شهادة الأناجيل على نجاة "المسيح"

   ليس المسلمون وحدهم الذين يؤمنون بنجاة السيد المسيح، وانتصارهـ على خصومه؛ فالأناجيل المتداولة بأيدي النصارى تؤكد ذلك، وجميع العقلاء والمثقّفين من المسيحيين يعتقدون هذا الاعتقاد، ويسخرون مِمَّن يزعم غير ذلك! 

    لذا؛ فسنكتفي هنا بنقل الأدلة والشواهد على نجاة سيدنا (عيسى المسيح) وعدم قتله –التي في كُتُبهم المقدَّسة، وسنذكُر الطوائف والمذاهب المسيحية التي تؤمن بنجاة المسيح! 

   بداية؛ ما جاء في سِفْر إشعياء (الإصحاح 49: 2-8) وهو باعترافهم بشارة بنبوّة المسيح، قال: "في ظل يدهِ خبَّأني وجعلني سهماً مبريًّا. وفي كنانته أخفاني، وقال لي أنتَ عبدي الذي به أتمجَّد ... لكن حقي عند الربّ وعملي عند إلهي ....<إلى قوله> "في وقت القبول استجبتك. وفي يوم الخلاص أعنتك. فأحفظكَ وأجعلكَ عهداً للشعب". وهذا كلام صريح، في أنَّ المسيح عبد لله، وأنه سيحميه، ويجيب دعاءه، وينجِّيه ويحفظه.

   وهذا ما يؤكده –أيضاً- النص الوارد في حق المسيح (المزمور 91:9-16) يقول: "لأنكَ قلتَ ياربّ ملجأي. جعلتُ العُلا مسكنك. لا يلاقيك شر ولا تدنو ضربة مِن خيمتك. لأنه يوصي ملائكته بكَ لكيْ يحفظوكَ في كل طُرقك. على الأيدي يحملونكَ لئلاَّ تصدم بحجرٍ رجلك. لأنه تعلَّق بي أُنجِّيهِ وأرفعه. لأنه عرف اسمي. يدعوني فأستجِب له. معه أنا في الضِّيق أُنقِذه وأُمجِّده. مِن طول الأيام أشبعه وأريهِ خلاصي".

    ونجد المعنى ذاته في إنجيل (متى 27: 39) يقول: "أَعِنّي ياربّ إلهي، خلِّصني حسب رحمتك، وليعلموا أنَّ هذه هي يدك. أنت ياربّ فعلتَ هذا. أمَّا هم فيُلْعَنُون. وأمَّا أنت فتباركت. قاموا وخزوا. أمَّا عبدك فيفرح ليلبس خصمائي خجلاً. وليتعطَّفوا بخزيهم كالرداء. أحمد الربَّ جداً بفمي وفي وسط كثيرين أُسبِّحه. لأنه يقوم عن يمين المسكين ليخلِّصه من القابضين على نفسه".

   هذا صريح في أنَّ الله نَجَّى المسيح(ع) من القابضين عليه، وأنَّ يهوذا وقع فيما دبَّره لسيده؛ كما أشار إلى ذلك المزمور (109: 7) بقوله: "إذا حُوكِمَ فليخرج مُذْنِباً، وصلاته فلتكن خطيئة).

 وفي المزمور (34: 17-21): "أولئك صرخوا والربُّ سمع ومِن كل شدائدهم أنقذهم. قريب هو الربّ مِن المنكسري القلوب ويُخلِّص المنسحقي الروح. كثيرة هي بلايا الصديق ومن جميعها يُنجيه الربُّ. ويحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر. الشر يميت الشرير ومبغضو الصديق يعاقَبون".

  فهذه العبارات هي باعترافهم في حق المسيح كما في يوحنا (19: 36) وهي صريحة في نجاة (عيسى) وخلاصه من كل البلايا والمصائب، وفي عقاب أعدائه ومبغضيه، وقوله "يحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر" أدلّ على قولنا بعدم الصلب منه على قولهم بالصلب، لأنَّ الصلب يستلزم تفتيت عظام اليديْن والقدميْن، وهو شيء لا يمكن توقّيه في الصلب ولوْ بالحيطة والحذر الشديد ... فكيف إذا لم ينكسر واحد من عظامه؟!

