مفاهيم ينبغي أن تصحح (1)

حيدر قفه

عندما تُطلق كلمة "مفاهيم" وواحدها مفهوم، إنما تعني بذلك مجموعة الصفات التي تنطبق على أمر معين، فتشكل تصوراً عاماً لهذا الأمر. فمفهوم الحرية يعني كل الصفات التي تمنح الإنسان قدراً من الانطلاق، ومفهوم البِرِّ يعني كل الصفات التي تجعل الأمر مقبولاً ممدوحاً... وهكذا.

والمفهوم له أثر على سلوك الناس، ذلك أن ما استقر في وجدانهم من فهم لأمر من الأمور يجعل تصرفهم مطابقاً لهذا المفهوم ولا يخرج عنه، وبذلك يزاولونه دون غضاضة، كما أن الاعتراض عليه قليل.

والإسلام عندما جاء غَيَّرَ كثيراً من المفاهيم الجاهلية، ليحل محلها مفاهيم إسلامية تواكب وتتناغم مع الدين الجديد والعصر الجديد. كمفهوم الانتماء، كان في الجاهلية للقبلية فأصبح للعقيدة، ومفهوم النُّصْرة للقريب ظالماً أو مظلوماً، فأصبح كف الظالم عن ظلمه... وهكذا.

وفي كل تطور حياتي في المجتمع يحدث تغيير في المفاهيم، وهذا التغيير يواكب المستجدات ويتناغم معها. وفي العقود الأخيرة، ومع بروز الصحوة الإسلامية، بدأت تظهر بعض المستجدات على الساحة، تستدعي تصحيح بعض المفاهيم التي لها مساس بحياة الناس.

ونحن لا نستطيع في مقالة واحدة أن نستقصي كل المفاهيم الواجب تصحيحها، وحسبنا أن نشير إلى بعضها.

التكفير

نتيجة للصراع بين الإسلاميين والسلطة في بعض الأقطار، وما نتج عن ذلك من سجون واعتقالات وتعذيب، وما رافق ذلك من ألفاظ نابية تصل لحد الكفر من عساكر السلطات، ناهيك عن أنواع التعذيب التي تقشعر لها الأبدان، ويشيب منها الولدان، ولا تقارن بحال مع تعذيب الكفرة لضعفاء المسلمين عند ظهور الإسلام، حتى وصل التعذيب إلى انتهاك أعراض الرجال والنساء على السواء، بل والقُصَّر أمام ذويهم... إلخ ما هنالك من أساليب وحشية، بدأت تظهر عند الشباب تساؤلات: هل هؤلاء الآمرون بالتعذيب والمنفذون له مسلمون أم كفرة؟ والمجتمع الذي يسكت على تعذيب الفئة المؤمنة، هل هو مجتمع مسلم أو كافر؟ والحكومة التي تمارس هذا العمل، هل هي حكومة مسلمة أم حكومة كافرة؟... ونتيجة لهذه التساؤلات ظهرت موجة التكفير من جديد، وأخذت أبعاداً جديدة.

والتكفير موجة ظهرت مع الخوارج في القرن الأول الهجري، لكنها ماتت بانتهاء محنتهم، بَيْدَ أَنَّ بعثها من جديد يثير القلق، ويعرقل الحياة، ويعنت الناس.

وقبل الاسترسال في الحديث، يحسُن بنا أن نقف عند ثلاث نقاط أساسية، وهي: تكفير الفرد، تكفير المجتمع، تكفير الحكم (النظام). ونستجلي حقيقة الأمر فيها.

‌أ-       تكفير الفرد المسلم:

التكفير مسألة خطيرة جداً، وقد قال النبي (r): "مَنْ قَالَ لأَخِيهِ: يا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُما"([1])، وخطورته في أنه يرفع الحصانة عن المسلم، فيصبح مهدور الدم، مباح المال، ويقطع ما بينه وبين المسلمين من صلات، مثل الزواج والميراث، وعدم الصلاة عليه، وعدم دفنه في مقابر المسلمين... إلخ هذه الحقوق التي يجرده منها الكفر. لذا احتاط العلماء كثيراً في تكفير الفرد المسلم، ووضعوا لذلك ضوابط واحترازات كثيرة، لدرجة تعذر أن تنطبق كلها أو بعضها إلا على من غلبت عليه شقوته، واستعلنت ردته، ولم تشفع له شبهة تدرأ عنه. ومن هذه الاحترازات:

1-    لا يجوز تكفير مسلم بعينه لمجرد أنه ارتكب كبيرة من الكبائر، كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، عقوق الوالدين... إلخ الكبائر، ما لم يستحل ذلك.

