الوقوع في الفخ

التحايل اللبناني على فخ الانهيار الاقتصادي يعني شيئاً واحداً، هو السقوط فيه.

هذه هي محصلة الأسبوع الماضي في بيروت. حاولوا إجهاض مظاهرة السبت 6 حزيران- يونيو، فوصلوا إلى فخ مظاهرات ليل الخميس 11 حزيران- يونيو، التي اشتعلت بعد هستيريا الدولار. تحايلوا يوم الخميس فسقطوا في فخ يوم الجمعة.

احتياطي النظام اللبناني المؤلف أساساً من ميليشيات الثنائي الشيعي، وإلى جانبه ميليشيات مسيحية تحاول استعادة دورها في الشارع، فقد القدرة على الفعل. ففي ليل السبت وجد أن إشعال النار في جمر الحرب الأهلية لم يصل إلى النتيجة المتوخاة، وهي إخافة الناس. فغيّر تكتيكه، وسمح لأهل الضاحية الجنوبية بالمشاركة في احتجاجات يوم الخميس. النتيجة كانت فاشلة أيضاً، لأن ضبط الدولار ليس بيد أحد. الدولار موجود في جيوب اللصوص وليس في أي مكان آخر، واللصوص يحكمون. تفتقت الحيلة عن قرار ضبط سعر الدولار عبر ضخ ما تبقى في الأسواق. الدولارات ستصير في جيوب المافيا، وستهرّب إلى الخارج، ويعود الدولار إلى الارتفاع. وانتهت الحيلة بالحرائق والتكسير في وسط بيروت، وقام حسّان دياب بتتويج عار التعيينات وبداحتها بخطاب أعلن فيه فشل الانقلاب على الحكومة، وانتصار حكومته على نفسها!

لا شيء يستطيع إنقاذ سلطة مافيا اللصوص، لا مواجهة الثورة ولا محاولة ركوبها، فالأزمة مستعصية ومعقدة رغم وضوحها. الأزمة لها اسم واحد هو إفلاس الدولة. لقد أفلست الدولة قبل قانون قيصر، وقبل انتفاضة 17 تشرين. أفلست لأنها سُرقت، ولأن سلطة أمراء الطوائف لم تكن سوى أداة نهب للدولة والمجتمع.

قمع الانتفاضة الشعبية لا يُجدي، لبنان ليس أمام صراع سياسي يمكن أن ينتهي بانتصار السلطة على المعارضة. لعبة البقاء في السلطة صارت عبثية وهدفها الوحيد هو تحصين مواقع اللصوص كي لا يتعرضوا للمساءلة ويُجبروا على دفع الثمن.

صحيح أن لبنان يواجه ضغوطاً أمريكية، لكن مواجهة الضغوط لا تكون بالهدر والنهب، مثلما جرى ويجري. الفريق السياسي الذي يُطلق على نفسه اسم محور المقاومة شريك مباشر في السلطة منذ 2006، وشريك مُضارب فيها منذ بداية الهيمنة السورية، وتسلم كل السلطة عام 2016، فماذا فعل؟

هل حاول إيقاف النهب أم شارك فيه على طريقته؟ هل اعتبر السلطة خدمة عامة، أم مجرد غطاء لمشاريعه الإقليمية؟ هل شعر بأن النظام الاقتصادي ذاهب للإفلاس لكنه صمت لأنه كان مستفيداً منه، أم لم يشعر بشيء لأنه كان مشغولاً بأمور أخرى؟

الجواب على هذه الأسئلة برز بُعيد انطلاق الانتفاضة في 17 تشرين. قرر حزب الله أن يحمي السلطة بكل الوسائل المتاحة بما فيها العنف ضد المتظاهرين، وألف مع شريكه العوني المستميت للبقاء في السلطة حكومة الظلال البائسة، ليكتشف أن السلطة الفاسدة عاجزة عن حل مشكلة الانهيار.

شرط وقف عجلة الانهيار هو إنهاء المحاصصة ووقف شهية النهب، وإصلاح القضاء والإدارة، وهذا محال في ظل تحكّم العصابات بالدولة.

الانهيار جارف ولا يستطيع هؤلاء إيقافه.

يحاولون شراء الوقت، لكنهم عاجزون، طغمة لا تبالي، وعجز مزمن، ووطن يتحلل فقراً وبؤساً.

ولكن لماذا سمحوا للضاحية والخندق بالمشاركة في المظاهرات؟

هناك من قال إن ميليشيات النظام أرادت امتطاء الثورة من أجل توجيهها ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تمهيداً لإقالته.

لكنهم لم يقيلوه، أو تراجعوا عن اقالته، أو لم يجرؤوا على ذلك.

ماذا يريدون؟

هل هي محاولة لسرقة الانتفاضة عبر امتطاء النمر، أم هي محاولة لعرض عضلات ضمرت أمام انهيار اقتصادي وسياسي شامل. أم هي انحناءة أمام سيل الغضب الجارف، القادر في أي لحظة على كسر الرهاب الطائفي الذي حجز جزءاً من فقراء لبنان وحولهم إلى احتياطي للنظام؟

من يستطيع أن يمتطي النمر؟

ما نشهده من تطورات دراماتيكية في الشارع يشير إلى أن ضبط الغضب بات مستحيلاً، فالناس لم يعودوا قادرين على تحمّل المزيد.

والناس يعرفون أن زعماء الطوائف ليسوا سوى لصوص وشبيحة لا همّ لهم سوى نهب ما تبقى.

وأن مصير لبنان بات اليوم في العتمة الشاملة.

نمر الانتفاضة الشعبية لا يستطيع أحد امتطاءه، فالمسألة صارت اليوم أكثر صعوبة مما يظنون.

سوف يلوِّحون بالحرب الأهلية، وسوف يتمترسون خلف الطائفية، لكن هذا لا يعني أنهم سينجحون في قلب الواقع وتحويل أفيون الطائفية إلى طعام يسد رمق الجائعين.

صحيح أن هناك شحناً طائفياً كريهاً، وأن هتافات «شيعة شيعة» وما يقابلها ويشبهها من هتاف طائفي مضاد، لا تعني سوى اللجوء إلى الحصن الأخير، لكن مشكلة هذا الحصن أنه تصدّع وصار مدخلاً إلى هاوية الانتحار الأخيرة.

يهددون بإحراق البلاد قبل سقوطهم، لكنه نسوا أن كل شيء احترق قبل تهديدهم، وأن ألاعيبهم لم تعد تنطلي على أحد.

وطن يُنحر بيد زعمائه.

لا، هذه ليست حرب الآخرين، فالآخرون هم حكام لبنان وزعماء طوائفه.

آن أن يرحلوا، من رئيس الجمهورية إلى رئيس المجلس النيابي، إلى رئيس الحكومة، إلى كل زعماء هذه التفليسة الاحتيالية المخيفة.

إما أن يرحلوا كي يكون لنا وطن، وإما أن يبقوا فيرحل الوطن.

وسوم: العدد 881