قطر 2022 عودة للاقتصاد السياسي للرياضة

عبد اللطيف النكادي

تجاوز مونديال قطر 2022 من حيث التنظيم وتطوير الرياضة والأثر الجيوسياسي كل الأرقام القياسية المسجلة في تاريخ الكؤوس السابقة. لقد أظهر الأوجه المالية والاقتصادية و الثقافية بقوة بينما اندحر الوجه السياسوي لغلاة المقاطعة الى الدرك الأسفل من حيث انفضاح خلفياته وانعدام فعاليته. في الواقع المنظور، بدت المزايدات والضغوطات السياسية مجرد أصداف فارغة اذ بموازاة الدعوة للمقاطعة والتهكم على التراث العربي العظيم لم يجرؤ أي بلد على سياسة حجرة الملابس الفارغة. فالسعي للكسب لم ولن يدفعهم الا ل"جني الغلة ولعن الملة". لقد أظهرت هذه الكأس اكثر من أي وقت مضى أساسا للتفسير الموضوعي: الاقتصاد السياسي للرياضة الذي يعري على قانوني "الليبرالية" الحقيقيين: قانون البقاء للأقوى والأغنى وقانون الحرص الدائم على تكريس اعدام المساواة والمنافسة الشريفة.

الاقتصاد السياسي للرياضة هو ذلك الفرع من علم الاقتصاد السياسي الذي يدرس العلاقات الجدلية والعميقة بين الرياضة و الاقتصاد بشكل عام وبالخصوص الأثر والتأثير على الأنشطة الاقتصادية للسلسلة الاقتصادية الرياضية. ومن الصعوبات التي تعترضنا لما نتحدث عن اقتصاد الرياضة، هو ذلك الغنى الواسع والتنوع البين لمجال الرياضة: رياضة الهواة، الرياضة الاحترافية، الرياضة الجماعية، الرياضة الفردية، الرياضة التنافسية ، الرياضة الترفيهية... لهذا سنقتصر على الرياضة الاحترافية وعلى كرة القدم. والمفارقة الثانية والتي تستمر منذ 1928،( سنة قرار تنظيم كأس العالم لكرة القدم)، هي: هل نعطي الأولوية للاقتصادي أم للسياسي في كرة القدم؟

تاريخيا، يرجع بنا أصحاب النظرة الممركزة على أوروبا الغرب الى أثينا والعابها الأولمبية بيد أن الرياضة تمتد الى ما قبل أثينا. فما تم تسجيله و توثيقه في تاريخ الرياضة يعيدنا إلى ما قبل التاريخ في اليابان وسومر بل الى جنوب البحر المتوسط في مصر وبالقرب من الجلف الكبير في ليبيا حيث أظهرت النقوش، السباحة والرماية التي مورست من حوالي 6000 سنة قبل الميلاد[1]. وهذا يعني أن تاريخ الرياضة قديم قدم البشر وليس طارئا مع اليونان الذين سبقتهم عدة حضارات. وكما يتم انكار كل الحضارات ما قبل اليونانية، لا يذكر مثلا أن لعبة كرة القدم في فلسطين برزت في بداية القرن العشرين وانضم فريقها للفيدرالية الدولية قبل انشاء دويلة صهيون بعشرات السنين (بين 1902 و 1934).

