العلاقات الجزائرية الأميركية على مدى قرنين ونصف القرن

عند كل منعطف سياسي هام في التاريخ المعاصر لأيِّ دولة عربية عُهِدَ عنها موروثٌ راديكالي في موقفها من إسرائيل، وفي شكل تعاطيها مع “الصراع العربي الإسرائيلي”، فإن الكثيرين يتوقفون مطولا عند دور الولايات المتحدة في هذا المنعطف، وعند موقفها من سيرورته، خاصة إذا كان منعطفا يتجه نحو اتخاذ مواقف سلبية مناهضة لتعاطي النظام الحاكم الذي عُهِدَ عنه ذلك الموروث، مع قضايا الحرية والعدالة في مُتَجَسِّديهما الأبْرَزَيْن “الاستبداد” و”الفساد”.

وفي هذا النسق من أنساق فهم وتحليل مُجريات هكذا منعطفات في هكذا دول، تقوم الفكرة التي تستدعي هذا التوقف المُطَوَّل من الدور الأميركي المفترض، على مبدأ أن الأميركيين عودونا دائما على الاختباء وراء تَطَلُّع الشعوب إلى الحرية والعدالة عبر مواجهة الفساد ومحاربة الفساد، للدفع باتجاه تغيير أنظمة معادية لإسرائيل، يُراد استبدالها بأنظمة تخفِّف من عدائها لها.

أنصار هذا النسق التحليلي يشيرون إلى قراءتهم الخاصة للمشهد السوري المتواصل تأزما غير مسبوق منذ أكثر من ثمان سنوات، وإلى المشهد الليبي الذي مزَّق البلاد على نحو ما يزال يبعدها عن أيِّ أفق عقلاني للحل التوافقي، دون أن يستثنوا من هذا التحليل النمطي ثابت المفردات ما يحدث في اليمن، وما حدث وما يحدث في العراق أيضا.

ومن هنا فإنهم يعتبرون الحراك الشعبي الجزائري الذي بدأ منذ الربع الأخير من شهر شباط/فبراير 2019، مستهلا سقفَ مطالبه برفض العهدة الخامسة، ليصل بها إلى تغيير النظام نحو جمهورية ثانية، رافضين كل مقترحات الفئة الحاكمة في البلاد، هو شكل من أشكال الأنساق التغييرية التي لا تخرج في جوهرها وسياقها العام عما اعتبروه قبل ذلك اختراقا إمبرياليا صهيونيا استهدف سوريا وليبيا واليمن والعراق.. إلخ، ما دامت الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة المتبقية سليمة معافاة في خندق رفض أي مهادنة أو قبول أو تعايش مع الحالة الصهيونية “إسرائيل”.

ولهذا السبب المنهجي يغدو الحديث عن تاريخ العلاقات الأميركية الجزائرية أمرا مُلحا، لنتعرف على محطات ومنعطفات هذه العلاقات، واستشراف ما يمكنه أن يكون في ضوئها – أي في ضوء تلك العلاقات – مُسَوِّغا يمكنه منح ذلك النَّسَق التحليلي أيَّ قدر من المشروعية. وهذه الدراسة المركزة والمكثفة عن العلاقات الأميركية الجزائرية تصبُّ في اتجاه تَتَبُّع تلك العلاقات منذ أقدم تاريخ لها وحتى وقتنا الراهن، دون الخروج فيها عن منهج الحياد والتوثيق والرصد، تاركين استثمارها لاستشراف واقع الدور الأميركي وآفاقه في الحدث الجزائري الراهن، لدراسات أخرى لاحقة.

أولا: نبذة تاريخية حول العلاقات الجزائرية الأميركية

لدى الجزائر والولايات المتحدة  تاريخ طويل من العلاقات التي تخللتها مراحل توتر كانت تتسم بالصدامية أحيانا، على الرغم من أن الإيجابية كانت أيضا مظهرا من مظاهر تاريخ هذه العلاقة في الكثير من محطاتها المعاصرة تحديدا. فأقدم مستوطنة دائمة أنشأها الأوروبيون في الولايات المتحدة موجودة في فلوريدا، تأسست في عام 1563، وسميت باسم شخصية أدخلتها فرنسا في التاريخ الجزائري بعد عام 1930 وهو عام الاحتلال، ألا وهي القديس “أوغسطين” الذي أطلقت فرنسا اسمه على الكنيسة التي أنشأتها في “عنابة” عقب احتلالها مباشرة، وقد أطلق على تلك المستوطنة الأميركية اسم “سانتا مونيكا” وهي أم القديس “أوغسطين”. كما أن مدينة “القادر” في ولاية “آيوا” سميت باسم “الأمير عبد القادر”، وهي المدينة الوحيدة في الولايات المتحدة التي سميت بالعربية(1).