2-    لا يجوز تكفير مسلم بعينه لمجرد أنه أتى بفعل نتج عن خطأ في تأويل نص، كما حدث من قدامة بن مظعون الجُمحي، وكان من أهل الهجرتين وممن شهد بدراً، وكان ختناً([2]) لعمر بن الخطاب، وخالاً لعبد الله بن عمر وحفصة أم المؤمنين([3]) (رضي الله عنهم أجمعين)، فلما بلغ عمر أنه شرب الخمر استشار فيه الصحابة فمنهم من أشار بقتله لاستباحة الخمر، ومنهم من قال باستتابته وإقامة حد الشرب عليه، وأشار علي بن أبي طالب بإقامة حد الافتراء لأن السكران يهذي، وإذا هذى افترى. وكان من دفاع قدامة عن نفسه استشهاده بقوله تعالى: ( ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ )([4])، فجلده عمر بن الخطاب ثمانين جلدة، فهاجر قدامةُ عُمَرَ زمناً، فدعاه عمر بعد حين وسالمه وصالحه([5]).

3-    لا يجوز تكفير مسلم بعينه إن كان جاهلاً للحكم في المسألة مناط التهمة ومن هؤلاء: من لم يبلغه الخطاب الشرعي، أو من كان حديث عهد بالإسلام، أو كان مقيماً في منطقة نائية لا يبلغه العلم فيها. ومثل هؤلاء في زماننا: البسطاء من الناس الذين لا يعلمون دقائق العقيدة، فيحمل أمرهم على محمل آخر غير الكفر، حتى يُبَيَّن لهم، فإن أصروا فهو الكفر إذن.

4-    لا يجوز تكفير مسلم بعينه لخطأٍ غير مقصود، كما قال من ضلت راحلته فلما وجدها قال من شدة الفرح: "اللهم أنا رَبُّك وأنت عبدي"([6])، وقد قال النبي (r): "رُفِع عَنْ أُمَّتِي الخطأُ، والنِّسْيَانُ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه"([7]).

5-    لا يجوز تكفير مسلم بعينه لفعل فعله مكرهاً، كالكفر بالله، أو سب الله ورسوله، أو دين الإسلام، تحت ضغط معين، وقصة عمار بن ياسر (رضي الله عنهما) معروفة في ذلك، فقد روى ابن جرير بسنده عن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا – وفي رواية أنه سب النبي (r) وذكر آلهتهم بخير – فشكا ذلك  إلى النبي (r)، فقال النبي (r): "كيف تجد قلبك؟" قال: مطمئناً بالإيمان، قال النبي (r): "إن عادوا فعد"([8])، فنزلت فيه الآية: (ﭽ ﭿ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ)([9])   .

هذه بعض الاحترازات في تكفير المسلم الفرد، وكما نرى فإنها من الصعوبة بمكان أن يُحكم على مسلم فرد بالكفر في ظلها، مع الأخذ في الاعتبار الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر، أو كما قيل: (كفر دون كفر) وبين الكفر المخرج من الملة، والكفر بمعنى نكران النعمة وجحودها.

‌ب-      تكفير المجتمع:

وإذا كانت هذه الاحترازات ومثيلاتها تؤخذ بعين الاعتبار عند الحكم على المسلم الفرد – وهو يمكن حصره والإحاطة به واستقصاء حاله – بما يستحيل معها تقريباً القطع بكفر مسلم بعينه ما لم يتقصد ذلك، فكيف يجرؤ أحد على تكفير مجتمع بأسره، بما فيه من رجال ونساء وأطفال، وبما فيه من تفاوت في العلم والفهم والتقى والصلاح والورع، وبما فيهم من أعذار متباينة لكل حالة على حدة؟! إنه الضلال المبين.

