بوتين يقتل ويبيد. والجعفري يجتاح. ونتنياهو يشارك. والأسد يعزل

بعيدا عن مخرجات مؤتمر الرياض ..

بعيدا عن مخرجات مؤتمر الرياض

مع كل ما يمكن للسوريين أن يعلقوا عليه من مؤتمر الرياض بمخرجاته كافة ؛ فإن أهم تعليقين على المؤتمر هما تعليق كيري وزير الخارجية الأمريكية الذي وصفه بالقول : ( جيد ولكنه غير كاف ). وأكد أن المطلوب من المجتمعين أن يقدموا أكثر وعبر عن ثقته أنهم سيفعلون . ثم تعليق لافروف وزير الخارجية الروسي : لاشيء في الرياض جيد . وهؤلاء المجتمعون لا يمثلون المعارضة ولا يصلحون لتشكيل وفد للتفاوض مع الأسد . من معاني لافروف أن وفد المعارضة السورية الذي سيفاوض الأسد يجب أن يرضى عنه الأسد. وهو المعنى نفسه الذي كرره الأسد للإعلام الإسباني بأنه ( لن يتفاوض مع إرهابيين ولا مع من حمل السلاح ) . وأخطر ما في الأمر أن كيري سيكون في موسكو غدا الثلاثاء ليستمع إلى اشتراطات لافروف ثم يطلب من جماعة الرياض الوفاء بها ...

ونعود من أجواء مجموعة الرياض إلى الواقع العملي إلى الإعصار الحقيقي الذي يضرب الأرض السورية :

بوتين يبيد أطفال سورية ونساءها

وأول معطيات هذا الواقع التصريح الأكثر عدوانية وتبجحا وقسوة وخرقا للقانون الدولي الذي صدر عن الرئيس الروسي: بأنه سيضرب بكل القسوة كل من يشكل خطرا على وجوده في سورية . التصريح الذي حول المحتل الروسي من محارب للإرهاب كما تذرع إلى قاتل لكل من يتوقع هذا المحتل منه خطرا أو تهديدا سواء كان هذا الذي يشكل الخطر طفلا أو امرأة أو تجمعا مدنيا في سوق شعبي ...

وبينما بلعت قوى المعارضة السورية وهياكلها وتنظيماتها وأحزابها وجماعاتها هذا التصريح ، وهي ما تزال تصر على اعتبار روسيا شريكا وليس عدوا ، فقد مضى الطيران الروسي في تنفيذ حرب إبادة وتطهير مذهبي وأوغل في قصف المدارس والمساجد والأسواق الشعبية وأبواب الأفران ومراكز بيع الخبز والمواد الاستهلاكية في ملف موثق غارق بدماء السوريين ، الذين يدير المجتمع الدولي الظهر لهم ..

نتنياهو الشريك الحاضر والفاعل

وفي أتون الحمم التي تصبها الطائرات الروسية على اللحم الحي للمستضعفين من السوريين ، تنقل الصحف الإسرائيلية خبرا مفاده ، أن القيادة العسكرية الإيرانية بدأت بسحب مقاتليها من سورية !! تفعل ذلك بعد أن استحر فيهم القتل برأينا ، أو على خلفية النزاع الاستباقي الإيراني - الروسي على مستقبل سورية حسب الرواية الإسرائيلية . وإن مما يؤيد الخبر الإسرائيلي الذي سبقت إليه الصحف العبرية تأكيد نتنياهو أن رجاله يعملون على الأرض السورية تحت المظلة الروسية . إن العمل تحت المظلة الروسية لا يمكن أن يكون إلا ضد الثورة ولمصلحة بشار بكل تأكيد ، وهذا يعزز الخبر الإسرائيلي لأن للإسرائيليين مصادرهم الموثقة للأخبار على الأرض والمقربة من القيادات العملياتية هناك ولاسيما الروسية – الإيرانية - الأسدية ..

قائد الحرس الثوري الإيراني : يعلن العزم على ابتلاع أقطار عربية

والذي يضعف الخبر الإسرائيلي من جهة أخرى إعلان( محمد علي جعفري) القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني عزمه على محو الحدود (محوها وليس فتحها ) بين إيران والعراق وسورية ولبنان . مؤكدا أن إيران تقاتل في سورية عن وجودها ، وتدافع عن حدودها ، على الشواطئ الشرقية للمتوسط ...!!

وهذا التصريح على خطورته ، وعلى ما فيه من جرأة على القانون الدولي ، واستهتار بميثاق الأمم المتحدة ، لم يزعج أحدا من رجال المؤسسات الدولية المعنية . ولم يعتبره أحد رافعة للإرهاب كما يتهمنا البعض عندما نتلو من كتاب الله ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة ..) أو عندما ننشد : بلاد العرب أوطاني ...

وهذا التصريح الخطير ، لعلم الذين يتصدرون المشهد السياسي في سورية بل على الصعيد الإقليمي العربي والإسلامي ، لم يصدر عن رجل دين ، أو عن أحد الملالي قد دبت في رأسه الحميا وغلب عليه الحماس ، فخار وأرغى وأزبد ، وإنما صدر عن زعيم أكبر ميليشيا شعبية منظمة ومدربة ومسلحة وممولة في العالم : ( الحرس الثوري الإيراني ).

