الفنان الفلسطيني د.عماد صالح

حاورته: ميسون أسدي

[email protected]

خمسون عاما من المنفى والأمل!

***أنتج أربع اسطوانات موسيقية وغنائية  ولاقت رواجا واسعا في فرنسا وأمريكا،***صدر له أربعة دواوين شعر وقصص قصيرة تحاكي فلسطينيته***والده "احمد صالح"، أصله من صفد وأمه "شهيرة علو"، أصلها من طيرة حيفا وسكنوا في حي وادي النسناس*** عاد الينا بجواز سفر أجنبي، وليس كفلسطيني ابن هذه البلاد***الماركسية تحدد نظرتك لكل شيء وتصبح منهج حياة وسلاح في يدك***

*أعلمني الصديق نزار خمرة، بأن هناك فنان فلسطيني، اسمه عماد صالح، يقطن في فرنسا وهو الآن يقوم بزيارة لأقاربه في حيفا، ويمكن إجراء لقاء صحفي معه، حتى تتعرف عليه جماهيرنا داخل البلاد..

إلتقيته في بيت عائلة "علو" وهي عائلة مهجرة من بلدة الطيرة بقرب مدينة حيفا،  عماد صالح له صلة قرابة مع هذه العائلة ومع عائلة "عابدي" في حيفا.

هو دكتور في موضوع علم النفس ويعمل في جامعة "تور" الفرنسية- جامعة فرانسوا ربليه ومدير مركز التعليم المهني للشباب والفتيات الفرنسيون، يتعلمون المهن ويديره منذ عام 2003.. عازف وملحن ومغني وشاعر.. فلسطيني ولأول مرة يزور فلسطين.. نزل ضيفا على مدينة حيفا.. متزوج وولديه: "شمس"- 19 سنة، وهالة- 10 سنوات، والد زوجته من أصل عربي ووالدتها فرنسية.

**ملحن ومغني

يقول د. عماد: تعلمت الموسيقى في سوريا على يد الأستاذ المرحوم زيد حسن آغا، وأنتجت حتى الآن أربع اسطوانات، غناء عربي تم توزيعه في فرنسا وفي أمريكا، وجميع أغاني الاسطوانات مستوحاة من شعر محمود درويش وسميح القاسم وأشعار لي أيضا.. أول أسطوانة أنتجتها عام 1978، والثانية 1981،والثالثة 1996، والرابعة 2008.. الأغاني بصوتي وأنا لحنت ووزعت الموسيقى جميعها، ما عدا الثالثة التي ساعدني فيها حسن آغا.. وكان هناك نجاح واسع لهذه الأغاني في أوربا وأمريكا، ويندر أن اذهب إلى البلدان العربية بسبب قلة الفراغ. وكانت هناك العديد من المناسبات للحزب الشيوعي الفرنسي، وكنت اغني فيها.

**بين حلمي والقدس

وعن الشعر يقول د. عماد: أول ديوان صدر لي عام 1999 بعنوان "بين حلمي والقدس" وهو ويتناول الوضع الفلسطيني من الانتفاضة الأولى حتى عام 1999 والديوان الثاني كان بعنوان "ارض الميعاد".. ارض ملعونة.. يتحدث عن الفلسطينيين وركزت فيه على جنين والثالث اسمه "خمسون عاما من المنفى والأمل"، وهو عبارة عن قصص قصيرة احكي فيها عن طفولتي وعن النكبة والوضع العربي.. والرابع ديوان شعر بعنوان "صلاة نور".. كتبت في مجلة "انوال" مجلة اليسار المغربي

، عن قضايا تحرر المرأة العربية بالتحديد، وعن المواقف الماركسية من قضية تحرر المرأة.

**أنا من جيل النكبة

ويضيف د. عماد قائلا: أنا من جيل النكبة، ولدت في حمص/ سوريا في، ودرست في حمص حتى البكلوريا وبعدها سافرت إلى فرنسا، ودرست الفرنسية لمدة سنة، ثم التحقت بالجامعة هناك.. أبي "احمد صالح" أصله من صفد وأمي "شهيرة علي" أصلها من الطيرة من عائلة "علو" وتربطنا صلة قرابة مع عائلة عابدي، سمعت من والدي أنه عندما تزوج من أمي، سكن في حي "وادي النسناس" في حيفا، والبيت الذي سكنا به ما زال موجود ومغلق من قبل "العميدار".. وحدثتنا جدتي- أم أبي- عن جمال أراضي الزيتون والتين في بلادنا، التين ألبياضي والصفاري والحماري واللوز الفرك والرمان. كانوا "عايشين ومرتاحين" في هذه الديار، عاشوا في سلم وأمان مع اليهود قبل الحرب العالمية الثانية وبعد تدفق اليهود إلى فلسطين، ساءت العلاقات.