وأما علة الرضى والسكوت على الكفر فلا يُسَلَّم بها، ولا علة الرضى والسكوت على تعذيب الفئة المؤمنة، فهل تستشار الشعوب؟ وهل يملك الناس – كأفراد – التصدي لقوى البغي المنظم المدعوم بالسلاح والعتاد والرجال؟ إن الذي يملك التصدي لهؤلاء فئة منظمة، لها من قوة التنظيم والاستعداد ما يؤثر في الشارع. فيجبرهم على التراجع عن الظلم. أما تشرذم الناس (وهذا واقع الحال) فلا يُعَوَّلُ عليه، وبالتالي لا يحكم على مجموعهم بالكفر لمجرد السكوت، والسكوت لا يكون دائماً علامة على الرضى، فإنه كثيراً ما يعني العجز وقلة الحيلة.

جـ-  تكفير نظام الحكم (السلطة):

والمقصود بالنظام أو السلطة الحاكم وما يتبعه من الهيئات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية. وإذا رجعنا إلى الآية الكريمة التي تتحدث عن الحكم نجد فيها: ( ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ )([10]) ، وهذه الآية توسَّع العلماءُ في تحديد المَعْنِيِّ فيها:

‌أ-       بعضهم قال: إنها في أهل الكتاب (بني إسرائيل خاصة). منهم: البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة، وعبد الله بن عبد الله، والحسن البصري([11]).

‌ب-      وبعضهم قال: إنها نزلت في بني إسرائيل خاصة، لكنها واجبة علينا. منهم: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي حيث يقول: "ورضي الله لهذه الأمة بها" كما رواه ابن جرير ([12]).

جـ-  ومن قال بوجوبها على أمة محمد (r) فَصَّل القول في ذلك:

1-      فمن جحد أحكام الله، أو تركها عمداً، فهو كافر. قال بذلك السُّدي،

2-      وابن عباس.

3-      ومن قصَّر دون جحود فهو فاسق. قال بذلك: ابن طاوس، وعبارته: (وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله). وعطاء بن رباح وعبارته: (كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق). وطاوس، وعبارته: (ليس بكفر ينقل عن الملة). وابن عباس، وعبارته: (ليس بالكفر الذي تذهبون إليه)([13]).

والملاحظ من سياق الآية في عبارة "ومن لم يحكم" أن المقصود بها القضاة،

إلا أنها انصرفت إلى الحكام – بمعنى القوة السياسية العليا المهيمنة والتي بيدها مقاليد الأمور – باعتبار أن السلطات الثلاث – بما فيها القضائية – تأتمر بأمرها، وأن

القرار بيدها.

والدعاة إلى الله مطالبون بتفهم هذه الآية بعيداً عن الضغوط النفسية التي سببتها السجون والمعتقلات في ظل هذه الحقائق:

أولاً:       أن الأفراد والمجتمعات والحكام السياسيون مسلمون أصلاً، والتحرك في هذا الوسط يستدعي الحيطة والحذر في إطلاق الألفاظ أو التعميم، فإن كان علماء الإسلام قد وضعوا احترازات لتكفير فرد بعينه، فمن باب أولى أن تكون هذه الاحترازات أشد في تكفير المجتمعات والحكومات، لما قدمنا من أسباب.

ثانياً:    لا يستطيع أحد أن يزعم أن مجتمعاً فيه مساجد ومصلون وصوام... إلخ هذه المظاهر الإسلامية يحكم عليه بالكفر لمجرد أنه سكت، وقد ورد في السُّنَّة أن السرايا التي كانت تبعث من قِبَل رسول الله (r)، كانت إذا اقتربت من قبيلة فسمعت الآذان، عدتهم مسلمين – دون الولوج إلى النوايا والقلوب -.

ثالثاً:   أن الأمة أصابها الخمول والركون إلى الدعة، مع ممارسة التشويه لعقيدتها ودينها سنين متواصلة. وأمرُ إعادتها إلى الجادة يتطلب آناة، ولين، ومثابرة. وأن مجابهة فرد أو جماعة بالكفر يباعد بينه – أو بينهم – وبين قبول الدعوة.

