الإسلاميَّات في "صادق أو القَدَر" لـ(فولتير) ( دراسة مقارنة-2 )

د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

1- المحور العام:

"القَدَر"، ذلك الاسم الذي اختاره للنصِّ (طه حسين)(1)، يدلُّ دلالةً تامَّةً على المِحور العامِّ والرئيس الذي تدور حوله القِصَّة. فقِصَّة "صادق" قِصَّة فتًى بابليٍّ اسمه (صادق)، كان ذكيًّا كريمًا مثقَّفًا، وكان إلى ذلك غنيًّا، أراد أن يحيا سعيدًا. لكن القَدر كان له بالمرصاد؛ فصُدِم في أوَّل حُبٍّ له، وواجه من طباع الناس الشريرة عنتًا شديدًا، ودفعه قلبه وعاطفته إلى حُبٍّ آخَر كاد أن يودي بحياته. فخرج هائمًا على وجهه، وتقلَّب في بلاد الله، من (بابل) إلى (مِصْر)، إلى صحراء العَرَب، إلى (البَصْرة)، إلى (سرنديب)، إلى (الشام)، ثمَّ إلى (العراق) مرَّةً أخرى، ليُعيد له القَدرُ اعتبارَه فيُصبح ملِكًا على دولة بابل.

2- الصِّراع بين الطبقات:

من محاور القِصَّة (الصِّراع بين الطبقات)، الذي يتمثَّل في المنافسة التي نشأت بين (صادق) و(أوركان)، قريب أحد الوزراء، "الذي خَيَّل إليه متملقو قريبه الوزير أنَّ كلَّ شيءٍ مباحٌ له"(2)، والذي اختطف أتباعُه الفتاة (سمير)- زوج صادق- وهي تصيح: "أي زوجي العزيز، إنَّني اُنتزَع انتزاعًا من أحبِّ الناس إليَّ"(3). وعلى الرغم من دفاع صادق عن زوجه، فإنَّ السلطان والكثرة غلبت الشجاعة؛ فلم يستنقذها من أيدي الغُزاة إلَّا وقد غرقت في دماء جراحها، وأصابه سهمٌ في إحدى عينيه فأحدث جرحًا عظيمًا.

وهذا الحدث، الذي جاء في الفصل الأوَّل من قِصَّة (فولتير)، يصوِّر قضيَّةً أزليَّةً، هي صراع الطبقات الاجتماعيَّة، وتجنِّي القويِّ على الضعيف. وذلك ضربٌ من ضروب المنقلبات الأليمة التي سيواجهها (صادق) في حياته، كما سنرى في حلقات الأسابيع المقبلة من الدراسة.

3- صراع العقل والعاطفة:

أحبَّ (صادق) (سميرًا) وأحبَّته، أو هكذا زعمتْ؛ لأنها قد تخلَّت عنه عندما علمت أن العَوَر سيُصيبه، واقترنت بمن كان لهما عدوًّا، وهو (أوركان)؛ فوقع صادق نَهْبَ النزاع بين عقله وعاطفته. وكاد هذا النزاع أن يودي بحياته، فطالت عِلَّته، إلَّا أنَّ العقل تغلَّب أخيرًا؛ إذْ قال لنفسه: "أما وقد لقيتُ هذا الجموح القاسي من هذه الفتاة التي نشأتْ في القصر، فسأتَّخذ لي زوجًا من بيئات الشَّعب"(4). فاقترن بـ(أزورا)، أحكم بنات المدينة وأحسنهن مولدًا. لكنه اكتشف أيضًا عدم وفائها؛ ما دفعه للانصراف عنها كسابقتها. كما يبرز هذا الصِّراع في قِصَّة حُبِّه للمَلِكة (أستارتيه)(5)؛ من حيث كان بين نار حُبِّه وتأنيب عقله وضميره ووفائه للمَلِك.

4- المرأة.. والعِشق:

كانت المرأة في قِصَّة "صادق" تدير الكثير من الأحداث، أو تدور حولها الأحداث الكثيرة بالأحرى. فهي، منذ بداية القِصَّة، تبدو أوَّل محرِّك للأحداث، وهي أوَّل من يقف معه البطل (صادق) في صراع. أحبَّ (سميرًا) لكنَّها ابتعدت عنه لمَّا علمتْ أنَّ العَوَر سيُصيبه. وكانت السيِّدة سمير نفسها تُوقِع الشِّقاق، بل العِراك، بين صادق و(أوركان)، الذي ينافسه عليها، والذي استطاع أن يخطفها من صادق ليتزوَّجها. ثمَّ لمَّا اقترن (صادق) بفتاةٍ أخرى، هي (أزورا)، لم تكن خيرًا من (سمير)، ولا حظُّ صادق معها خيرًا من حظِّه مع الأُولى؛ وقد انقلبت عليه في التمثيليَّة التي اصطنعها مع صديقه (كادور) ليكشف صدق وفائها، حتى كادت أن تجدع أنفه لتشفي كادور- الذي مثَّل معها دَوْرَ الحُب- من ألمه في الطحال.(6)

وللموضوع بقايا مثيرة نتطرَّق إليها في الحلقات الآتية من هذه السلسلة.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) العنوان الأصليُّ للقِصَّة "Zadig Ou La Destinnée"، أي: "صادق أو القَدَر"، واكتفيتُ بالكلمة الأُولى اختصارًا في بعض المَواضع.

(2) فولتير، فرانسوا ماري آرويه، (1979)، القَدَر، نقلها إلى العَرَبيَّة: طه حسين، (بيروت: دار العِلم الملايين)، 16.

(3) م.ن.

(4) م.ن، 18.

(5) هذا الاسم يعني: (عشتار). وعشتار: إلهة الحُبِّ والخِصْب والحرب، المعروفة لدَى (البابليِّين).

(6) يُنظَر: م.ن، 20- 21.

وسوم: العدد 1009