**لأول مرة أزور بلادي

ويعلق د. عماد: تاريخيا، البلد تعني لنا شيء واحد: "الهوية والتاريخ والذاكرة"، رغم البعد، حلمنا كان أن نرجع إلى بلادنا، وهذا لم يحدث، أهلنا لم يرجعوا ورجعنا بجواز سفر أجنبي عدنا كأجانب وليس كفلسطينيين.. لا نشعر بغربة لأن أهلنا الذين استقبلونا هم من جعلنا نشعر أننا في بلدنا، وهذا أهم شيء.. في بلدنا ومع أهلنا: "مازن خمرة" و"خيرية علو".

**من اجل السلام مع مغنية إسرائيلية

عن سعيه للوطن يقول د. عماد: عشنا حياتنا على حلم، ناضلت من اجل فلسطين ليس فقط عبر الفن بل بكل ما استطعت إليه سبيلا وكنت أول فنان فلسطيني غنى من اجل السلام مع إسرائيليون يؤمنون بحق شعبنا بإنشاء دولة فلسطينية، غنيت مع المغنية الإسرائيلية "سارة الكسندر" التي توفت قبل شهر، غنينا في فرنسا وأوروبا وأمريكا وجلنا في كل مدن أمريكا. وغنينا في المعهد العالمي العربي في باريس من اجل السلام. وفي اكبر مهرجان أمريكي، تحت أسم "الماء النقي"، ونظمه "بيتس سيجر" اكبر مطرب يغني فلكلور وملتزم في أمريكا وهو الذي أثر في أغاني "بوب ديلون" ويعتبر أستاذه وهو من دعاني إلى أمريكا عام 1984.

ويضيف: عبر نضالات فنية وكتابية أخرى، قمت بالكثير من اجل الوطن وشعرت بأن هناك من اخذ مكاني سرق هويتي، وهذا هو الشعور الذي جرحني كثير.. عشنا حياتنا بدون هوية فقط هوية لاجئين.. الدولة الوحيدة التي وهبتني الجنسية هي فرنسا ولم أتنازل عن هويتي الفلسطينية وعندما انتهت وثيقتي الفلسطينية ذهبت إلى سوريا وجددتها.

**سرقوا حياتي، شخصيتي وهويتي

هنا لي تاريخ واعرف تاريخ أهلي وأجدادي.. جئت إلى ارض بها تاريخ، تاريخ سلخوه وهناك محاولة لمحي كل تاريخنا وآثارنا، محو الآخر، إلا وهو أنا.. اشعر أن هناك غريب جلس محلي في بيتي، لو كانت الأمور طبيعية كنت سأعيش هنا وأتجوز فلسطينية ولكن كل شيء بالعكس، سرقوا كل شيء.. سرقوا حياتي، شخصيتي وهويتي، أنا ابحث عن آثارنا، ذهبت إلى صفد لأرى آثار من والدي، وجئت إلى حيفا مكان معيشة والدي، بيتنا مغلق وما زالت آثاره موجودة..

**النضال بالفن

-التقيت مع محمود درويش في باريس وسميح القاسم زرته مرة واحدة، وذهبنا إلى قبر محمود درويش وياسر عرفات للزيارة.. أن تكتبي عن الموسيقى وهذا هو المهم وهذا هو التعبير الحقيقي للذي يعيش في الغربة ويغني لفلسطين ولسميح القاسم ومحمود درويش.. الموسيقى تقول لك الجواب، شو بتشعري مع الموسيقى من يشعر بالغربة كيف يشعر ويحس بلاده وماذا يامل لشعبه.

**الموسيقى للكبيرهات!!

ويتذكر د. عماد قائلا: منذ نعومة أظافري، عندما كنا صغار، كانوا أصدقاء أهلي يقضوا عندنا سهرات و"أبو خضر" من "بيت الرفاعي" كان يعزف على العود وأنا عمري (10) سنوات، أحببت الموسيقى، وبدأت أهواها وقلت في نفس: يوما ما سأتعلم الموسيقى وفي المدرسة كنا نأخذ دروس في الموسيقى وكانت علاماتي صفر في الموسيقى، هناك طلاق بيني وبين الموسيقى". قلت لـ"هاني شموط" شقيق الفنان التشكيلي المعروف "إسماعيل شموط": أحب الموسيقى ويوما ما سأصبح موسيقي فقال لي بسخرية: احلم كما شئت؟

ويضيف: بعدها تعلمت الموسيقى، عن طريق نادي دار الفنون في حمص، على يد الأستاذ "زيد حسن آغا" الذي لحن لفيروز وماجدة الرومي.. وسألني الأستاذ زيد: لماذا تريد تعلم الموسيقى؟ فقلت له: أريد أن أقدم شيء لفلسطين عبر الموسيقى، وأردت العزف على الجيتار، سألني: عندك آلة موسيقية؟ فقلت: لا... فوكل عازف جيتار الفنان "أنور سمعان"، بتعليمي مقابل أن يشتري أغراض لبيتي ويساعد زوجتي، وتعلمت الموسيقى على يد أنور سمعان وبعدها على يد حسن آغا، لمدة خمس سنوات بشكل مكثف، ثم ترك أستاذ سمعان حمص وبدأت اعزف مكانه مع فرقة في سوريا، وبدأت ألحن عندما تركت سوريا.