رابعاً:    أن الحكام (السياسيين) يعملون تحت ضغوط كثيرة منها:

‌أ-       جهلهم بالإسلام، وهذا يستدعي الرفق بهم حتى يفهموه على أصوله.

‌ب-    جهل الشعوب بالإسلام الحقيقي الناصع، في مقابل تحكم عادات وتقاليد استناموا لها، مما يجعل البعض يعتبرها جزءاً من الإسلام – وما هي بذلك – وهذا يتطلب من الدعاة التعامل مع الناس باللين، وأخذهم بالنفس الطويل، حتى تنجلي لهم الأمور، وتستبين الحقائق، ويتمايز الإسلام عن غيره، وما الحكام إلا جزء من الشعوب توارثوا ما توارثت.

‌ج-     العلاقات الدولية وما يتوالد عنها من ضغوط المعاهدات والصلات والارتباطات، والعالم بأسره يتجه نحو ما يسمى (قرية عالمية) أي عدم القدرة على الاعتزال في ظل ثورة الاتصالات الهائلة، وما تسببه من امتزاج

‌د– شئْنا أم أبينا – وهذا يستدعي أن يُلتمس لهم العذر ابتداءً، مما يدفع الدعاة إلى معاملتهم باللين على قاعدة: ( ﮧﮨ )([14]) ، مع الفارق بين عقيدة فرعون وعقيدة حكامنا، والتي تجعل هذا الأسلوب معهم من باب أولى.

خامساً:  لا يوجد حاكم مسلم، أو فرد مسلم (ناهيك عن المجتمع) يُقر بأن مخالفته لأحكام الإسلام جحود أو نكران لها، بل هو الجهل، والتقصير، ثم الضغوط (سواء ضغوط العادات، أو جهل الشعب، أو القوى العالمية الخارجية) وهذا كله يسوغ الحكم بالفسق لا بالكفر، كما قال بذلك فريق من العلماء([15]).

سادساً: إذا حكم الدعاةُ على الأفراد والمجتمعات والحكام بالكفر (ومن ثَمَّ الاعتزال عنهم) فكيف سيتحرك الداعية لدعوته؟ وبين مَنْ سيتحرك؟ وهل يُقبل منه أن يقول لمرءٍ ما: أنت كافر، ثم تعال لنبدأ من جديد من أجل إدخالك في الإسلام؟!! ثم نسمي ذلك داعيةً حصيفاً؟!!

سابعاً:   أما قول من قال بتكفير الحكام السياسيين بناء على تلك الآية، كما نُسِبَ إلى أبي الأعلى المودودي وسيد قطب – رحمهما الله – فلا بد من محاكمة أقوالهما – على جلالة قدر الرجلين – لأقوال العلماء، لا سيما الصحابة والتابعين، مع الأخذ في الاعتبار واقع الحال، والظروف التي مر بها كل منهما، والظرف الذي قيلت فيه حصراً، والمستقبل الذي تؤثر فيه على الدعوة والدعاة.

               

([1]) رواه البخاري. الترغيب والترهيب ج 3 ص 464 رقم 3.

([2]) صهراً له، حيث كانت أخته زوجة لعمر بن الخطاب.

([3]) تفسير القرطبي: سورة المائدة 6/297.

([4]) المائدة: 93.

([5]) القصة برواياتها في تفسير القرطبي 6/297 – 299. وهكذا أخلاق الأكابر، إقامة شرع الله – لا تأخذهم فيها لومة لائم – ثم الصلح والمودة بين الصالحين، لا سيما والذنب وقع بتأويل خاطئ.

([6]) والحديث رواه مسلم من رواية أنس (t) صحيح مسلم ج 4 ص 2104 كتاب التوبة رقم 4.

([7]) حديث صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير 1/659 رقم 3515.

([8]) تفسير ابن كثير سورة النحل 4/228.

([9]) النحل: 106.

([10]) المائدة: 44.

([11]) تفسير ابن كثير سورة المائدة 2/578.

([12]) تفسير ابن كثير 2/578.

([13]) تفسير ابن كثير 2/579.

([14]) طه: 43- 44.

([15]) وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، انظر تفسير ابن كثير 2/579.