ماذا يعني «تضامن» حكومات أوروبية مع إسرائيل؟

أظهرت بعض الدول الأوروبية مواقف منحازة بشكل كبير للحكومة الإسرائيلية على خلفيّة معركة الشيخ جراح والقدس وتداعياتها الكبيرة في غزة والضفة والداخل الفلسطيني والشتات.

كان موقف حكومة النمسا هو الأكثر تطرّفا وذلك بقرار رفعها العلم الإسرائيلي على عدد من المباني الرسمية أمس الجمعة، وأصدر المستشار النمساوي (رئيس الحكومة) سيباستيان كورتس بيانا قال فيه إنه «يدين بشدة الهجمات على إسرائيل من قطاع غزة» وأن «لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها ضد هذه الهجمات» كما صرّح وزير خارجيتها، ألكسندر شالنبرغ أن «لا شيء يبرر إطلاق أكثر من ألف صاروخ على إسرائيل من قبل حماس ومجموعات إرهابية أخرى».

أما الناطق باسم الحكومة الألمانية فظهر في مؤتمر صحافي ليؤكد بدوره أن إطلاق حركة «حماس» صواريخ باتجاه إسرائيل «يشكل هجمات إرهابية» وأن حكومة أنغيلا ميركل تدعم «حق إسرائيل في الدفاع المشروع عن النفس في وجه هذه الهجمات» وقد تعالت صيحات غضب في حزب ميركل، الديمقراطي المسيحي، بعد اتهام قيادية فيه لإسرائيل «بارتكاب جرائم ضد الإنسانية» مما أدى لاستقالتها من الهيئة العليا للحزب، ونشر فرع الحزب في برلين تغريدات اعتذارية، مع علم إسرائيل، قال فيها: «نقف مع إسرائيل».

وفي حين اشترطت ألمانيا على أي مظاهرات سلمية ضد السياسات الإسرائيلية ألا تتحول إلى فعاليات «معادية للسامية» فإن السلطات الفرنسية استخدمت هذا الاحتمال لحظر تظاهرة كانت مقررة اليوم السبت بطلب من وزير الداخلية جيرالد دارمانان، وقد علّق أحد محامي المنظمة الراعية للتظاهرة على ذلك بالقول إن «فرنسا هي البلد الديمقراطي الوحيد الذي يحظر مثل هذه التظاهرة» فيما استنكر أحد مسؤولي المنظمة «تواطؤ فرنسا مع دولة إسرائيل».

ترتبط هذه المواقف، في جزء منها، وخصوصا في المانيا والنمسا (مسقط رأس الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر) بقضية «الهولوكوست» اليهودي خلال الحقبة النازية. لقد تحوّل هذا الحدث التاريخيّ إلى مكوّن أساسيّ فاعل في السياسات الألمانية والنمساوية، بحيث يمسّ كل ما يتعلّق باليهود سلكاً كهربائيا شديد الأثر، وهو ما جعل النخب السياسية عموما تحت ضغط قاهر، وخصوصاً مع اشتداد سطوة اليمين المتطرّف.

غير أن المفارقة الكبيرة، وخصوصا فيما يتعلّق بالنمسا التي يتمثّل فيها اليمين المتطرّف ضمن الحكومة قد أوجد حلا يوازن فيه بين تراثه المعادي لليهود، وواقع الحال الجديد، بحيث يُستبدل كره اليهود، ومعاداة السامية، بكره المسلمين والتضييق عليهم، بحيث يفرغ منسوب العنصريّة لديه، ويتحالف موضوعيا، مع عنصريّة أخرى تمثلها حكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل.

ينسحب هذا الأمر، بالتالي، على الموقف الفرنسي، حيث يعمل رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون على امتطاء موجة اليمين المتطرّف الذي تتزايد سطوته وإعلانه عن قوته يوما بعد يوم عبر إصدار القوانين الواضحة في استهدافها للإسلام والمسلمين في فرنسا، وفي مواقف السياسة الخارجية، وكذلك في التدخلات العسكرية في أفريقيا، وصفقات السلاح لدول عربية تركب بدورها على جناحي التطبيع مع إسرائيل واستهداف الإسلام والإسلاميين.

لا تتجاهل حكومات يمين الوسط الأوروبية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الإسرائيلية، ولا تتغاضى عن مقتل عشرات المدنيين الفلسطينيين (بينهم، حتى الآن، 31 طفلا و20 امرأة) ومئات الجرحى من العدوان الوحشيّ، ولا تبرّر هذه الجرائم عمليا تحت دعوى أن «حماس» إرهابية، بل تمهّد الطريق، عملياً، لعودة مظفرة لأشكال النازيّة والفاشية الأوروبية الجديدة، التي تخطّط، كما أظهر بيانا العسكريين الفرنسيين الأخيران، لحروب أهلية أوروبية يكون المسلمون هذه المرّة ضحاياها بدل اليهود.

وسوم: العدد 929