كانت القوى البحرية الأوروبية تدفع جزيةً مقابل قيام حكام شمال أفريقيا “الجزائر وتونس وطرابلس” بمنع هجمات القراصنة على سفنها التجارية التي تعبر مياه البحر المتوسط. وفي هذا السياق فإن بريطانيا زادت من مدفوعاتها لتلك الدول بعد الثورة الأميركية، لكي يتم الاستيلاء على السفن التجارية التابعة للولايات المتحدة وأَسْرِ بحارتها في السنوات التي تلت الاستقلال، وهو ما كانت تضطلع به “الجزائر” أكثر من غيرها من دول شمال إفريقيا(2).

في عام 1794، خصص كونغرس الولايات المتحدة أموالا لبناء السفن الحربية لمواجهة تهديد المجاهدين البحريين وهو الوصف الذي كان يُطلَق على “القراصنة” المسلمين والعرب في البحر الأبيض المتوسط. ثم فضلت الولايات المتحدة إبرام معاهدة مع الجزائر، وهي المعاهدة التي تم إبرامها في عام 1797، لضمان دفع جزية تبلغ 10 ملايين دولار على مدى اثني عشر عاما في مقابل حماية سفن الشحن الأمريكية التي تعبر المتوسط. وبلغت مدفوعات الجزية للدول التي  تعتمد على المجاهدين البحريين 20 في المائة من الإيرادات السنوية لحكومة الولايات المتحدة في عام 1800. وكان ذلك بعد سنوات قليلة من الاعتراف الرسمي باستقلال الجمهورية الأمريكية من قبل دولة الجزائر في عام 1783، حيث كانت الجزائر من بين أوائل البلدان التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة(3).

في مارس من عام 1815 قام الكونغرس الأمريكي بالتصريح بشن الهجمات البحرية ضد الولايات العثمانية في تلك المنطقة، ومنها الجزائر، وتم إرسال العميد الأميرال “ستيفن ديكاتور” بأسطول يتكون من عشر سفن حربية لضمان حماية سفن الشحن الأمريكية في المتوسط ولإنهاء دفع الجزية للجزائر. وبعد أسر مجموعة من المجاهدين البحريين  وأطقمهم “القراصنة”، أبحر العميد ديكاتور نحو ميناء الجزائر، وقام بالتهديد بالهجوم على المدينة، لكن تم التوصل إلى اتفاقية بين الأميركيين والجزائريين وافق فيها “الداي” على التوقف عن أخذ الجزية من السفن الأمريكية، وكذلك على دفع تعويضات عن الأضرار التي تتعرض لها السفن الأمريكية، فضلا عن إطلاق سراح الأسرى الأمريكيين بدون فدية، وكذلك على عدم التعرض مرة أخرى للسفن الأمريكية من طرف البحارة الجزائريين(4).

ثانيا: الجزائر تعلن الحرب على أمريكا عام 1785 وعام 1807

حين كانت أمريكا عبارة عن مجموعة من المستعمرات تخضع للنفوذ البريطاني والفرنسي والإسباني، كانت الجزائر تعامل السفن الأمريكية طبقا للدول المستعمِرة لتلك القارة، حيث كانت العلاقات الجزائرية البريطانية ودية في أواخر القرن الثامن عشر، وفي ظلها تمتعت السفن الأمريكية بحماية من الجزائر، مانحة إياها جميع الامتيازات، وبعد قيام الثورة الأمريكية، سحبت بريطانيا حمايتها عن أمريكا، لتصبح   الجزائر حرة في تعاملها مع السفن الأمريكية، ولكي تحمي سفنها وتجارتها ومواطنيها كان على أمريكا إما التوقيع على معاهدة للصداقة أو مواجهة الحرب.

