الجريمة في الشوارع

كانت الخامسة من بعد ظهر الخميس، عندما قُرع باب البيت، فتحت صاحبة البيت الباب لتجد أمامها مجموعة من جنود الجيش اللبناني.

«أهلا»، قالت المرأة.

«نحن نوزع إعانات غذائية»، أجابها جندي يحمل في يده مجموعة من الأوراق عليها أسماء القاطنين في المبنى، «أرجو أن تجلبي هويتك الشخصية، وتوقعي هنا».

«شكراً»، أجابت المرأة، «نحن لسنا في حاجة إلى المساعدة، لكن يمكنك أن تعطي حصتنا لناطور المبنى، فهو قد يكون محتاجاً إليها».

«آسف مدام، نحن نوزع إعانات على اللبنانيين فقط».

«ماذا»! سألت المرأة.

«هذه هي الأوامر».

«إذا هيك، نحن بطّلنا لبنانيين»، صرخت المرأة وأقفلت الباب في وجه الجنود.

المرأة بطّلت لبنانية، وكيان ذو الثلاثة أعوام ارتسم الهول في عينيه وهو يقول «صار انفجار وكان قريب كتير»، وجهه مغطى بنثار الزجاج والشحبار الأسود، ويامن ذو الأحد عشر عاماً خاف على أمه واحتضنها وهو يداري خوفه لحظة الكارثة، وجنّي الجريحة تحمل دماء أمها وهما تركضان في شوارع المدينة بحثاً عن مستشفى، وألكسندرا ذات الأعوام الثلاثة ماتت مضرجة بصوت الانفجار المروّع…

أما أنت يا الياس الخوري، يا فتى الابتسامة المزروعة على عينيك وشفتيك منذ خمسة عشر عاماً، فقد أخذت اسمي كي تعمّده بدمك، فجعلتني شبيهاً بمدينتي التي تبحث عن أحرف اسمها بين الركام.

٭ ٭ ٭

ماذا نقول لهؤلاء القتلة، وبماذا نعد أرواحنا بعدما قرروا دفن موعدنا مع الحياة؟

إنه اللامعقول، وأنا لا أتكلم فقط عن الانفجار الأمونيومي الذي حطّم ثلث بيروت، بل أتكلم أيضاً وأساساً، عن ردود الفعل السياسية على هذا الانفجار.

من المنطقي بعد كارثة إجرامية بهذا الحجم أن يُعلن رئيس الجمهورية استقالته، لأن حجم الخطأ الذي ارتكب لا يسمح له بأن يبقى حيث هو، رئيساً على الدمار.

ومن المنطقي أيضاً أن تستقيل الحكومة تحت ضغط عجزها عن تحمل مسؤولية أمن الناس، لا أن تستقيل تحت ضغط المناورات السياسية.

ومن المنطقي ثالثاً أن يجتمع المجلس النيابي، ويعلن حلّ نفسه.

ومن المنطقي رابعاَ، أن يتحرك القضاء بشكل مستقل، ويعتقل المتورطين في جريمة المرفأ وعلى رأسهم الوزراء المتعاقبون على وزارة الأشغال العامة، للتحقيق معهم، كمقدمة للتحقيق مع جميع زعماء العصابة الحاكمة.

ومن المنطقي أخيراً أن تتشكل حكومة إنقاذ وطني انتقالية، تتولى العمل على إخراج لبنان من الهاوية، وتقود إصلاحات جذرية تُنهي هيمنة المافيا الطائفية واللصوص والمصارف على البلاد.

لا شيء منطقي، المنطقي الوحيد كان الانفجار، فعندما يصل العبث بحياة الناس إلى حد وضع قنبلة موقوتة في المرفأ؛ أي في قلب المدينة، وتركها ست سنوات في عنبر مهمل، فإن انفجارها لسبب ما، يصير هو المنطقي الوحيد في بلاد اللامنطق والهذيان السياسي.

