د.الترابي وحزم الفساد

الطيب عبد الرازق النقر

الطيب عبد الرازق النقر

الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

[email protected]

لعل الدكتور حسن عبد الله الترابي المفكر الإسلامي الذي يعجبني عقله، ويمتعني حديثه، قد قوّض ينابيع المسرة في قلوب محبيه، ودكّ عرى البهجة في نفوس تابعيه، حينما تحدث عن الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة، ودواليب الحكم، واصفاً إياه بأنه قد بلغ بضعاً في المائة، والبضع في لغة العرب بين الثلاثة والتسع. الأمر الذي جعل من لا تنقضي عن الدنيا شهوتهم، ولا تنقطع عنها رغبتهم، يمقتون موجد ثورتهم الأبية الذي وضع المبادئ، وحدد المطالب، وأملى الخطط، وليت الأمر اقتصر على الكراهية والبغضاء، بل ساموا شيخهم بخسف، وآذوه في نفسه وعترته وصحبه، فما وهن عزمه، ولا لانت قناته.

والشيخ الذي لربه ذكور، ولنعمائه شكور، وعن الخنا والشنار زجور، لم يلذ بأذيال الصمت، بل ظلّ يناوش الدهر، ويصاول الزمان، حتى أوقد جذوة النقد التي انطفأت مشكاتها في هذه الأمة حينما تحدث عن مواطن الزلل والخطل، وبصّر أشياع الأمس أعداء اليوم بمواطن الضعف والإصابة، وذكرهم مراراً بأن الدنيا دار حلالها حساب، وحرامها عقاب، فلم يأخذوا بالقول الفصل، والرأي الحصيف، فسلط الله عليهم شآبيب البلاء، وأمتحنهم بعداوات الرجال، وهل تعتقد الإنقاذ أنّ لها تميمة تقيها شر أقلامنا وهي التي شطحت عن جادة الحق والصواب؟.

أننا لا نروم أيها السادة إلا أن تعود الإنقاذ بعد الخمول نابهة، وبعد الذبول ناضرة، وبعد الهوان شامخة، وأن تقصي العقليات الضحلة الخرقاء التي لا تلهم عقل، ولا تشحذ خاطر،وأن تبسط قيم الحق والعدل التي ذهبت في الذّب عنها مهج عديدة، ذوت نضرتها على وهج القروح، وذابت حشاشتها على عرك الموت الزؤام.

إن الحقيقة التي لا يغالي فيها أحد أنّ كل شيء في الإنقاذ معتل يفتقر إلي علاج، فلا تجد آفة من آفات الحكم، ولا عاهة من عاهات السلطة، إلا ضاربة فيها بعرق أو واصلة إليها بسبب، فهاهو الفساد الذي أعلن عن وجوده في كل وزارة ومرفق، وهاهي الخزاية التي تخوض في أحشاء الليل البهيم، وأنفاس الفجر الندية، ترّوع الخلان، وتمزق البلدان، فلا أنس ينطلق في مجلس، ولا ذكر يتضوع في مسجد، بل ضعفٌ وذُل.

إن كينونة المجتمع السوداني الآن ضاربة في غياهب التردي والجهل، تائهة في سراديب التعصب والتشرذم، والفضل في ذلك يعود للنخب الانتهازية التي فارقت القضية، وتمسكت بأهداب الفانية العصية، ولعلي لا أمتطي صهوة الشطط والجموح إذا زعمت أنّ الإنقاذ قد سقطت وإن بقت على سدة الحكم، نعم سقطت حينما بددت الأقطار، ومزقت الأمصار، ودعت بدعوى الجاهلية، سقطت الإنقاذ وهي تحمل شبحاً قاتماً من سياساتها القمعية، ولن تجد جداراً تتكئ عليه، أو ملاذاً تفر إليه، إلا إعلان توبتها، وإذاعة حوبتها، والكف عن الطغيان، فما الشعب بأسرهِ إلا فئات رازحة تحت وطأة الظلم والاستبداد.

إن الإنقاذ وغيرها من الحركات المتخلفة العجفاء، قذفت الرعب في كل قلب، والشقاء في كل منزل، وجعلت الوطن أتون مستعر لا ينطفئ لهيبة، ولا يخمد نحيبه، كما أنها بسطت طنافس الفساد، وأرائك الاقتناء الحرام لكل راغب من أشياعها، أسال الله عزّ وجلّ أن تدرك الإنقاذ نفحة من نفحاته القدسية، ويجنبنا شرار البرية، ويجدد ما رثّ من دعوتها، ويجمع ما شتّ من وحدتها، ويصلح ما فسد من أمتها، انه نعم المولى، ونعم النصير.