shjjhjhf10751.jpg

لعبة كرة القدم في باب الساهرة في القدس 1902

وفي الألفية الثانية، برزت الفيدراليات الدولية العصرية للرياضات بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (الجمباز في1881، كرة القدم في 1904...). كذلك ظهرت المنافسات الدولية ( الألعاب الأولمبية في 1896، كأس ديفيس في 1900، سباق فرنسا للدراجات في 1903، تأسيس جمعية فيدراليات ألعاب القوى أو IAAFفي 1912 ...). وقد تميزت هذه الفترة التاريخية بذروة القوة والمال للرأسمالية الصناعية وحضيض دول الجنوب الذي تعمقه الغارات والتحالفات الاستعمارية الأوروبية. في هذه الظروف كان لا بد من سيطرة المهيمنين على العالم على جل مناحي النشاط البشري من اقتصاد وسياسة وعلم وعسكرة ورياضة. وفي ظل منافسة هؤلاء الأقوياء على العالم كان كذلك طبيعيا بروز توجهات وتناقضات منها الصراع بين مناصري الرياضة الاحترافية التي تستهدف النتيجة والأرقام القياسية ومناصري الرياضة الهاوية التي ترمي وتتعلق بمبادئ التأسيس الأخلاقية ( احترام المنافس، اللعب العادل، الممارسة غير المنفعية أو نكران الذات " ٍ selfless practice" ...) هذا الصراع/المنافسة الذي أفضى الى فسح المجال لمتلازمتين فقط : الفرص الاقتصادية، والرهانات السياسية. وبهذا كانت ظاهرة المونديال ثمرة الهيمنة الغربية على العَالَم علميا وعسكريا واقتصاديا .

وهذا ما لوحظ بالفعل، حيث استعملت كل الأنظمة من ليبرالية ،الى فاشية مرورا بالنازية والشيوعية، السياسة بشكل فظ وواضح في الرياضة ترافقها بشكل تبعي ومحتشم الشركات التجارية والصناعية والمالية. وبرز هذا الارتباط وبشكل أقوى بين الحربين وطوال الحرب الباردة.

وهذا ما يؤيده كذلك علماء التاريخ والاقتصاد والسياسة. وقد أكد المؤرخان جان فرنسوا بورك وجان جاك كوكي Jean-François Bourg et Jean-Jacques Gouguet أنه : " لم تكن هناك استمرارية بين الرياضات "التقليدية" القديمة والرياضات العصرية بل قطيعة. فالثورة الصناعية في إنجلترا كانت مهد الرياضة العصرية "[2]

وبالأمس القريب مع بداية التسعينات واستفراد أمريكا بقيادة العالم، استعملت كرة القدم في تفكيك الدول. ففي الاتحاد اليوغوسلافي اختلقت الاشتباكات بين المشجعين خلال مباراة بين دينامو زغرب وريد ستار ببلغراد في مارس 1990. وتغذت الشوفينية بحقد الانتقام لإصابة العشرات بجروح خطيرة. وهكذا أعيدت الكرة في المُباريات بين سلوفان براتيسلافا المدعومة من السلوفاك وسبارتا براغ، مما أدى بتدحرج كرة الثلج الى المجازر ثم الى إعادة بلكنة أوروبا الشرقية فيما كرة القدم وظفت وهي بريئة براءة الذئب من دم يوسف.

خلاصة القول أن الرياضة لم تعرف استقطابا وتوظيفا الا في ظروف سانحة : رأسمالية استعمارية منتصرة ثم عالَم يتسم بالعنف الشديد اللاإنساني والتنافس الشرس المقزز.

