأخذه ، من غيرهم!

وفي التعامل الدولي : ثمّة مبدأ ، اسمه : (الدولة الأَوْلى بالرعاية) ! فلاتعامِل أمريكا ، دولة مقرّبة منها ، كبريطانيا ، كما تعامل السنغال ونيجيريا !

القضاء : هو الجهة الوحيدة ، التي يُطلب العدل ، فيها ، بين الناس : داخلَ الدولة الواحدة ، بين أفرادها .. وعلى المستوى الدولي ، بين الدول ، في المحاكم الدولية ! وحتّى هنا ، في القضاء داخل الدولة ، تتفاوت أحكام القضاء ، بين الناس ، وتتفاوت ، بالتالي ، العقوبات ؛ فاشتراكُ شخصين ، في ارتكاب جريمة ، لايعني أنهما متساويان ، في الإجرام ؛ فثمّة فرق ، بين مجرم بسيط ساذج ، استُدرج ، إلى المشاركة ، في الجريمة .. ومحترف خطير، صاحب سوابق ! ولا بدّ ، من اختلاف العقوبة ، باختلاف الشخصيتين ، وأخلاقِ كلّ منهما ، وسيرتِه !

يمكن مطالبة ، مؤسّسة دولية عامّة ، مثل : منظمة  الأمم المتّحدة ، والهيئات المنبثة عنها ، بالعدل ، بين الدول المنضمّة إليها ؛ فهي منظمة ، أُسّست ، نظرياً ، لرعاية حقوق سائر الدول ، بلا تمييز، أوتحيّز ! ولكنّ أهمّ مجلس فيها ، وهو مجلس الأمن ، قائم – أساساً- على التمييز، بين الدول ؛ فخَمسُ دول ، فيه ، لها حقّ الفيتو ، ويَحقّ ، لكلّ منها ، إبطالُ كلّ قرار، لاتراه مناسباً لمصالحها !

أمّا الدول ، العظمى وغيرّها ، فتُعدّ مطالبتُها ، بتوحيد مكاييلها ، للعدل بين الناس ، ضرباً من العبث ، بعقول الناس ! فكيف يُطلب ، من أمريكا ، أن تعامل الصومالَ والهندَ ومصرَ، كما تُعامِل كندا وإسرائيل !؟ وكيف يُطلب ، منها ، معاملة باكستان ، في بيع السلاح الاستراتيجي، كمعاملة دول حلف الناتو !؟ بل ، التفاوتُ ، بين الدول ، قائم ، حتى داخل حلف الناتو ، في هذه المسألة ، وغيرها ! بل ، إنّ إسرائيل - وهي ليست من دول الناتو- تحظى بسلاح أمريكي متطوّر، لاتحظى ، به ، بعض دول الناتو! فالعلاقاتُ ، هنا ، والتعاملات ، تتفاوت ، بتفاوت المصالح؛ هذا إذا غابت (المبادئ والعقائد والإيديوجيات) !

أمّا على مستوى الشرائع ، فالأمور تختلف ، اختلافاً شديداً :

ففي كلّ شريعة ، نصوص  متنوّعة - ولاسيّما الإسلام والنصرانية واليهودية - ، وحول كل نصّ، فُهوم متنوّعة ، لدى أتباع الشريعة ، والفهومُ المتنوّعة ، تبنى عليها ، مواقف متنوّعة ، متباينة ، في كثير من الأحيان ، بعضُها سلميّ ، وبعضها عنيف !

ويتمحور الناس ، حول الفهوم : فمن كان في محور ما ، فهو مُخلص ، وذو صفات كريمة ، في نظر أتباعه  ، ويكال له بمكيال خاصّ ! ومن التزمَ محوراً فكرياً آخر، فهو عدوّ، تجب محاربته، من قبل أتباع المحاور الأخرى !

