هل تكون تونس شجرة خضراء مثمرة استثناءا

هل تكون تونس شجرة خضراء مثمرة استثناءا،

في غابة الاستبداد القاحلة؟؟

انغير بوبكر

باحث في شؤون التنمية والديمقراطية

[email protected]

"الأمة والمرأة لاتغتفر لهما تلك اللحظة ، التي تفقدان فيها الحذر ، فيتمكن من انتهاكهما اول مغامر عابر سبيل ".

كل المتطلعين الى الديموقراطية، الطامحين الى الانعتاق من الاستبداد والظلم  في العالم  تابعوا  فصول الانتخابات التونسية وايديهم على قلوبهم خوفا على التجربة الديموقراطية التونسية الوليدة التي  يتربص بها المتربصون في الداخل والخارج ، نجاح الانتخابات التونسية في نقل تونس من وضع الاستبداد  والحزب الواحد الى  تعددية سياسية حقيقية وتنافس سياسي حقيقي  كان ثورة ثانية  بعد الثورة الاولى التي اسقطت الديكتاتور زين العابدين بن علي  وعبدت الطريق امام التونسيين لاستنشاق نسيم الحرية والتعبير الحر وهذا النجاح يكذب بعض الطروحات التي كانت تعتبر العقل السياسي  المشرقي في مقابل  العقل الغربي ،.  عاجزا عن القيام بانتقالات ديموقراطية سلمية بل هو عقل جبل على الاستبداد والاقصاء وعبادة الشخص الواحد الاوحد  وقد كان المفكران  اللبناني الشهيد مهدي عامل والفلسطيني ادوارد سعيد  قد تصديا في كتبهما للنظرية الاستعلائية الغربية التي تعتبر الثقافة الغربية ثقافة عقل وتصلح لاستنبات قيم  الديموقراطية وحقوق الانسان وثقافة الشرق التي هي   ثقافة عاطفية غنوصية بلغة  المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري  لا تحتمل ولادة الديموقراطية والفكر الحر ومن قدرها المحتوم العيش في ظلمات الجهل والامية والجاهلية السياسية لذلك كتب المفكر المهدي عمل كتابا  عنونه بسؤال استنكاري : هل العقل للغرب والقلب للشرق ؟  وكان في الحقيقة الكتاب ردا على ادوارد سعيد نفسه.  مايهمنا في ذكر هؤلاء المفكرين ان نقول بان  الانتخابات التونسية اثبتت امكانية التحول الديموقراطي في بلداننا واثبتت خطأ بعض الطروحات الفكرية والسياسية الاستشراقية  التي ربطت بين تخلفنا السياسي وبين جيناتنا الوراثية اي ان قدرنا المحتوم كبلدان متخلفة سياسيا واقتصاديا وثقافيا  هو ان نركن في زاوية البؤس والتهميش والظلامية بمعناها الواسع ابد الدهر ، لكن لحسن حظنا ، التجربة الديموقراطية التونسية الوليدة  بعلاتها و بتخوفاتنا المشروعة بعودة بعض  فلول النظام البنعلي المقبور  فوتت الفرصة على المشككين بقدرات شعوبنا على التغيير نحو الافضل واعطتنا  فسحة امل ضرورية لنقل التجربة التونسية الى امكنة  مختلفة من محيطنا السياسي ومكنت من تجاوز ما اسماه الدكتور خالد الحروب في احدى مقالاته "الاعاقة الاستراتيجية العربية  واستعصاء الحلول " ومكنت التجربة التونسية من الانبعاث من جديد فيما اسماه الدكتور الطيب التيزيني في كتابه بيان في النهضة والتنوير العربي "الحطام العربي "  وان كنا لا نتفق مع المفكرين في تسمية منطقتنا بالمنطقة العربية، لان في التسمية بعد اثني لا يحترم الاثنيات والثقافات والاعراق الاخرى ، ولكن هدفنا من هذا المقال ان  نبين لمن يشكك في قدرات شعوبنا  في تحقيق التغيير

 