نقطة تحول رئيسية لتعزيز القطاعات الاقتصادية للدول الكبرى

أما اليوم فالسياق الجيوسياسي لسنة 2022 يختلف عن سياق ما بين الحربين وعن ظروف الحرب الباردة. فهذه الأخيرة مثلا عرفت خصوصا ما بين 1970 و 1981 استعمالا كثيفا للمقاطعة بل حرمان كثير من الدول والأحلاف الجيوستراتيجية من تنظيم كأس العالم. وللعبرة التاريخية، لا بأس بالتذكير أنه وعلى الرغم من فوز الفاشية في تلميع صورتها بتنظيمها لكأس العالم سنة 1934 فلم يدم لها فضل الكأس الا أقل من عشر سنوات. فما بالك اليوم ونحن نعيش بداية انهيار أوروبا بل والغرب عامة وصعود نظلم عالمي جديد. أجل، لا زال هناك من يلعب ورقة الضغط والمقاطعة والتشويش رغم أن هذا التكتيك أصبح ذا نتائج عكسية. فالمقاطعة اليوم تعاقب من يستعملها أكثر ممن يكون هدفا لها. لذلك فالمقاطعون يغوصون في وحل المتناقضات، ويخبطون خبط عشواء بين سندان المقاطعة ومطرقة الاستفادة الاقتصادية. كما يغرقون في سخرية لم يعهدوها حيث أن العالم كله وبسطاء الأقوام عندهم وفي مستعمراتهم القديمة واعون بالازدواجية وبالكيل بمكيالين: فبفضل تكنولوجيا المعلومات الكل يعرف التناقض بين مقاطعة كأس قطر عند افتتاح الألعاب وعدم مقاطعة الشركات الغربية التي رافقت الاستثمارات القطرية لتتم الألعاب. كما أن الجميع على علم بالأرباح الضخمة التي حققتها الشركات العابرة للقارات ومجموعات CAC 40 الفرنسية. فلماذا بهتان التباكي هذا حول عمال الأوراش القطرية في حين تم غض الطرف عن تعذيب وضرب وقتل واعتقال اللاجئين الشرقيين في غابات أوروبا؟ ولماذا مسرحيات الحقوق الشغلية في قطر وعدم تطبيق القانون ضد شركة النفط الغربية المعروفة بفضائحها المتعددة والدعوة لمقاطعتها وهي التي لم تحترم قانون الشغل بل تعدته لاستعباد العمال و فرض السخرة عليهم تحت حراسة الجنود في بورما ؟

اليوم كذلك، يعتبر القطاع الاقتصادي للرياضة من قطاعات الوزن الثقيل للاقتصاد العالمي. وذلك اعتمادا على استحواذه على 2 % من الناتج الخام العالمي أي ما يعادل 1200 مليار دولار زيادة على أنه لا يتأثر بالأزمات. وبالفعل فالخلفية الاقتصادية أخضعت الرياضة لعقلانية التنظيم المقاولاتي والتسويق والربحية وتحولت المشاريع الكبرى لمناقصات عامة مكسبة. بل ان كل شيء أصبح يشترى ويباع. فاللاعبون أصبحوا سلعة والفرق أصبحت مقاولات. لكن المتفرج لم يتحول الى مستهلك مغفل. ففي مونديال 2018 كان المتفرجون في الرباط، مغاربة و أفارقة يصرخون أمام أجهزة التلفزة في المقاهي "الى الأمام افريقيا" في حين أن المباراة تجمع فرقا أوروبية وذلك لأن جل اللاعبين من أصول افريقية. وفي خضم انتقادات مونديال قطر بدأت في فرنسا (التي ستستضيف الألعاب الأولمبية 2024)، حملة ضد صناعة 90 % من التعويذات في الصين ، بل أخذت تزاوج بين التنديد بعدم احترام الصين لحقوق اليغور والدعوة لصنع التعويذات في فرنسا. لكن هذه الحملة بدت بئيسة وافتقدت للمناصرين.

واذا تابعنا مسار كأس العالم في كرة القدم منذ 1930 نجد أن معظم الدول التي نظمتها هي دول عظمى أوروبية، تليها لأسباب رياضية بحتة وسياسية ثلاث دول من أمريكا اللاتينية. ولم تلتحق دول خارج هذه المجموعة بنادي المنظمين الا ابتداء من سنة 2002.وهذالا ما ينم عن تحول مقبل اتجاه  الهيمنة الاقتصادية والسياسية الغربية. لأنها ليست ولن تكون أبدية ف "لكل شيء اذا ما تم نقصان" ودورة الحضارة والقوة حلزونية. وهذا يقع ضمن تحول هام يلوح في جميع الميادين والأنشطة البشرية.

shjjhjhf10752.jpg

اليوم اذن، يعود لثاني مرة بالتتالي تنظيم الكأس لدولة خارج النادي الغربي. وتسجل قطر اسمها بأحرف من ذهب صلب في قاعدة تمثال كأس العالم للفيفا كأول دولة عربية إسلامية. وكما في 2018 خلال كأس روسيا، تعود التحرشات والتشويش والتهديد بالمقاطعة النابعة من بغض جحافل العنصريين والحاقدين على الحضارة العربية الإسلامية لينضموا الى جوقة المنافقين الذين يبصقون في "صحن الشوربة". لكن القافلة القطرية بدأت مشوارها في 2008 لما عزمت على تنظيم الكأس قبل أن يؤول اليها رسميا تنظيمه وذلك عبر مخطط كبير للتنمية والتي ابهرت نتائجها العالم كله بعد 14 عاما من الجد والعمل.