وأمام الوضعية الحرجة التي كانت تعيشها أمريكا التي وجدت نفسها أمام قوة عسكرية جزائرية كبيرة، قررت أن تنشد السلام مع الجزائر بطريقة غير مباشرة،  فلجأت إلى الأوروبيين لتحقيق هذا الهدف، فالمعاهدة التي أبرمتها أمريكا مع فرنسا عام 1778، نصَّت على مادة يتعهد بموجبها ملك فرنسا باستعمال وساطته لدى الجزائر لحماية المصالح الأمريكية، وفي معاهدة أمريكا بريطانيا عام 1783، حاولت أمريكا إضافة هذه المادة، لكن بريطانيا رفضت ذلك. وعندما فشلت مساعي أمريكا لدى الدول الأوروبية، بدأت في حملة دبلوماسية ضد الجزائر بهدف تكوين تحالف أمريكي  أوروبي ضدها، حيث عبَّر عام 1783 “بن جامين فرانكلن” رئيس أمريكا عن إعجابه بتحالف الأوروبيين لمواجهة الخطر الجزائري.(5)

رغم  أن أمريكا كانت لديها  مشاكلها الخاصة في نهاية القرن الثامن عشر، الا أنها  بدأت تتاجر مع العالم الخارجي ومحاولة مد منطقة حركتها إلى البحر الأبيض المتوسط. بعد أن أعلنت الجزائر الحرب على أمريكا خلال عام 1785،  حجزت البحرية الجزائرية  سفينتين أمريكيتين هما “ماريا” و”دوفين” في عرض المحيط الأطلنطي، فوجد الأمريكيون أنفسهم مجبرين على فتح مفاوضات مباشرة  مع الجزائر، واستمروا  في تحريض الدول الأوروبية لتتحالف معهم ضد الجزائر، وافقت على العرض الأميركي كل من البرتغال، والبندقية، وصقلية، ومالطا، والدانمارك، وروسيا، ونابولي، وغابت عن هذه القائمة دول كبرى كفرنسا وبريطانيا. إلا أن  المشروع فشل لسببين هما: الأول.. أن معظم الدول التي وافقت على المشروع هي دول صغيرة لم تكن متأكدة  من قدرة أمريكا على حمايتها في حالة حربها مع الجزائر، والثاني.. أن الكونغرس الأمريكي رفض تمديد المشروع(6)  .

في عام 1793 حجز الجزائريون، إحدى عشرة سفينة أمريكية في عرض المحيط وجاءوا بها إلى الجزائر، وخلال ذلك كان هناك أكثر من مائة أسير أمريكي في الجزائر، وهو ما  جعل أمريكا تتحرك نحو التفاوض على معاهدة سلام  مع الداي، وبالفعل فقد أبرمت هذه الاتفاقية في  شهر سبتمبر 1795، وقد التزمت فيها الولايات المتحدة بأن تدفع  للجزائر حوالي سبعمائة وخمسة وعشرين ألف دولار جزية سنوية مقابل حماية سفنها من القراصنة.

طلبت الجزائر من أمريكا  دفع ما عليها كما نصت عليها معاهدة 1795م ، إلا أنها  تأخرت سنتين عن  الوقت المحدد، وقد تفاجأت الجزائر من موقف القنصل العام الأمريكي الجديد الذي صرح بأنه لا يستطيع أن ينفذ طلبَها، فأعلنت الجزائر في عام 1807 الحرب مرة أخرى على أمريكا، حيث تمَّ  حجز ثلاث سفن أمريكية بحمولاتها وبحارتها، فاضطر القنصل إلى اقتراض المال من اليهودي الجزائري “بكري” ليدفعه إلى الحكومة الجزائرية، لتعود  العلاقات إلى مجراها. إلا أن الفترة من 1808 إلى 1812 تميزت بالبرود  بين الطرفين. فعندما عرضت أمريكا على الداي أن تدفع له النقود بلا  المعدات العسكرية، رفض العرض وأعلن الحرب عليها من جديد، ولكن الولايات المتحدة بعد أن وقعت السلام مع بريطانيا  خلال عام 1815  ظهرت بقوة  بحرية جيدة وأرسلت أسطولها أمام مدينة الجزائر كي يفرض السلام على الداي، وهكذا أبرمت بين الطرفين معاهدة سلام في مدينة الجزائر سنة 1815. وقد جُدِّدَت هذه المعاهدة عدة مرات. ومنذ ذلك التاريخ لم تعد الولايات المتحدة تدفع أيَّ جزية حماية للجزائر(7).