  فالمعقول؛ أن المراد من هذه العبارة أن الله يحفظ جسمه كله ويصونه من كل أذى. أمَّا إذا صحَّ أنه صُلِبَ؛ فأيّ أذى أعظم مِن ذلك؟ وما معنى قوله: إنه ينقذه ويُنجِّيه ويُخلِّصه من كل البلايا ... فأيّ بلية أعظم من الصلب والقتل؟ ومِن أيّ شيء نجَّاه إذن؟

ويروي إنجيل [يوحنا: 7/32-34} "أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة الحرس ليمسكوا به، فقال لهم يسوع: "سأبقى معكم وقتاً قليلا، ثم أمضي إلى الذي أرسلني، ستطلبوني فلا تجدوني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أن تجيئوا".  وهذا كلام صريح في أنهم لن يجدوه، ولن يقبضوا عليه.

وقال يسوع: {أنا ذاهب، وستطلبوني، وفي خطيئتكم تموتون، وحيث أنا ذاهب لا تقدرون أنتم أن تجيئوا. فقال اليهود: لعله سيقتل نفسه، لأنه قال: حيث أنا ذاهب لا تقدرون أن تجيئوا.

وقال لهم يسوع: أنتم من أسفل، أمَّا أنا فمن فوق، أنتم من هذا العالَم، وما أنا من هذا العالم .. متى رفعتم ابن الإنسان، عرفتم أني لا أعمل شيئا من عندي، ولا أقول إلاَّ ما علمني الآب، والآب الذي أرسلني هو معي، وما تركني وحدي، لأني في كل حين أعمل ما يرضيه}.[يوحنا: 8/21-29].

وقال المسيح أيضاً (يوحنا 16 :33) "أنا لستُ وحدي لأنَّ الأب معي. وقد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام. في العالم سيكون لكم ضِيق. ولكن ثقوا أني قد غَلبتُ العالَم".

وهي بشارة من المسيح لتلاميذه؛ بأنَّ الله سينجِّيه وينقذه، وإلاَّ فهل يصحُّ أنَّ مَن كان الله معه، ومَن غلب العالَم؛ يغلبه أعداؤه ويصلبونه؟

   فهل هناك أدلَّة أوضح من ذلك على نجاة المسيح؟!

      ألاَ يكفي أنَّ الحواريين شاهدوه -بعد حادثة الصلب المزعومة– حياً، كما ورد ذلك في إنجيل لوقا: (وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم سلام لكم، فجزعوا وخافوا وظنوا أنهم رأوا روحا، فقال لهم: ما بالكم مضطربين، ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم، انظروا يدي ورجلي إني أنا هو، جسوني وانظروا، فإنَّ الروح ليس لها لحم وعظام كما تروني، وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه، وبينما هم غير مصدقين من الفرح ومتعجبون، قال لهم: أعندكم ههنا طعام؟ فناولوه جزءاً من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل، فأخذه وأكل قدامهم).

العجيب حقاً؛ أنَّ كل ما ورد عن الله –سبحانه- يؤكد عصمة المسيح وحفظه من أيّ أذى، كذلك كل ما ورد على لسان المسيح يؤكد أنه لن يمسّه ضرر، ولن يجرؤ أحد على إيذائه. أمَّا قصص الصلب والقبض عليه؛ فهيَ ليست بوحي، إنما هذا من نسْج الكَتَبة الكَذَبة وتلفيقاتهم؛ لذلك جاءت مملوءة بالتناقضات الفجَّة –كما يشهد بذلك فلاسفة المسيحية!   

  ورؤيا بطرس تؤكد ذلك: (وفي تلك الأثناء، صعد الرسول إلى السماء الثالثة). كما أن الكنيسة الأولى قد آمنتْ بأنَّ المسيح(ع) قد رُفِع يقيناً إلى السماء.

لذلك؛ أنكر فكرة الصلب كثير مِن فِرقهم في مبدأ النصرانية -أيْ قبل الإسلام- مثل: السيرنثيين Cerinthians والباسيليديين Basilidians والكاريوكراتيين Carpocratians والناتيانوسيين أتباع ناتيانوس تلميذ يوستينوس الشهيد الشهير، وغيرهم الكثير من فِرقهم القديمة.