يظهر هذا الجهد التنموي من خلال اللجوء الى تقنية مطابقة البيانات حيث يدل على الاجماع على أن الاستثمار بلغ 220 مليار دولار وتجلى ليس فقط في الثمانية ملاعب التي أبهرت العالم والتي تتسع لمليون ونصف متفرج، ولكن كذلك في تشييد البنيات التحتية ذات الجودة العالية من طرق وجسور جديدة وتحديث مجاري الصرف الصحي ونقل عام وفنادق وتجهيزات رياضية وتقنية ... وتتوقع قطر عائدا بحوالي 20 مليار على المدى القصير حيث توقع الرئيس التنفيذي لبطولة كأس العالم قطر 2022 ناصر الخاطر أن تحقق قطر عائدات بنحو 17 مليار دولارا نظير تنظيم البطولة العالمية. فعلى سبيل المثال تجاوزت مبيعات تذاكر المباريات 3 ملايين في آخر شهر غشت مما أدهش حتى مسؤولي الفيفا. أما على المديين المتوسط والطويل سيكون الأثر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والفني لتنظيم كأس العالم أكبر بكثير. فبالفعل تم تنشيط وتثمين عدة قطاعات من وكالات طيران الى شركات اعلام وتواصل وإشهار الى صناعات رياضية ونسيج وسياحة وفنادق ومطاعم... وفي ميدان التكنولوجيا الرياضية، ذكرت شبكة اورونيوز ان شركة SponixTech، قد تمركزت في قطر لمنح تكنولوجيا إعادة البث الغامر والاشهار الافتراضي ( أو ما يستدل عليه بالإنجليزية : immersive replay technology) مباشرة خلال المباريات. وتطمح هذه الشركة الى التواجد الدائم في أي مكان فيه رياضة لتكون من الشركات الرئيسية في الاشهار الرياضي في العالم[3].

ورغم كل هذه البيانات تركز كثير من وسائل الاعلام الغربية على بناء الملاعب فقط . فقالوا أنه لم يكن لقطر الا ملعب واحد سنة 2010 واصبح لها ثمانية وأن جل الأموال صرفت على الملاعب. غير أن مركز دراسات غربي فند افتراءاتهم، حيث أفاد مكتب Front Office Sports ان قطر " وظفت هذه المناسبة الرياضية الدولية لتنمية البلاد" وقد اعتمد على العديد من المعطيات حول البنايات، والفنادق والنقل والمواصلات ...ليخلص الى أنه " ضمن 220 مليار دولار، خصصت أقل من 10 مليارات لبناء الملاعب" أي ما دون 5%.

shjjhjhf10753.jpg

أما فيما يخص الفيفا، فقد ذكرت شبكة أورونيوز أنها قد تكون ربحت 5.4 مليار دولارا بفضل كأس العالم 2018 بارتفاع نسبته 16٪ مقارنة بإيراداتها في النسخة العشرين لعام 2014. وبما أنها منظمة غير ربحية فقد أعادت استثمار مبلغ " 4.3 مليار دولار في برامج كرة القدم" وبذلك تساهم في مزيد من فرص الربح للاقتصاد الرياضي والمقاولات الخاصة. ويجب التذكير كذلك أنه في 2018 بلغت حقوق البث التلفزي 3 مليارات دولار حسب نفس الشبكة الاخبارية التي اقتصرت على القول فيما يخص كأس 2022 أن نفقات الاشهار والتسويق " ستبلغ رقما قياسيا هذه السنة".