إنه الهذيان، بعضهم ينتظر الأساطيل التي أتت ولم تأتِ، وبعضهم الآخر ينتشي بانتصاراته على مدينة سقطت على ركبتيها. بعضهم ينتظر من الأم الحنون فرنسا أن تجد حلاً ما، وبعضهم الآخر يزداد ارتماء في الحضن الإيراني، معلناً لبنان ملعباً للصراعات الإقليمية.

هذيان ميشال عون وصهره يجعلهما يعتقدان أنهما فكا الحصار عن عهدهما «القوي» بسبب موتنا وحطام بيوتنا، وتشاطر نبيه بري يجعله يحاول أن يقنع نفسه بأنه المنقذ وبأن الإصلاح يصنعه الفاسدون والمرتشون واللصوص، وتنعّج سعد الحريري يوحي له بأنه عائد إلى السراي محمولاً على الركام، وتجبّر حسن نصر الله يجعله يعتقد أنه صار سلطة فوق السلطة.

نحن في مواجهة الهذيان وسلطة الجريمة.

لسنا أمام مريض عقلي يمكن معالجته، بل نحن أمام هذيان الجريمة.

مع انفجار المرفأ، انفجرت الحقيقة في وجوهنا، فنحن لا نواجه فقط مجموعة من اللصوص والأوغاد الذين لا همّ لهم سوى النهب، بل نواجه قتلة محترفين لم يكتفوا بافقارنا وتجويعنا، بل قرروا قتلنا في بيوتنا.

حتى البيوت صارت خطراً على من يقيم فيها.

مجموعات من القتلة المحترفين يحتلون مواقع السلطة، جاعلين من سلطتهم أدوات الجريمة المعلنة.

تاريخ هذا التوحش طويل ومعقد، لكنه وصل اليوم إلى ذروة وقاحته مع سلطة حولت وباء كورونا إلى أداة قمع، وجعلت من نكبة بيروت فرصة لتجديد هيمنتها.

لا ليسوا لصوصاً، ولا مجرد مافيات تقترف جرائم موضعية من أجل تسهيل أعمالها، بل هم قتلة محترفون، طموحهم أن يكونوا أكثر وحشية من النظام الأسدي وأشد قمعاً من أنظمة النفط الوهابية. بعضهم يقلّد ملالي طهران، وبعضهم الآخر معجب بصفاقة شيوخ إمارات الخليج. يختلفون في ولاءاتهم وعمالتهم للقوى الأجنبية، لكنهم يتفقون على شيء واحد، هو وضعنا أمام الخيار بين الركوع أو الموت.

نظام أخطبوطي يُطبِق على ضحاياه، ووحش متعدد الرؤوس يلتف على ما تبقى لنا من حيز حياة، كي يحكم الخراب الذي يلوك الكذب ويلتهم الضحايا.

انفجار نترات الأومونيوم فوق أشلاء بيروت رسم الحد الفاصل.

انتهت كل الأوهام دفعة واحدة.

انتهى وهم الرئيس القوي لتنكشف العونية بصفتها أعلى مراحل انحطاط المارونية السياسية، وانكشفت الشيعية السياسية بصفتها تقليداً مبتذلاً للمارونية السياسية، وانكشفت السنية السياسية بصفتها أداة صغيرة يمكن لممالك الرمل أن تتلاعب بها وتستغني عن خدماتها متى تشاء.

كلهم انكشفوا بمن فيهم صغار اللاعبين، كجنبلاط وجعجع اللذين لم يعارضا ويعترضا إلا لأن حيتان الطوائف الكبرى استأثرت لنفسها بالمنهبة الكبرى.

نظام الطوائف أفلس وصار عاجزاً عن أن ينتظم، بعضه ينهش بعضه، ومجمع الصوص يتآكل.

أيها الناس، انتهت الخيارات. إما نحن وإما هم.

نطردهم من السلطة أو سيقومون بقتلنا.

نطردهم أو سيطردوننا من بلادنا ويرمون بنا في بحر التهجير.

إما الدفاع عن حقنا في الحياة، وإما هيمنتهم على أشلائنا.

إما هم وإما لبنان.