ويعلق: أربع سنوات تعلمت وعملت في الموسيقى بالسر، لأن أهلي لم يريدوا ذلك وقال أبي: أن الموسيقى هذه للكابريهات وليست مهنة محترمة.. وبعد أن عرفوا أهلي لم يعجبهم الأمر.. لكن كنت قد أنهيت تعليمي وسافرت إلى فرنسا.. وأول اسطوانة أرسلتها لأستاذي الأول وكان يعزف مع عبد الحليم حافظ وعندما وصلته الاسطوانات أنبهر، وبعث لي برسالة وقال لي أنا معجب ومتأثر من انك وصلت لهذه المرحلة.. وعندما زرت سوريا زرته وأبدى استعداده بالتلحين والعزف لي.

يستدرك د. عماد- لحسن حظي أني التقيت بالأستاذ زيد حسن آغا جاء بعد 20 سنة وسجل معي اسطوانة "شمس أدونيس" عود وكمنجة وقانون.

**ماذا فعلت بي الماركسية وماذا فعلت بها!

وعن فكره الماركسي يقول د. عماد: الصعوبة كانت الدرب وليس الدرب هي الصعبة، دخلت الماركسية عبر رفاق من الحزب الشيوعي السوري وتابعت بنفسي مع رفاق فلسطينيين وفرنسيين وتابعت ثقافتي الماركسية وتبحرت بالإيديولوجية الماركسية، وأكثر ما أحببت هو الفلسفة الماركسية، المادية والديالكتيك التاريخي.. خلال دراستي موضوعي علم اجتماع وعلم النفس في فرنسا، درسنا سنة كاملة عن كتاب "رأس المال" لكارل ماركس وأهميته التاريخية.. الماركسية، تحدد نظرتك لكل شيء وتصبح منهج وسلاح في يدك، عندما تعتمدي على منهج علمي، تدركين بأن من يقرر التاريخ هو صراعات الطبقات.

**الفلسطينيون في فرنسا

لا يوجد جالية فلسطينية في فرنسا، لان عدد الفلسطينيين لا يتجاوز الـ 1000 شخص ولأن لغتنا الثانية بالأصل هي الانجليزية، وليست الفرنسية، لذلك لا يوجد جالية ونشاط حقيقي، يوجد جمعية ولكن لا يوجد نشاط حقيقي له وزن، ولا يوجد عندنا قياديين يساهموا في تكوين جالية، القضايا السياسية غلبت على القضايا الإنسانية، لم يقوموا بالدور المطلوب، ممثلين الفلسطينيون في فرنسا عليهم واجب لم يقوموا به بشكل كافي. مقصرين تجاه شعبهم، يعملون في الحقل السياسي أكثر!!

**أسطوانتان

أهداني د. عماد، أسطوانتان: "لو كان لي" و"شمس أدونيس".. ويشارك في العزف معه في هذه تلك الاسطوانتين، كل من: عازفة الناي روسية وعازفة البيانو فرنسي، عازف العود مغربي، عازف الإيقاع فرنسي وآخر تونسي، عازف الاوكرديون برتغالي، عازف الجيتار والمغني والملحن هو د. عماد نفسه، وقام بتأسيس هذه الفرقة منذ (8) سنوات. الموسيقى هي موسيقى شرقية بحتة وتم مزج المقامات الشرقية مع الغربية.. يمتاز أسلوبه الموسيقي بالطابع الكلاسيكي البحت المعبر عن البساطة والصفاء، والموسيقى تعطي النص حيوية وحياة جديدة للنص.. ويقول د. عماد: إن مقطوعة "غابة الزيتون" عملت عليها (6) شهور، وهناك بيانو يعزف مقامات شرقية بحتة، وهي تعبر عن شعور الغربة، وشعور الناس المنفيون وفي ذات الوقت يوجد أمل، وهي مبنية على مقام النهاوند والغربيون يشعرون بشرقيتها، ونحن الموسيقيون كل واحد منا يعمل بتوزيع مختلف عن الآخر، أنا فتحت المقامات الشرقية على المقامات الغربية.

ويبرز في الأسطوانتين أشعار محمود درويش وأشعار سميح القاسم وأيضا أشعار د. عماد نفسه، وهناك ترى أن الكلمات هي جزء من اللحن، بحيث تتداخل مع بعضها، وكأن الكلمة آلة موسيقية أخرى في هذا العمل الرائع.

**أحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

وينهي د. عماد حديثه قائلا: حلمي الأكبر أن أحضر يوما ما إليكم، أن يكون سلام في هذه البلاد وهذا أهم شيء، وهكذا تكمل الدورة...