وبخلاف ذلك جاء في حديث ل " بودكاست: بعد أمس" للجزيرة بتاريخ 27 شتنبر الماضي قول ناصر الخاطر ان كلفة المشاريع تصل الى حوالي 8 مليارات فقط أي أقل مما أنفقت البرازيل أو روسيا. كما توقع أن تحقق قطر عائدات نظير تنظيم البطولة العالمية بنحو 17 مليار دولار.

طبعا تختلف المقاربات والمعايير المعتمدة. لكن الأكيد هو أن قطر كانت قد أعدت رؤيا مستقبلية للتنمية ومخططا بأفق 2030 فأضحى كأس العالم جزء ورافعة ومحفزا للتسريع والاضافات. كما أن الانتقادات لتي ركزت على عدم أهلية الشرق الأوسط عموما على تنظيم المونديال وعلى دونية الثقافة والعقلية العربية أججت العزم على التحديات فجاءت الانتصارات التي أبهظت كل المنتقدين.

مجمل القول هو التأكيد على الأثر والنتائج الاقتصادية والسياسية والديبلوماسية التي يغذيها تصاعد الكلفة ( فقطر كلفتها الكأس خمس مرات مجموع كلفة السبع كؤوس الأخيرة). ففي تصريح للشيخة العنود بنت مانع الهاجري المديرة العامة المساعدة ومديرة شؤون المركز المالي لقطر، نقلته يورونيوز أن الكأس: "مناسبة فريدة للتموقع على الخريطة الرياضية الدولية أو على الخريطة التجارية والاقتصادية الدولية، (...) و ما سيرون، هو بلد يتحول بسرعة الى عاصمة عالمية للتنمية المستدامة. فالمقاولات التي تسعى الى تغيير العالم ستعرف أنه المكان الأفضل حيث يمكنهم تحقيق ذلك وبصفة أحسن."[4]

وبالنسبة للبوابة الألمانية ستاتستا (Statista)، المتخصصة في الاحصائيات المنتقاة من المعاهد ذات الشهرة العالمية، فقد أكدت أن قطر " أنفقت 220 مليار دولار لضيافة التظاهرة" الرياضية مضيفة أن كأس العالم 2022 سيكون أغلى كأس في التاريخ. وبالفعل فمقارنة بكأس 2018 وبحساب بسيط نجد أن المبلغ يفوق 20 مرة ما أنفق من أجل دورة موسكو. أما اذا ما اعتمدنا المقارنة بالمؤشرات الاحصائية على أساس 100 عام 1994، تاريخ تنظيم الكأس بالولايات المتحدة، فان مؤشر سنة 2022 يقفز إلى 44000 (من 0.5 مليار دولارا الى 220 مليار دولارا).

ان هذا المسار هو مسار منطقي لجدلية الرياضة/الاقتصاد. بل ان جل اتجاهات اقتصاد كأس العالم لكرة القدم والرياضة الاحترافية بصفة عامة، هي ترجمة للتحولات التي تصاحب العولمة منذ نهاية الثمانينات. فالصراعات والرهانات والتنافسية، أصبحت قوية جدا حول المناقصات الدولية وفرص النمو والتوسع للشركات العابرة للقوميات وبالضبط في مجالات الطيران، والبناء والأشغال العمومية، والاعلاميات، والأمن.... ثم عن طريق القوة الناعمة الجديدة: التسويق الرياضي

shjjhjhf10754.jpg

كلفة تنظيم كأس العالم لكرة القدم من 1994 الى 2022. نشر بتاريخ 21-9-2022 المصدر:

https://fr.statista.com/statistiques/1334292/depenses-coupe-du-monde-par-edition/