يقول حكماء المسيحية: ليس المسلمون وحدهم، مَن ينكرون قتل المسيح؛ فالباحث في الوثائق التاريخية لا يجد أيّ دليل تاريخي موثوق يؤكد قصة وضع المسيح على الصليب. لكنه سيجد في كتب التاريخ وكتب النصارى أنفسهم تأكيدات بأنَّ كثيراً من الطوائف النصرانية ظلت منذ القرون الأولى وإلى الآن؛ تؤمن بأنَّ المسيح(ع) لم يُعلَّق على الصليب قط!

  فمثلاً يقول القديس الفونسوس ماريا دي ليكوري: إنَّ مِن رأيْ القرن الأول قول فلوري: (إن المسيح قوة غير هيولية، وكان يتشح ما شاء من الهيئات، ولذا لمَّا أراد اليهود قتله؛ أخذ صورة سمعان القروي، وأعطاه صورته، فصُلِبَ الشبيه، بينما كان يسوع يسخر باليهود). ويقول المفسِّر جون فنتون شارح إنجيل متى: (إنَّ الطوائف المؤمنة التي عاشت في القرن الثاني قالت بأنَّ سمعان القيرواني قد صُلِبَ بدلاً من يسوع).

   وهناك كثير من الفِرَق المسيحية التي تُنكِر حدوث واقعة صلب المسيح، ومِن تلك الفِرق:

الباسيليديون، والكورنثيون، والكاربوكرايتون، والساطرينوسية، والماركيونية، والبارديسيانية، والسيرنثييون، والبارسكاليونية، والبولسية، والماينسية، والتايتانيسيون، والدوسيتية، والمارسيونية، والفلنطانيائية، والهرمسيون. ومن أهم الفِرق المنكِرة لصلب المسيح الباسيليديون؛ الذين نقل عنهم كل من "سيوس" والمفسِّر "جورج سايل" القول بنجاة المسيح، وأنَّ المصلوب هو سمعان القيرواني، وسماه بعضهم سيمون السيرناي.

   ومن الفِرَق التي قالت بصلب شخصاً غير المسيح بدلاً عنه: الكورنثيون، والكربوكراتيون، والسيرنثيون. يقول جورج سايل (إن السيرنثيين والكربوكراتيين، وهما من أعلم فِرق النصارى، قالوا: إن المسيح نفسه لم يصلب ولم يقتل، وإنما صلب واحد من تلاميذه، يشبهه شبهاً تاماً، وهناك الباسيليديون يعتقدون أن شخصاً آخر صلب بدلاً من المسيح).

وثمة فِرق نصرانية أخرى قالت بأنَّ المسيح(ع) نجا من الصلب، وأنه رفع إلى السماء، ومنهم الروسيتية والمرسيونية والفلنطنيائية. وقد استمر إنكار صلب المسيح لاحقاً أيضاً، فكان مِن المنكِرين الراهب تيودورس (560م)،  والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص (610م)، وغيرهم.

  وإلى هذا اليوم؛ هناك كثير من الفِرق والطوائف، وكثير من المفكرين المسيحيين وآباء الكنيسة، الذين يؤمنون بما جاء في القرآن بإنكار قتل عيسى أوْ صلبه, مثل البروفيسور Gruden، والمفكر Arthur weigall في كتابه "الوثنية في مسيحيتنا"، والفيلسوف الألماني Goethe في "الديوان الشرقي"، وكذلك المستشرق والقِس البروتستانتي مونتجمري وات  Montgomery Watt الذي يقول: ما جاء به القرآنُ حق لاشك فيه، وأن هذا الإنكار أهم من المزاعم التي تقول بصلب المسيح. فليس هناك شواهد تاريخية موثوق بها عن صلب المسيح. والروايات التي وردت في الأناجيل عن قصة الصلب تتضارب تضارباً شديداً, حتى ليعجب الإنسان كيف تختلف الأناجيل في أصل هام من أصول الديانة. فلو كان أصلاً؛ لكان اهتمامها به متساوياً أوْ متقارباً. فهناك أربعة وثلاثون وجهاً من التضارب بين نصوص الإنجيل".

