عظيمة يا مصر

سامي الأخرس

[email protected]

بحكم علاقاتي السياسية والثقافية والأكاديمية المنتشرة بمساحة ما من هذه الأسرة الصغيرة التي جمعها عالم التكنولوجيا والاتصالات، شاروتني صديقة من استراليا عن تنظيم جولة لوفد لمصر فكنت متحمس جدًا حبًا في إنعاش الأوضاع المصرية السياحية التي تعتبر عماد الإقتصاد المصري، ووسيلة التحدي التي تجعل من مصر تواجه كل ما يحدث من مؤامرات حولها خارجيًا وداخليًا، فكنت أكثر تفاؤل بأن مصر عائدة عائدة لدفئها وحياتها واستقرارها، لأن بها شعب عاشق لها، وأمة من حولها تحبها، كونها الشقيقة الأكبر.

وحرصًا على مصر حجمنا عن الكتابة عما يحدث بمصر، من أحداث ومتفرقات كل مؤشراتها كانت توحي بأن مصر قادمة على كارثة، وقادمة على مجهول لا يعلم مصيره أحد وسط صمت واسترخاء من بعض القوى السياسية والأمنية في مصر، وهي حالة ربما متشعبة الأسباب والأدوار، فرضتها العديد من الظروف والمتغيرات المحيطة بمصر وبعالمنا العربي غير المستقر سياسيًا واجتماعيًا تجاوز حالة التغيير وما يصاحبها من أحداث وتقلبات.

أمام ظل هذه الحالة وفجأة وبلا مقدمات كان يوم بكت فيه العيون والقلب بحرارة عما يحدث لشباب هو مستقبل مصر، وأملها يُقتل بلا أدنى ذنب سوى إنه مصري، لن أقول هنا أهلاوي أو زملكاوي أو بورسعيدي أو اسماعيلاوي، لا قُتل لأنه مصري، ولأنه من طلائع الثورة التي حاولت أن تأخذ مصر إلى واحة الحرية والديمقراطية، وتقود مصر إلى دورها الطليعي فكانت الحلقة متواصلة متصلة، ليست بعيدة أو مفصولة عما يحدث بمصر عامة، بل كان لها العديد من المقدمات خلال الأشهر الماضية، وأكثر المتفاؤلون كان ينتظر كارثة في مصر، لكن لم تكن متوقعة بتلك الإجرام، وهذا الحقد الغريب الذي أغل الصدور بأن تمتد الآيادي لقتل شاب صغير باسم للحياة وللمستقبل.

ماذا حدث؟

عند العودة ليوم الأربعاء الأسود الذي شهده ملعب بورسعيد المدينة الباسلة التي تحدت العدوان الثلاثي ووقفت سدًا منيعًا أمام أعداء مصر وردتهم على أعقابهم مهزومين مذلولين، فإن المشهد لم يعبّر عن شيء مفاجئ بل كانت مقدماته واضحة ومعلنة سلفًا، وكل المؤشرات كانت تؤكد على ذلك حتى اللحظة الأخيرة من أحداث أربعاء الجريمة فوق البساط الأخضر، استهدفت كل مقومات مصر ومستقبلها وخيرة شبابها وأمنها، وكينونتها كدولة وكشعب، وكذلك النيل من مصر الكبيرة وشعبها وشبابها الذي قاد ثورة تحدث عنها كل العالم ووقف منبهرًا أمامها، مستنبطًا منها العِبّر والوسائل للحرية الفعلية الصادقة، فكان السيناريو مُعد بدقة، ومنذ بدأ المباراة بدأت ملامح المذبحة تخط رائحة الدم على بساط الملعب في ظل صمت وسكوت وهدوء غريب من المشرفين على كرة القدم، والأمن سواء في الدولة أو الملعب، والسؤال الأكثر حيرة هل المؤسسات الأمنية المصرية غير قادرة على حماية ملعب كرة قدم، وجمهور كرة قدم؟ وهل كل مقومات الدولة المصرية أصبحت هشة لهذه الدرجة بأن تستمر المذبحة لمدة ساعتين ونصف دون التدخل من قبل هذه المؤسسات لمنع تلك الجريمة والكارثة التي فاقت جريمة إسرائيل في مدرسة بحر البقر؟

لا تقاس الأمور بتلك الآليات أو هذا التفكير أو هذا المنطق، بل تقاس بأن مصر تتعرض اليوم لمؤامرة كبيرة جدًا يشارك بها الإعلام المصري بدرجة كبرى، دفعتنا نحن كمتابعين عرب بأن نعرض من هذا الإعلام الذي أصبح يحقن الشباب المصري بحقن الحقد والدفع صوب تدمير مقومات مصر، وتنمية النزعات الفئوية الصغرى على حساب النزعات الكبرى لمصر المحروسة.

التباكي على ما حدث لن يجدي شيئًا سوى البقاء في نفس الدائرة التي ندور في فلكها، بل يجب البدء فورًا بقوى المجتمع المصري الرسمية والشعبية والاجتماعية، والوقوف وقفة جادة أمام مصر بدءًا من مجلس الشعب المنتخب الذي لا بد وأن يأخذ دوره الأساسي والرسمي، وكذلك وسائل الإعلام المصرية التي عليها أن تلفظ تجار السوق الإعلامي الذين أصبحوا يملؤوا كروشهم بالدم المصري، وكذلك المسؤولية الكبرى على عاتق الشعب المصري الذي يجب أن يقف وقفة جدة أمام البلطجة بكل أنواعها في المجتمع المصري من خلال دعم قوى الأمن المصرية ومساعدتها على القيام بدورها ومن ثم محاسبتها أمام تقصير دون العبث بمقدرات هذه الأجهزة المملوكة للدولة وللمجتمع المصري عامة وليس لفئة أو حزب معين.

" عظيمة يا مصر" بشعبك وبشبابك وبكل ما فيك، وهذه العظمة ليست عبارة نرددها بلحظة عاطفية أو لمجرد تعاطفنا مع الشباب المصري بل هي عبارة جسدها الشعب المصري عبر حضارة ممتدة بالتاريخ، وتضحيات قدمها المجتمع المصري بكل فئاته وشرائحة عبر مسيرة ممتدة بالمسيرة الإنسانية.