ذنوب التقصير في أعمال الإدارة

تعجب شيخي حينما سألته عن آثام التقصير في أعمال الإدارة، فأسرع وسألني هل تقصد حينما يختلس المدير؟ قلت له لا، فأسرع بسؤال آخر هل تقصد استغلال المدير لموارد المؤسسة؟

قلت له بل أقصد

السيئات والآثام بسبب عدم الأخذ بمهارات الإدارة الحديثة،

سيئات القصور في التخطيط بأسلوب علمي،

سيئات الإخفاق في حل المشكلات واتخاذ القرارات السليمة،

ذنوب عدم وضوح رؤية مستقبلية وأهداف إستراتيجية مبنية على تحليل علمي،

سيئات فشل إدارة الاجتماعات وضياع أوقات العاملين،

إثم عدم اتخاذ الخطوات العلمية في تنظيم الأعمال ومتابعتها وتقيم الأداء المبني على معايير ثابتة،

إثم عدم تطبيق معايير الجودة والتراخي في تكوين نظم المعلومات الإدارية لدعم اتخاذ القرار.

فانتفض شيخي بقوله: إذًا كل من يعمل بالإدارة فهو آثم لا يخلو من الأوزار والسيئات، فمن الصعوبة تلافي كل هذه الملاحظات والإخفاقات، فشرحت له أن كل ما تم عرضه من تقصير تم معالجته في علم الإدارة الحديث، وأصبحت طرق الإدارة من المسلمات والبديهيات لمن يتصدى لعمل الإدارة، وقد تم التجريب والتطبيق على جميع المؤسسات الناجحة، وأن كل معالجات ذلك التقصير عبارة عن مهارات إدارية يسهل اكتسابها إذا توفرت الرغبة والإرادة في التغيير وعدم الإصرار على الإدارة الخاطئة، وعلي كل من يتصدى لأعمال الإدارة الاجتهاد لاكتساب المهارات اللازمة ولا يتمسك بطبيعته وميوله ضاربًا بالتجارب العملية والمفاهيم الإدارية عرض الحائط، وإلا فمن هُنا يقع الإثم وتُرتكب السيئات تحقيقًا لقوله تعالى *"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"*، إلا إذا استقال وترك أعمال الإدارة لمن يأخذها بحقها.

لكني لمحت ابتسامة شيخي المملوءة بالاستهجان والإشفاق عليَّ بأنني أضخم الأمور وأعطيها مالا تستحق، فبادرته بعرض المصائب التي تقع على المؤسسات والتجمعات بسبب ذلك القصور في الإدارة وإصرار من يتصدى لها بعدم اكتساب المهارات اللازمة،

فمن المسئول عن القرارات الخاطئة التي تعود على المؤسسة بالخسارة؟

ومن المسئول عن سوء التنظيم وتضارب الاختصاصات وتناحر الإدارات؟

ومن المسئول عن ضعف المتابعة وضياع القرارات وعدم تنفيذ التكليفات؟

ومن المسئول عندما تقف المؤسسة حائرة في بحر المتغيرات لعدم وجود رؤية واقعية وخطة إستراتيجية؟

ومن المسئول عن الإدارة بالتخمين لعدم الاعتماد على نظم المعلومات؟

ومن المسئول عن غياب المؤسسية وظهور الشللية؟

ومن المسئول عن ضعف الإنتاجية لعدم القناعة بالتدريب والتنمية؟

ومن المسئول عن وقوف  المؤسسة كالأرملة تنتظر من يأخذ بيدها إلى الفاعلية والإنتاجية؟

بل من المسئول عن الإدارة بالانطباع ومن المسئول عن الإدارة بالطِباع ومن المسئول عن الإدارة في الخسارة ؟!

سيدي الشيخ لماذا لا تتعجب حينما أسألك عن حكم الشرع في من يشرب الخمر مع أن إثمه  على نفسه لا يتعدي غيره؟! وتتعجب وتندهش حينما أسألك عن حكم الشرع فيمن يتصدى للإدارة ويعطي ظهره لكل متخصص، ويُصر على التقصير في أعمال الإدارة مع أن إثمه يتعدى ليهدم المؤسسات والجماعات ويضعف القدرات ويهدر الإمكانات ويضيع الفرص ويشل التنمية ويلاحق الإبداع ويخرب الأوطان؟!

لماذا نُقْصِر الذنوب على الجوانب الشرعية المباشرة وقد عَرّف العلماء بأن السيئة هي "ما يسوء الإنسان في دنياه وآخرته "، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته "نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا "، وقد عرض الشيخ عبد الله بن حسن في خطبته 30/7/1431هـ؛ بأن ما أصيبت به أي أمة من تحجر أفئدة وموت قلوب وفشل قيادة وسياسة إنما ذلكم من جزاء العصيان وشؤم الأعمال السيئة، وكان سيدنا عمر يعلم خطورة التقصير في أعمال الإدارة فلم يكن يكتفي بأن يُحسن اختيار عُماله، بل كان يبذل أقصى الجهد لمتابعتهم بعد أن يتولوا أعمالهم ليطمئن على حسن سيرتهم، وقال يومًا لمن حوله: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ما عليَّ؟ فقالوا: نعم. قال: لا، حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا؟ وقد سار بحزم في رقابته الإدارية لعماله وتابعهم بدقة.

هنا جلس شيخي وسرح ببصره بين شعور التقصير في البحث في هذا المجال وبين التصميم لفتح باب البحث والربط بين التقصير في أعمال الإدارة وبين الأحكام الشرعية، وقتها وقفت وقلت له الآن أنت شيخي بالفعل.

وسوم: العدد 859