اختلف اليهود ، وانقسموا ، حول الفهوم ! واختلف النصارى ، وانقسموا ، واقتتلوا ، حول الفهوم، عبر القرون ! وليس ثمّة مقاييس موحّدة ، متّفق عليها ، بين مختلفي الفهوم ، أتباع الدين الواحد ؛ بَلهَ ؛ أتباع الديانات المختلفة  ! فالناس – غالباً – ( هذا من شيعته ، وهذا من عدوّه !) ، فمن كان من شيعته ، فهو مغفور الذنب ، مرضيّ عنه، وله مكيال الرضى ، ومن كان  من عدوّه ، فهو مُذنب - حكماً-  لمجرّد كونه مخالفاً ، وله مكيال السخط ! ولله درّ القائل :

أما الإجرام الواضح ، المتفق عليه ، لدى عامّة البشر، فيظلّ إجراماً ، لدى عامّة البشر! وأمّا ماكان ملبّساً لبوساً دينياً، فتختلف فيه، آراءُ الناس ، من أتباع الدين الواحد، حسب اجتهاداتهم، التي جعلوا منها محاور! وبالتالي ؛ لابدّ من أن يَنظرإليه ، اتباعُ الديانات الأخرى ، نظرة اتّهام، ثم تجريم : فالنصارى يُجرّمون ، لدينا - نحن المسلمين – أموراً ، نراها من صلب ديننا ، كما يجرّمون ، لدينا، أموراً، نجرّمها ، نحن ، عامّة المسلمين ، سوى أصحاب الاجتهادات/ المحاور، الذين صنعوها ! ونحن- المسلمين - نجرّم ، لدى النصارى ، أموراً يُجرمونها ، هم .. كما نجرّم ، لديهم ، أموراً ، يرونها من صُلب دينهم !

ويكفي ، أن يُحسب الخوارج - القدماء والمحدَثون- على أمّة الإسلام ؛ ليقيم الآخرون ، حجّة، علينا ، بهم ، وبأفعالهم ، التي ننكرها ، نحن ، قبل أن ينكرها الآخرون ! فالخوارجُ ، الذين كفّروا عليّاً، وخرجوا عليه ، واستباحوا دماء المسلمين ، ثمّ قتلوه ، وهو الخليفة الراشد، أمير المؤمنين.. لا يستطيع مسلم ، الدفاع عنهم ، بأيّ مكيال ، أو مقياس ، أو شرع ، أو عرف .. وإن كانوا ، هم، يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً .. ولله في خلقه شؤون !

وبناء على هذا ، كلّه ، يبدو توحيد المكاييل ، لدى أصحاب العقائد المختلفة ، عسيراً ! بل ، هوعسير، لدى أصحاب الفهوم المختلفة ، داخل العقيدة الواحدة ! فتوحيد المكاييل ، بين متشدّدي بعض المدارس الصوفية ، وبعض المدارس السلفية ، في بعض مسائل الاعتقاد والسلوك، قد يكون أصعب .. من توحيدها ، بين بعض المسلمين ، وبعض النصارى !

والذين سلخوا ، من أعمارهم ، سنين طويلة ، وهم يحاولون التقريب ، بين السنّة والشيعة .. لم يحصدوا ، من مساعيهم ،غير ضياع الجهود والأوقات ؛ لأن الشيعة ، يتقرّبون ، إلى الله ، بأن يكيلوا ( للنواصب !) بغير المكيال ، الذي يكيلون ، به ،لأنفسهم !

واليهود : الذي يستنكرون ، قتل يهودي واحد ، في العالم ، يَدرسون في تلمودهم – وصِلتهم به، أقوى من صلتهم بالتوراة - أقوال الربّيين ، عندهم : أنّ قتل النصراني ، هو من أهمّ القربات ، عند ربّهم ، وأنّ حرمة يوم السبت ، يجب ألاّ تمنع اليهودي ، من قتل النصراني ، إذا تأكّد ، من قدرته عليه ، ومن عدم رؤية أحد ، له ، وهويمارس قربته ، إلى ربّه !

وما زال الناس مختلفين ، من أقدم العصور ، وسيظلّون كذلك ، حتى يرث الله الأرض ، وما عليها ! ويوم القيامة ، يَحكم بينهم ، فيما كانوا مختلفين فيه ! أمّا في الحياة الدنيا ، فغالباً مايكون، للقوى المتنوّعة – العلمية والثقافية ، والحضارية والسياسية ، والاقتصادية .. - أثرُها ، في نشر عقيدة ما ، أو فهم ما ، في زمان معيّن ، ومكان معين ، وحسب الأجيال ، وأنشطتها المختلفة !

والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل !

وسوم: العدد 784