في مواجهة الوهم

 كل ما نعيشه الآن في هذه الزمن التاريخي، يسير بجنون نحو الانفجار والانهيار. انفجارنا الإنساني. انفجارنا الأخلاقي. انفجارنا المجتمعي. انفجارنا الاقتصادي. انفجارنا الذاني. انفجار عالمنا ومنظومته الحضاريّة؛ فلا يعقل أن تشهد الإنسانية كارثة بهذا الحجم، ولا تستطيع أن تقدّم حلا سياسيا أو دعماً إنسانيا حقيقا شاملا، يوقف المأساة التي يشهد فصولها العالم في بث حي، بل يسهم بشكل ما في الكارثة وفي إطالة الحرب وتصعيد الإرهاب وتصنيعه، سواء بعجزه عن الفعل، أو بتقاعسه، أو بدعمه المباشر والمستور.

 يتحمّل السوريون الذين يواجهون نظام بشار جزءاً من مسؤولية إطالة الحرب، بسبب انسياق كثيرين وراء وهم الدعم العالمي السياسي، وخلف كذبة الحضارة الإنسانية العالميّة وحقوق الإنسان المعولم.... ويتحمّل السوريون المسؤولية عندما تتصرف كل مجموعة على أنها النخبة والمختارة والنخبوية؛ فتسقط في مجاهل الخطأ والخطيئة والنزاع، لتحقيق سلطة ونفوذ ومصلحة، متناسية أن لا سلطة دائمة لها، ببقاء نظام مستبد طاغ مدعوم عالميا، وأنّ عليها أن تتوحّد مع الآخرين، رغم الاختلافات، لإسقاطه.

 في النكبات والكوارث والحروب تتغير طبيعة الأشياء والأفكار والعقائد والمسالك ويتحتم على الشعب الذي يقاوم الاستبداد والقمع والحرب، أن يتخطّى كل الخراب والدمار، لتطوير نسق فلسفي أخلاقي وإنساني صالح للاتكاء عليه كمرجعية وطنيّة حضارية وأخلاقية تنهض به وبعزيمته في مشروع تحرّره.

 لا شيء في الحرب إلا غريزة الحياة في مواجهة واقع الموت. الموت قدر لا مجال للهرب منه أو تأجيله. وفي الحرب التي يشنها نظام الاسد يقف الانسان السوري في لحظة مواجهة مريعة لمكافحة الموت على مدار اللحظات، وبشكل عنيف شرس مؤلم؛ فقد فرض عليه الواقع أن يخوض الصراع، وربما يأخذه إلى آماد واسعة... الخائفون يتركون مقاعدهم في هذه المعركة. والسوري داخل المعركة، لم يعد يرعبه الموت، وهذا يمنحه قوة أكبر للمضي نحو هدفه؛ فلا خيار أمامه سوى أن يخوض هذا الصراع حتى يلفظ أنفاسه الاخيرة، ليس لأجل البقاء، فقط، بل للنهضة من ركام المأساة، فيصير للحياة معنى آخر. غاية عظيمة تستحق النضال .

 المشهد المأساوي السوري بقدر ما يثير في النفس البكاء والتفجّع، يثير في الفكر والإرادة التحدي والمقاومة ...؛فهناك، خارج مرمى البراميل والصواريخ والقنابل وكل أشكال التعذيب، عبقرية الحالة الكفاحية السوريّة، وهي غير ما اعتاد عليه مدمنو الطقس الفجائعي والنكبوي. الجانب المأساوي المظلم ليس كل شيء. هناك جانب منير إيجابي هو الحلم الذي يسعى إليه الشعب مكافحا القهر.

 لكنْ، بالتزامن مع واقع الكفاح والبطولة والتضحية في مواجهة القهر والموت، تتسع حالة الفوضى والغوغائي، وتتفاقم نزعة تقديس الذات والغرور الأحمق، ويتسع التطرف الساذج بمعنى (الإطلاق)، فإما خطأ مطلق أو صواب مطلق. هذا الواقع الجديد المحمل بالمخاطر والكوارث والمشاكل والانقسامات، سييهيّء، حتما، لحراك فكري وسياسي جديد يلمّ شتات الواقع ويضبط الشتات الإنساني السوري، ويوقف تبديد المشروع الوطني ويصقل الهوية، وهو ما يستدعي أن يجمع المفكرون والسياسيون والعلماء والمربون كل جهودهم، بعيدا عن اسئلة نظريّة فارغة من الواقع، لبناء مرجعيات عقلانية وأخلاقية وإنسانية، تفهم طبيعة الواقع ومنطق المصالح والمنافع، وتستند إلى روح الشعب؛ فالناس تسير على المصالح. والناس تمشي على النظام الذي يحقق لها إشباع ذاتها وتلبية مصالحها وأمنها، أو تعود إلى فساد الجهل وأقبية الاستبداد بما اعتادت عليه وتكيّفت معه وانكفأت عليه...