وفي الواقع فان هذا المنحى التصاعدي للنفقات يدفع أكثر فأكثر رياضة الفرجة العالمية الى حضن الدول الغنية والى البيزنس أكثر فأكثر بينما تبقى السياسة والتشويش على هامش المنطق والانطلاق العالمي لهذه الرياضة ولو كره العنصريون فهم في الحقيقة الذين أصبحوا "بدوا في باريس". لأن كثيرا من بني جلدتهم لا يهمهم الا الربح المادي ولو باللجوء الى الضغط والفساد والرشوة... تماما كما بالأمس، لما كانوا يتغذون على المستعمرات في الجنوب ويدفعون البسطاء من بني جلدتهم غذاء للمدافع، باسم التفوق العرقي تارة ونشر الحضارة تارة أخرى. وهذا ما يلاحظه كبار المختصين في تاريخ الرياضة وتاريخ الاقتصاد السياسي للرياضة أمثال بورك و كوكي (Bourg et Gouguet) الذين قالوا بصدد نفاذية اقتصاد السوق للرياضة العصرية ان هذه الأخيرة " تدعو إلى التشكيك في القيم الأخلاقية التقليدية التي تشكل جوهر النشاط الرياضي. فالوسائل الاقتصادية تحل محل الهدف الرياضي، والنظام بأكمله ينقلب ويؤدي إلى نفيه: الابتزاز ، المنشطات ، الفساد ، الغش..."[5]. لهذا فانتصار قطر في زرع القيمة الأخلاقية والحضارية والدينية يعد انتصارا للقوة الناعمة الناشئة وللمراكز المالية الجديدة على العنف والارهاب والمال الغربي الذي طال واستطال.

وفي الختام لا بد من الانتباه الى أن العادة والقديم لا يموتان طوعا بل يتقوى عنادهم في لحظاتهم الأخيرة. لهذا فقد أبانت كأس العالم 2022 للأسف، أن البشرية لا زالت تحتاج الى المزيد من الوعي والتثقيف والانصاف حتى لا تبقى ضحية فئة أنانية و متغولة. وبالنسبة لفضلاء العالم فالمونديال فترة زمنية جيدة لمزاوجة الفرجة بمتعة حب وفهم الآخر وتعايش الشعوب والتسامح بالاطلاع على معتقدات الآخرين. وبالنسبة للمتغولين ما هي الا فرصة لمزيد من الظلمات والسلبيات. السياسية منها قام بها مسؤولون سياسيون كبار في المدرجات و لاعبو الكرة في الميادين (منها ما أدى الى إجراءات تأديبية). كما أن فريقا ثالثا تقوقع في الرفض والعدمية ليس فقط بدوافع مذهبية أو دينية، بل تسلل الرفض الى بعض العلوم مثل علم الاجتماع الرياضي أو السياسة. وهذا عالِم الاجتماع «جان ماري بروم» يصف كرة القدم بـ "الطاعون العاطفي". في حين يمكن تطهير كرة القدم مما يشوبها فهي مثل عدة ظواهر مرآة البشرية في حقبة من تاريخها. وفي هذا الصدد، نذكر أن نيلسون مانديلا نشاطر السيد بونيفاس الذي الف العديد من الكتب والمقالات حول مونديال كرة القدم في فكرتين طرحهما في حوار مع الصحفية ساندرين تولوتي. "تطرح عولمة كرة القدم تحديداً نفس السؤال الذي تطرحه العولمة نفسها: كيف نعيد خلق الإرادة السياسية للتحكّم في الديناميكيات الاقتصادية؟ كيف يمكننا صياغة القواعد للتوفيق بين الكفاءة واحترام قيمنا؟" ثم خلاصته بأن كرة القدم في الوقت الحالي، و رغم كل التجاوزات، تظلّ " أحد المساحات المُميّزة للديموقراطية. إنها توفِّر فرصاً للاندماج والتقدُّم الاجتماعي لا نجد لها مثيلاً في فضاءات المُجتمع الأخرى. كرة القدم تسمح لنا بأنْ نصبح ما نحن عليه لا ما نشأنا عليه!".[6]

[1] راجع تاريخ الرياضة ويكيبيديا

[2] Économie du sport. Jean-François Bourg, Jean-Jacques Gouguet nouvelle édition La Découverte.2005

[3] Qatar : focus sur le business autour de la Coupe du Monde de football. Euronews 14/09/2022.

[4] نفس المرجع السابق

[5] نفس المرجع السابق

[6] https://www.scienceshumaines.com/la-planete-football-entretien-avec-pascal-boniface_fr_14616.html

وسوم: العدد 1075