   وإذا تأمَّلنا فلسفة "الخطيئة والفداء" التي اخترعتها القوم؛ فلنسألهم: لماذا يدفع المسيح ثمن خطيئة أبيه "آدم" ألمْ تقُل لكم كتبكم أنه لا يُؤخَذ الابن بذنب أبيه؟ "النَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. الاِبْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الاِبْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ. وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ. فَإِذَا رَجَعَ الشِّرِّيرُ عَنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُ الَّتِي فَعَلَهَا وَحَفِظَ كُلَّ فَرَائِضِي وَفَعَلَ حَقّاً وَعَدْلاً فَحَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ». (حزقيال 18: 20- 22).

  الحقَّ أقول: إنَّ أساس المشكلة؛ أنَّ الذين يعتقدون بصلب المسيح؛ هم المؤمنون بالأناجيل الأربعة -والتي مازال كتبتها مجهولين -كما تقول دائرة المعارف الكتابية- فلم يروا المسيح ولمْ يسمعوه ولم يدركوه –كما يعترف النصارى جميعاً بذلك. أمَّا الأناجيل الأصح والأوثق والأقدم التي كتبها تلامذة المسيح فجميعها تنفي صلب المسيح، وفي مقدمتها أناجيل نجع حمادي، وإنجيل الديداكي، وغيرها. وحسبنا أن نشير إلى بعض ما ورد في بعض الأناجيل الحقيقية:  

   إنجيل بطرس:  يقول عن يسوع ما يلي: (رأيته يبدو كأنهم يمسكون به، وقلت: ما هذا الذي أراه يا سيد؟ هل هو أنت حقاً من يأخذون؟ أمْ أنهم يدقُّون قدميّ ويديّ شخص آخر؟ قال لي المخلِّص: من يُدخلون المسامير في يديه وقدميه هو البديل، فهم يضعون الذي بقي في شبهة في العار. انظر إليّ، وانظر إليه).

  إنجيل توما: وهو إنجيل يرجع إلى منتصف القرن الأول الميلادي –كما يقول المُحقِّق كويستر- يقول توما: إنَّ بديلاً عن المسيح(ع) هو من صُـلب -والكلام على لسان سيدنا عيسى(ع) كما يرويه توما: (لم أخضع لهم كما أرادوا. وأنا لم أمت في الواقع بل في الظاهر لكيلا يلحقوا بي العار. لأن موتي الذي ظنوا أنهم أوقعوه بي إنما أوقعوه بأنفسهم في خطئهم والعمى. إذْ مسمروا رجلهم على موتهم. لقد كان شخصاً آخَر الذي شرب المر والخل. لم يكن إياي. ضربوني بالقصب! لقد كان شخصاً آخَر الذي حمل الصليب على كتفه. لقد كان شخصاً آخر الذي وضعوا على رأسه التاج والشوك. وأنا كنت أضحك من جهلهم).

إنجيل برنابا: أقرَّ (برنابا) أنَّ الله ألقى شبه عيسى على يهوذا، وأنه رُفع إلى السماء. وقد مهد لدعواه بإعلان أن المسيح(ع) سوف يحيا إلى نحو منتهى العالم، وأن جبريل قد أخبره بخيانة يهوذا. ثم أعلن يسوع أن الله سيصعده من الأرض وسيغيِّر منظر الخائن (يهوذا) حتى يظنه كل أحد أنه يسوع (برنابا 112-15). ثم يؤكد برنابا بأن المسيح لم يوضع على الصليب أبداً، بل ألقى اللهُ شبهه على يهوذا، فصلب بديلا عنه. ومما قاله برنابا: (الحق أقول إن صوت يهوذا وشخصه ووجهه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه يسوع).

هذا ما تخبرنا به الأناجيل التي كتبها تلامذة المسيح، فهى تنفي حدوث واقعة الصلب والفداء وتنسف معتقدهم نسفاً .. وهذا هو سبب رفض النصارى لهذه الأناجيل!

فهل بقيَ بعد ذلك مَن يُصرّ على أكذوبة قتل المسيح أوْ صلبه؟!

 أخيـــراً؛ إنْ كان هناك معترِض؛ فليفنِّد أدلَّتنا، ثم يأتى لنا بأدلته التي تؤكد مزاعمه!

وسوم: العدد 836