 كذبة تمّ تصديقها ضمن حالة الفوضى والوهم وغياب الوعي؛ أن أنظمة العالم الغربي ستسند ثورة سوريا سياسيا وحقوقيا، لكنّها لم تدعم الثورة حتى في زمن سلميتها. وأبقت الطاغية وميلشياته وشركاءه يديرون الثورة المضادة و آلة القتل في الشعب. الإحساس بالتبعيىّة لنخبوية الغرب ونقص الوعي التاريخي جعل المعارضين والسياسيين والمثقفين يتوقعون دعما سياسيا وحقوقيا عالميا، لكنّ العالم الغربي المتمثّل في المنظومة الغربية العقائدية والسياسية، غير ذلك، ولن يقبل بشعب ناهض يبني دولة قوية تهدّد مصالحه في منطقة الشرق العربي الإسلامي، وتقوّض هيمنته الثقافيّة. دعم العالم لدويلات كردية وأقلويّة، وتزييف التاريخ، يقع ضمن ذلك، وهو شبيه بدعم كيان إسرائيل المصطنع ودعم الزعم التاريخي في حقها السياسي بالمنطقة، بالتالي فإن الثورة السورية ومشروع بناء دولة حرة مستقلة هو أمر مرفوض؛ دوليّا؛ لأنّه خطر على المشاريع الاستعماريّة. عند فهم هذه النقطة يتضح أن أصدقاء الشعب السوري إما خرافة سياسية، أو ندرة.

 لأيّ واقعٍ نظامٌ، حتى وإن كانت الفوضى نظامه. البشر مطواعون بحسب الظروف. ومن لديه فكر ومبدأ من الصعب تغييره. أما صاحب الهوى؛ فيتغير بأي ريح تمدّه بالمنفعة أو المكسب. العقيدة قد تكون تفكيرا راسخا غير واع، موروثا بالعادات ومتأصّلا. مجموعة أفكار متوارثة وليس إيمانا عميقا ونطرية ورؤية بالضرورة. ولذلك الإنسان الذي لا يؤمن يقينا يتخلّى، بسهولة، عن معتقداته، أو يتمسك بها بجهالة. وهذا يضعنا أمام مشكلة كبيرة يواجهها المجتمع السوري بين أفكار باهتة موروثة غير ملائمة صار تفكيكها ضرورة لكن، يشغّل ذلك حراك مخفي ممنهج مضاد، يسعى لإثارة الغوغائية والجهل واستثمار مقولات الحرية، مقابل إرث التخلف والقهر لتهديم البنيان الذاتي للإنسان والتشكيك بالأمة، تدعمه سلسلة منظمات ومؤسسات سياسية وتنمويّة وإعلامية. وبين أفكار غير ملائمة يجري الانتماء لها بشكل أعمى "كداعش"ليجري استغلال قراءات مغلقة متشددة للإرث الديني، بشكل يهدم الهوية أيضا ومدعوم بتصنيع دولي للإرهاب.

 لا تستقيم الخطوط المرتعشة الهادمة للهوية أو الفاقدة لرؤية مهما حاولت رسم أفق جديد متين؛ فقلب طاولة المفاهيم والأفكار والمنظومات الثقافية كلها لإعادة ترتيبها برؤية عدل وحداثة وكرامة وحرية هو حتمية؛ لكن ليس لتهديم كيان أمة عريقة في التاريخ . واقع الفوضى يترك الأمور تسير في مطبات شخصنة الأمور وفرزها غوغائيا، وتحويل الصراع الوطني إلى صراع اشخاص وجماعات وفصائل، وليس صراعا مع منظومات عقيمة وانظمة قاهرة وعقليات بائسة. القضية السورية ليست مفصولة عن القضايا العربيّة االتحرريّة. والنفوذ الاستعماري مشروع يجري محاربة كل من يعاديه، أو يعاكسه بنيويا. وحتى يصبح للقضية السورية صداها الأخلاقي النبيل بعيدا عن الشفقة المؤقتة والأحاسيس المتفجّعة التي تولدها النكبة والكارثة، لا بد من إجماع حامليها على نبل مقصدها وغايتها، والتوحد على رسالة وطنيّة ناصعة الوضوح، بلا لبس أو مواربة.

 ليس بالأمر الأخلاقي احتقار التضحيات العظيمة التي يقدمها الشعب السوري للحرية. نقد الوسائل التي تمارس شيء إيجابي مهم، أما إدانة الثورة بالحرب والفوضى والخيانة فخطأ فادح؛ لأن الثورة جاءت ضد القهر الراسخ من عقود، لبناء نظام حرية ورأي وعدل وكرامة. والحرب المأساوية المرافقة لها أمر طبيعي نتيجة الحرب المضادة، وحرب الاستقلال والتحرر.. لا يحتمل الموضوع تشكيكا في المقصد ولا انتقاصا من نبالته بسبب الأخطاء؛ لكن من يأخذها ذريعة ليشكّك في مشروع التحرر والانقضاض على الثورة؛ فضد مشروع التحرر والنهضة، لأن الثورة في النهاية حراك تاريخي بمعنى المطالبة بالحقوق الأساسية في الحرية والكرامة والعدل، حتى وإن ارتبط بالإشكاليات الكثيرة. مشروع الثورة هو نهضة بكل المسميات والمعاني: بناء فلسفة وعمران فكري ومغزى إنساني حضاري.

وسوم: العدد 668