بعد دعوة عيوش إلى اعتماد العامية في التدريس دعا المنبهي إلى اعتماد ما سماه لغة وسطى بين العامية والفصحى

من الأمثال السائرة قول أبي منذر الحارث بن عباد البكري الشاعر الجاهلي  المشهور وكان سيد قومه  : " عش رجبا ترى عجبا "،  وسبب قوله هذا  أنه لما شاخ ،وكان من المعمرين طلق إحدى زوجاته ، فتزوجها غيره ،وكانت تظهر لهذا الأخير من المحبة والمودة ما لم تكن تظهره للحارث ، وجمعت الظروف بين الحارث وبين زوج مطلقته، فأخبره هذا الأخير بمنزلته الكريمة من زوجته ،فقال الحارث  قوله الذي صار مثلا سائرا ، ومعناه أنه  ما بين رجب ورجب أي بعد انصرام حول  يرى الإنسان عجبا ، وهذا المثل يصلح لكل زمان لأن الحياة حمّالة مفاجآت ، وكلما دار حول على الإنسان إلا ورى عجبا .

وفي بلادنا ما عدنا نترقب رجبا لنرى عجبا بل صار كل يوم يحمل لنا عجبا . ولقد حمل لنا يوم أمس مقالا منشورا على موقع هسبريس  جاء فيه أن اللساني الدكتور محمد المدلاوي المنبهي ألف كتابا يدعو فيه إلى اعتماد ما سماه لغة وسطى بين العامية والفصحى لتعزيز القدرات التواصلية بين المتعلمين ، واقترح لتلك اللغة إملاء خاصا بها . وقد جاء هذا العجب بعد عجب عيوش الذي اقترح العامية لغة للتدريس ، ويبدو أن المنبهي قد لعب دور سمسار بين عيوش وبين من رفضوا اقتراحه ، واقترح حلا وسطا أو أمسك العصا من وسطها كما يقال ، ومعلوم أن العصا إذا أمسكت من وسطها تعذر قيامها بوظيفتها، فلا هي يتكأ عليها ولا هي يضرب بها .

إن اللغة الوسطى التي أجهد المنبهي نفسه في تأليف كتابا فيها هي المشكل الذي تعاني منه اللغة العربية الفصحى لأنها لا هي عامية ولا هي فصحى ، وهي مسيئة إليهما معا ، ذلك أن المتحدث بالفصحى  يبين ، والمتحدث بالعامية يفهم عنه ، ولكن المتحدث باللغة الوسطى يلحن في هذه ، وفي تلك .

ولا يمكن بحال من الأحوال أن تلحق هذه اللغة الوسطى بالفصحى ، كما أنها لا يمكن أن تسد مسد العامية لهجنتها ، والهجنة عيب .

ولقد ذكر مفكرون وأدباء من أصحاب الباع الطويل في اللغة العربية الفصحى من أمثال العلامة المرحوم الدكتور عبد الله الطيب الأديب والشاعر واللغوي السوداني أن أسلوب الصحافة، وهو ما سماه المنبهي لغة وسطى هو سبب تدني مستوى المتعلمين في البلاد العربية ، وذكر رحمه الله أن ذلك كان مقصودا لصرف العرب عن لغتهم  الفصحى .

ومعلوم أن رفع مستوى المتعلمين في التواصل بالفصحى إنما يقتضي السير على نهج القدماء حيث يبدأ تحفيظ الصغار  في سن مبكرة كتاب الله عز وجل وهو الذي يمثل اللغة العربية في أنصع صورها وفي أوج بلاغتها وفصاحتها ، وهذا الحفظ الذي سماه ابن خلدون بركة كما ذكر  ذلك الدكتور عبد الله الطيب،  كان هو بوابة الناشئة العربية إلى ولوج حدائق العربية الغناء صرفا ونحوا وبلاغة وتعبيرا وإنشاء .  وبعد صقل حفظ القرآن الكريم ألسنة الناشئة، تنطلق إلى غيره من النصوص البليغة بدءا بنصوص الحديث الشريف ، ونصوص عيون الشعر العربي ، وطريف النثر.

ولقد تأكد ما ذكره الدكتور عبد الله الطيب رحمه الله وغيره من أن ما يسمى التعليم العتيق هو الوسيلة الوحيدة إلى إعادة ما ضاع من العربية الفصحى عند الناشئة المتعلمة ، حيث حقق المتعلمون المنتمون إلى هذا النوع من التعليم نتائج باهرة  باتت تقلق دعاة العامية والوسطى  وغيرهما.

ولا مندوحة  للمدارس المغربية عن هذا التعليم العتيق من أجل إصلاح فساد ألسنة الناشئة المتعلمة . ولقد سفه الدكتور عبد الله الطيب رحمه الله زعم الذين يزعمون أن  مهارة الحفظ تؤثر سلبا على الفهم  ، وجزم أن الحفظ هو مفتاح الفهم ، وهو من هو  رحمه الله حفظا وفهما للغة العربية . وما سلك أحد سبيل التعليم العتيق إلا ظهر نبوغه ، ولو استعرضنا من سلكوا هذا السبيل فتألقوا  لضاق هذا المقال بسرد أسمائهم .

ولقد كان من المفروض أن يحذو الدكتور المنبهي  وهو المتخصص في اللسانيات حذو الدكتور محمد الأوراغي الذي لم يجد آذانا صاغية لدى الأوساط المسؤولة عن قطاع التعليم والتي لم تكلف نفسها مجرد النظر فيما يقترحه  للنهوض بمستوى تعليم العربية ، وهو مشروع رائد  ولكنه مع الأسف الشديد لقي الإعراض ،لأن الذين يكيدون للعربية الفصحى لا يريدون مثله حتى يفسح المجال واسعا للعامية وللوسطى وغيرهما،وحتى تبعد الشقة بين الفصحى وبين أبنائها ، وتصير إلى ما صارت إليه  اللغات البائدة، وبذلك يقطع الطريق على معرفة كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما يسهل تنزيل  مشروع خلع لباس العلمانية على المجتمع المغربي بعد تجريده من لباس أصالته الإسلامية .

ومعلوم أن المشروع العلماني له عدة جبهات منها جبهة التضييق على اللغة العربية الفصحى  لغة القرآن الكريم من خلال طرح بدائل العامية والوسطى، وهذه الأخيرة هي الداء الذي يقدمه المنبهي على أنه دواء .

ونأمل أن يتم التصدي لما قدمه السمسار بين الفصحى والعامية كما تم التصدي لمن دعا إلى استخدام العامية عوضا عن الفصحى في التدريس، علما بأن للعامية دورها في الحياة ، وللفصحى دورها، ولغيرهما دوره أيضا . وما دامت الفصحى لا تهاجم العامية ولا غيرها فإننا نستغرب استهدافها مع أننا على يقين من أنه يدخل ضمن مشروع خلق علمنة المجتمع المغربي العربي الأصيل  والذي تعد العربية الفصحى  مع الإسلام هويته ، وهي لغة تعايشت مع غيرها فيه لقرون  وأغنتها لو كان الفضل يشكر والجميل لا ينسى .

وإلى رجب آخر سنسمع بالمزيد من العجب.

وسوم: العدد 852