ميليشيا الحرس الثوري الإيراني

 هذه الميليشيا التي لا يصنفها أحد منظمة إرهابية ، والتي لا تشكل التحالفات الدولية لمواجهتها وتفكيكها ، ولا تتوافق كل برلمانات العالم المتحضر على حربها . فلقد واثقتهم من أول يومها أنها مهما كانت شعاراتها فهي لن تقتل غير عرب ومسلمين . هذه الميليشيا التي من فصائلها حزب الله والحشد الشعبي العراقي ولواء أبي الفضل العباس وفاطميون وزينبيون .. وتضم تحت جناحيها فصائل من كل البلدان والأعراق وعلى كل شبر من الأرض ، فصائل عاملة وفصائل تنتظر اليوم الموعود ... بل هي الميليشيا التي يزعم بعض العارفين أن تنظيم ( داعش ) الذي يعلن كل العالم الحرب عليه اليوم أداة من أدواتها لجر الحرب والنقمة على العرب والمسلمين، وتشويه صورتهم ، وتدمير بلادهم ، وإشعال غضب الدول والمجتمعات ضدهم ...

ومع كل ما تضمنه تصريح الجعفري من تهديدات ودلالات خطيرة على ثلاث دول عربية منها سورية وإنسانها وعلى المنطقة شعوبها ومستقبلها فقد مر التصريح عفوا رهوا ، لم يتوقف عنده أحد ، ولم يرفع بشأنه أحد شكوى إلى مجلس الأمن ، كما فعل العبادي من أجل مائتي جندي تركي تم طلبهم للمساعدة على التدريب وليس للاحتلال . التهديد الإيراني الجعفراوي يهدد بأكثر من احتلال ، فتهديده في حقيقته تهديد بالابتلاع والتذويب والاستيطان ، وهو الوجه الآخر لعنوان حسن نصر الله وبشار الأسد بأن حربهم في سورية حرب وجود . ومع كل ما مر لم نسمع كلمة تنديد أو استنكار أو إدانة من أحد . ليبقى الغياب في عالم قادة المعارضة سيد الموقف . وليظل العجز أروح القرارات . التهرب من تحمل المسئولية موقف تاريخي سيحيق بأهله ، ولن ترحم المتسترين بظلال شرعية الوهم أو الوهن أو العصبية الأجيال .

جرائم الحرب على الأرض السورية تثمر عزلا طائفيا ...

اعتبر القانون الدولي حصار المدن والبلدات والأحياء جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي . ولكن بشار الأسد الذي كنا نظنه متسلطا فقط على الدستور والقانون السوري يدوسه هو وأتباعه كلما شاء ووقتما شاء يظهر لنا منذ انطلاقة الثورة السورية قادرا هو وحلفاؤه على دوس القانون الدولي ، والاستهتار به دونما محاسبة أو نكير ..

سنوات مرت ومدن وبلدات وأحياء سورية تعيش تحت قوس الحصار الشامل . الحرمان من الغذاء والماء من الدواء ومن الكساء ومن أبسط مقتضيات العيش الآدمي البسيط . عندما ووجه بشار الأسد مرة بهذا وسئل عن مصير المدنيين المحاصرين والأطفال الممنوعين من جرعة الحليب ، قال بكل وقاحة مجرم الحرب المتبجح محملا المسئولية لمن يسمونهم الإرهابيين : كما يُدخلون السلاح إلى تلك المناطق فليدخلوا لهم الطعام والشراب ..

انتهاكا للقانون الدولي ، ودوسا على كل ما يعتبر من مواثيق حقوق الإنسان استمر الحصار المضروب على المدن والأحياء السورية على الزبداني ومضايا وعلى بلدات الغوطة و مخيم اليرموك وحي جوبر وعلى قرى القلمون وعلى حمص وعلى حي الوعر فيها . ومع الجريمة المتمادية التي كان كل المجتمع الدولي بما فيه المنظمات الإنسانية شريكا فيها أثمرت هذه الجريمة هذه الهدن التي تعتبر الإدانة الصارخة لكل ما يقال له قانون دولي أو شريعة لحقوق الإنسان .

وأبشع ما في الجريمة أنها تتم تحت إشراف الجهة التي يوكل إليها دوليا وإنسانيا مكافحة الجريمة ...

وأبشع دلالات الجريمة ما نفذته وتنفذه قوات الأسد وعصاباته من تمييز بين السوريين على الهوية الطائفية . ثم ما تمارسه من عمليات تطهير طائفي ، وترانسفير مذهبي يحدد طبيعة النوايا ، وحقيقة المسار . تفريغ وتهجير لسكان على الهوية وتجنيس وتوطين لسكان آخرين على هوية أخرى . ث

أيها السوريون : إن الغفلة عجز . وإن التغافل تهرب من تحمل المسئولية: يا أبا ذر إنها والله أمانة . وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا لمن أخذها بحقها ...

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 646