وبينما كانت الجزائر في حالة حرب مع دويلات ايطاليا، إسبانيا، هولندا، الدانمارك وروسيا، بعثت  أمريكا  بفصيلتين من أسطولها البحري إلى البحر المتوسط، وعند اجتيازهما جبل طارق قامتا بمطاردة السفن الجزائرية، ثم تقدم الأمريكان إلى ميناء الجزائر طالبين من الداي توقيع معاهدة جديدة بشروطهم، لكن الجزائر أصرت على استرجاع السفن المحتجزة قبل البدء بأي مفاوضات فوافق الأمريكان على هذا الشرط. ولقد ساد السلام والوفاق والتعاون بين البلدين منذ ذلك التاريخ إلى أن خضعت الجزائر للاستعمار الفرنسي عام 1830، لتخرج منذ ذلك التاريخ من دائرة الدول ذات السيادة إلى ما بعد استقلالها عام 1962.

ثالثا: العلاقات الجزائرية الأميركية منذ استقلال الجزائر وحتى الآن

من جون كينيدي إلى ترامب سلسلة متواصلة من العلاقات التي كانت تهدف دائما إلى خلق أجواء من الود والتعاون في شتى المجالات الممكنة بين الجزائر والولايات المتحدة.

بوجه عام عندما كان “جون كينيدي” لا يزال عضوا في مجلس الشيوخ، تحددت المواقف الأميركية الأولى من الجزائر، حيث تحدث كينيدي عن تأييده لاستقلال الجزائر لصحيفة نيويورك تايمز في 2 يوليو 1957 وخلال فترة رئاسته هنأ كينيدي الجزائر بعد حصولها على الاستقلال عن فرنسا عام 1962. وزار الرئيس “بن بلة” الرئيس كينيدي في 15 أكتوبر 1962، قبل يوم واحد من بدء أزمة الصواريخ الكوبية. ومع ذلك، انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1967 بسبب الحرب العربية الإسرائيلية، لأن الجزائر دعمت الدول العربية في حين أن الولايات المتحدة كانت تقف على الجانب الإسرائيلي. ثم تمكن الرئيس نيكسون من استعادة العلاقات بين البلدين، وقام الرئيس بومدين بزيارة الولايات المتحدة يوم 11 أبريل 1974.

وفي أيريل عام 2018 أثنى رئيس لجنة الاستعلامات في مجلس الشيوخ الأمريكي “ديفن نونيز” على علاقات بلاده مع الجزائر بالقول: “تعتبر الجزائر منذ زمنٍ طويلٍ منطقة استقرار، وبلد صديق، وحليف قديم للولايات المتحدة الأمريكية”. أما الرئيس “ترامب” فقد أضاف الجزائر إلى قائمة أصدقائه معتبرًا إياها شريكًا استراتيجيًّا مهمًّا تربطه علاقات قوية بالولايات المتحدة(8).

بعد استقلال الجزائر إذن، شهدت العلاقات الجزائرية الأمريكية وحتى مطلع الألفية الجديدة عدّة محطّات ومواقف اتّسمت بالتقارب تارة، والبرود تارة أخرى، تجلت تلك المرحلة في نجاح الجزائر في الوساطة بين أمريكا وإيران في أزمة الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران من سنة 1979 حتى سنة 1982، وهي الأزمة التي كادت أن تأخذ أبعادًا كبرى، لتعبّر الولايات المتحدة الأمريكية عن امتنانها وشكرها للجزائر على موقفها(9).

كان أبرز مُحدّد للعلاقة بين الجزائر وأمريكا منذ استقلال البلاد عن فرنسا هو الاستثمار في مجال النفط، بالإضافة إلى تقارب المواقف تجاه بعض القضايا والاختلاف في الكثير منها.

غير أن العلاقات الجزائرية الأمريكية شهدت ولادةً جديدةً وتقاربًا استثنائيًّا بعد هجمات 11 سبتمبر من عام 2001 بهدف محاربة الإرهاب الذي صار شأنًا دوليًّا، وقد رأى النظام الجزائري الخارج من توّه من حرب أهلية مع الإسلاميين المسلّحين بعد إيقاف المسار الديمقراطي، أنّ الولايات المتّحدة وباقي العالم قد تفطّن أخيرا للخطر الذي حذّرت منه طوال تسعينيات القرن الماضي، وبالتالي فقد كسب أقوى حليف من الممكن تخيّله في حربه على ما يسمّيه الإرهاب.