،ان بامكاننا القطع مع الاستبداد والثقافة الظلامية السائدة اذا توفرت الارادة السياسية الحقيقية وكان الشعب مستعدا للتضحية بكل معانيها، لكن تساؤل مشروع يطرح نفسه بالحاح لماذا نجح التونسيون في ما فشل فيه غيرهم من السوريين والليبيين والمصريين  واليمنيين والعراقيين  ؟ الجواب عن هذا التساؤل المشروع اشكالي ولا ينحصر في زواية نظر واحدة ولكن في نظري المتواضع ارى بان ضعف موارد تونس الطبيعية قوة في حد ذاته، اي ان الخاصية المشتركة بين معظم الدول التي فشل فيها الانتقال الديموقراطي دول غنية بالموارد الطبيعية من غاز وبترول وبالتالي تحولت نعمها الى نقم متوالية عليها ، بفعل التطاحنات الداخلية من جهة على الموارد بين التشكيلات القبلية والطائفية من جهة والتدخلات الاجنبية السافرة من جهة اخرى –بتعبير ادق الدول الاجنبية وشركاتها لايهمها الديموقراطية في عالمنا المتخلف بل تسعى جاهدة الى ابقاء انظمة او حالة سياسية تسعى من خلالها الى تأبيد سيطرتها الاقتصادية والسياسية وهذا ما ينعكس على قمع ارادة الشعوب وقواه الحية التي تريد التحرر السياسي والقطع مع التبعية الاقتصادية ، الثورة  التونسية  كانت  محظوظة لان بلدها لاينعم بثروات بترولية ولا يحتوي على تباينات طائفية ومذهبية داخلية رغم ان الفرنسيين مثلا والغربيين على درجات مختلفة كانوا من محتضني الطاغية بن علي وازلامه وكلنا يعرف قصة وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة التي كانت في عز انتفاضة التونسيين تغدق الدعم السياسي على نظام بن علي وتقضي عطلة نهاية السنة في  مسابح وفنادق سوسة، قبل ان يجهز عليها الشعب التونسي ويفضح التواطؤ الرسمي الفرنسي مع  نظام الديكتاتور بن علي ،  بل ربما تكون ايادي خارجية وراء نجاح بعض بقايا حزب بنعلي في الانتخابات الاخيرة   ولكن رغم ذلك يمكن اعتبار التجربة التونسية بداية جيدة يمكن التاسيس عليها.

ما يبعث على الامل كذلك في التجربة التونسية الجديدة  هو موقف حزب النهضة من انهزامه النسبي في الانتخابات اذ عبر الحزب وقيادته   عن موقف سياسي حكيم و رائع يعبر عن نضجه السياسي وارادته في انجاح المسار الديموقراطي التونسي اذ ان الحركة سارعت الى الاعتراف بالهزيمة  وتهنئة التيار الفائز اي نداء تونس  وهذا موقف ينذر وجوده في بلدان التخلف السياسي  ولكن النهضة فهمت رسائل الداخل  واستوعبت تهديدات ودروس الخارج  فالنهضة  قد تكون خسرت هذه الجولة الانتخابية ولكن تونس الدولة ربحت الاستقرار والانفتاح السياسي وهذا هو المهم  ، مرة اخرى تستطيع تونس ان تقود قاطرة الامل لدى شعوبنا فبعد شرارة البوعزيزي التي الهمت حماس شعوبنا ، ها هي تونس الثورة الثانية تواصل اعطائنا العبر وتطعمنا بجرعات التفاؤل بامكانية تحقيق احلامنا الديموقراطية المهدورة والمجهضة في بلداننا ، لكن الحذر واليقظة مطلوبة من سعي بعض الاطراف في الداخل والخارج من وقف الزحف الديموقراطي التونسي فالارهاب  الاعمى والاستبداد السياسي المعشعش في بلدان الجوار  يمكن ان يشكل ثورة مضادة  لذلك وجب الحذر وصدق الرئيس المنتهية ولايته منصف المرزوقي اذ حذر من ذلك في  حملته الانتخابية الرئاسية الثانية اذ حذر الشباب التونسي من مخاطر عودة الاستبداد السياسي وانتصار قوى الثورة المضادة فقد صدق قائل القولة المأثورة التالية التي اخدتها عن الدكتور الطيب التيزيني : الامة والمرأة لاتغتفر لهما تلك اللحظة ، التي تفقدان فيها الحذر ، فيتمكن من انتهاكهما اول مغامر عابر سبيل .