وفي وقتٍ كانت أنظمة عربية ترزح تحت تهديد ثورات الربيع العربي، سارعت الجزائر إلى إصلاحاتٍ سياسيّة لقطع الطريق على انتقال الحِراك إليها، وهي الإصلاحات التي ثمنتها وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها “هيلاري كلينتون”، ووصفتها بالإصلاحات الديمقراطية العالية، والتي تمثلت في قرارات بوتفليقة برفع حالة الطوارئ، وإنهاء احتكار الدولة للإعلام، ونقل الإشراف على الانتخابات من الداخلية إلى القضاء.

وفي أغسطس 2005، كان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي آنذاك، السناتور ريتشارد لوجار، قد ترأس وفدا للإشراف على الإفراج عن 404 من أسرى حرب مغاربة آخرين تحتجزهم  جبهة البوليساريو في الجزائر.  وأزال الإفراج عنهم عقبة ثنائية طويلة الأمد بين الجزائر والمغرب.

إلا أن ربيع العلاقات بين واشنطن والجزائر لم يسلم من رياح التعكير، ففي يناير من سنة 2013، شنّ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هجومًا على وحدة إنتاج الغاز في “عين أميناس” جنوب شرقي الجزائر، احتجز فيه مئات الرهائن من جنسيات مختلفة وقتل ثمانية منهم، وطلب التفاوض لإطلاق سراح الرهائن، إلّا أنّ الجزائر رفضت التفاوض وشنّت قوّات من الجيش الجزائري هجومًا على موقع احتجاز الرهائن، وأثناء الهجوم استطاعت القوّات تحرير بعض الرهائن. وقد أثار هذا الحادث انتقاداتٍ أمريكية بسبب استعمال الجزائر القوة العسكرية أثناء التحرير، لكنها انتهت بتحميل الرئيس الأمريكي أوباما مسؤولية الهجوم لتنظيم القاعدة، ليسود جوٌّ من الهدوء في العلاقات بعد ذلك، ترجمته زيارة وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” إلى الجزائر، وهي الزيارة التي أسالت الكثير من الحبر نظرًا إلى موعدها الذي تزامن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، وإن كانت الدوافع الظاهرية للزيارة هي تعزيز التعاون بين البلدين في خصوص ملفات الطاقة ومحاربة الإرهاب، إلّا أن البعض رأى في الزيارة تدخلًا أمريكيًّا في الانتخابات الجزائرية، وتزكيةً لبوتفليقة للعهدة الرابعة(10).

بمجرد إعلان نتائج الرئاسة الأمريكية ومجيء “دونالد ترامب” للبيت الأبيض، سارع الرئيس الجزائري “عبد العزيز بوتفليقة” إلى إرسال رسالة تهنئة للرئيس الأميركي الجديد، أعرب له فيها عن أمله في استمرار العلاقات الطيبة بين البلدين، وهو ما أعلنته الخارجية الأمريكية عند وصفها الجزائر بـالشريك المهم في عزّ الحملة التي كان يقودها “ترامب” ضد أعدائه بمنعه مواطني ست دول مسلمة من دخول أمريكا، وتصعيد لهجته ضدها(11).

وخلال قمة الرياض المثيرة بين ترامب والملك سلمان بن عبد العزيز، أعرب “دونالد ترامب” عن استعداده لرفع مستوى التعاون مع الجزائر، وذلك خلال محادثات أجراها مع رئيس مجلس الأمة “الغرفة الثانية من البرلمان الجزائري” عبد القادر بن صالح.

شمل التعاون الجزائري الأمريكي عدة قطاعات استراتيجية، إذ تعتبر الولايات المتحدة شريكًا مهمًّا للجزائر في مجال الطاقة، بتواجد قرابة 50 شركة نفطية أمريكية في الجزائر، تعمل أساسًا في التنقيب وإنتاج الخام على غرار “أناداركو”، و”بيبي أموكو”، و”شلومبرجر”، و”أميرادا هيس”، بالإضافة إلى “هاليبورتن”، وتعد “أناداركو” المنتج الأكبر للخام في الجزائر ضمن شركاء مجمع “سوناطراك”.

وخلال تعيينه سفيرًا في الجزائر، تحدث السفير الأمريكي الجديد “جون ديروشر”، أمام لجنة الشؤون الخارجية للغرفة العليا للبرلمان الأمريكي عن الجزائر قائلًا: “إن العلاقات بين البلدين تعززت خلال السنوات الأخيرة وتوسعت أكثر”، كاشفًا عن برنامجه الخاص بالجزائر الذي يتشكل من ثلاثة محاور رئيسية تتعلق بتعزيز التعاون الأمني، وتطوير التجارة والاستثمار، والعمل مع نظرائه الجزائريين، وأضاف السفير الجديد: “الجزائر وواشنطن، عقدا خلال السنوات الأخيرة مشاوراتٍ على المستوى الرفيع بمشاركة مؤسسات البلدين”، مؤكدًا أن ذلك يدل على القيمة التي يوليها البلدان لشراكتهما المتنامية(12).

وتبلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين نحو 19,4 مليار دولار، فقد استطاعت الجزائر أن تحتل صدارة الأسواق المغاربية للولايات المتحدة الأمريكية.

ويشمل الجانب العسكري حيزًا مهمًّا في العلاقات الأمريكية الجزائرية، إذ ترصد إدارة “ترامب” ميزانية أكثر من مليون دولار سنويًّا مساعدات للجيش الجزائري، تمثلت أساسًا في تدريب ضباط جزائريين. وتعمل الإدارة الأمريكية جاهدة للضغط على الجزائر من أجل السماح لها بإنشاء قاعدة عسكرية في الصحراء الجزائرية، لكن الجزائر ترفض أيَّ تواجد عسكري أجنبي على أراضيها، كان آخره رفض طلبٍ أمريكي بإرسال عناصر من البحرية “المارينز” لتأمين سفارتها في العاصمة، تحسُّبا لأيِّ تهديد بعد قرار الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل.

إن هذا التعاون بين البلدين لم يسلم من عواصف التنافر، أبرزها الخلاف حول الأزمة الليبية ومكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي، فبالرغم من وجود توافقٍ جزائري أمريكي على حل الأزمة الليبية؛ إلّا أنّ كيفية الحل عرفت نظرةً مختلفةً بين البلدين، فبينما ترى أمريكا أن الحل عسكريٌّ، تدير الجزائر ظهرها لأمريكا مفضلةً الحل الدبلوماسي للأزمة.

وخلال جولة من الحوار الثنائي المشترك بين الجزائر والولايات المتحدة عُقد في واشنطن عام 1917، اتفقت واشنطن والجزائر على وضع إطار تعاوني لتبادل المعلومات بين الدولتين لمواجهة تهديدات تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وتنظيم “القاعدة” في ليبيا، وكذلك استعراض النزاعات المستفحلة في المنطقة والعالم العربي، في إشارة إلى الوضع في ليبيا ومالي ودول الساحل الأفريقي.

وقد نشرت صحيفة «Maghreb intelligence» الفرنسية تقريرًا جاء فيه أنَّ وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين حاولتا دفع السلطات الجزائرية إلى قيادة قواتٍ عسكرية متعددة الجنسيات، أو التدخل بمفردها في ليبيا لإحلال السلام في العاصمة طرابلس، ونشر قوات على طول الحدود مع تونس، لكن الجزائر رفضت هذا الطلب رفضًا قاطعًا.

الهوامش :

1 – العلاقات بين إيالة الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية خلال العهد العثماني 1776-1830 – بقلم الجيلالي شقرون – بتاريخ 31 – 3 – 2018، موقع جيل البحث العلمي، على الرابط التالي: http://jilrc.com/العلاقات-بين-إيالة-الجزائر-والولايات/

2 – المرجع السابق.

3 – العلاقات الجزائرية الأمريكية 1776-1830 في رسالة جامعية وكتاب للدكتور علي تابليت – بقلم سعدي بزيان – بتاريخ 9 – 1 – 2018 – موقع البصائر – على الرابط التالي: http://elbassair.org/1867/

4 – المرجع السابق.

5 – واقع العلاقات الجزائرية الأميركية – ندوة حوارية في برنامج ما وراء الخبر – موقع الجزيرة – على الرابط التالي:

https://www.aljazeera.net/programs/behindthenews/2012/1/24/واقع-العلاقة-الجزائرية-الأميركية

6 – المرجع السابق.

7 – المرجع السابق.

8 – صديقةٌ لواشنطن أم حليفةٌ لموسكو؟ الجزائر تلعب على وتر العلاقات مع البلدين – بقلم عبد القادر بن مسعود – موقع ساسة – بتاريخ 10 – 4 – 2018 – على الرابط التالي:

https://www.sasapost.com/algeria-is-a-friend-of-washington-or-an-ally-of-moscow/

9 – المرجع السابق.

10 – المرجع السابق.

11 – المرجع السابق.

12 – المرجع السابق.

وسوم: العدد 854