الفيل يا ملك الزمان

يسري الغول

[email protected]

حالة من الإعياء أنهكت جسدي بعد عودتي من جنازة عمي الذي توفي قبل يومين، أصابت قلمي وقلبي بالإرهاق، حيث تناثرت الأفكار فلم يعد هناك شيء أكتبه، أو أي فكرة تائهة ألتقطها على غفلة من الزمن. وما أن أبصرت عيناي صورة "فيل" حتى ارتسمت الابتسامة على وجهي، فقد تذكرت تلك المسرحية التي كتبها سعد الله ونوس، وهو أحد أعلام مسرح التسييس، فقد كان يوغل في وصفه لحالة القمع العربي ودور الأمن في تقويض مناحي الحياة من خلال الرمزية التي ضربت قواعد الأمة العربية.

وتتحدث تلك المسرحية، عن ملك ظالم متجبر، وله فيل متغطرس، يعيث في الأرض الفساد، حيث يرمز في تلك المسرحية للقوة والجبروت، والناس هناك تشكو فيما بينها هذا الرعديد، دون أن ينطقوا ببنت شفة أمام الملك أو بطانته. يصرخون ويولولون، دون أن يجرؤ أحد منهم على الشكوى أمام عرش الملك، ولكن يأتي رجل اسمه زكريا يشجعهم على تقديم الشكوى ويستحثهم ويستفز رجولتهم فيتحفزون ويتدربون على ما سيقومون به، ولكن تتغير الحكاية بعد ذهابهم إلى الملك ويسألهم ما يريدون، حيث يسيطر عليهم الخوف، فيقولون للملك: "الفيل يا ملك الزمان" ويكررونها، وعندما يسألهم: "ما شأنه" لا يجرؤون على الشكوى، أو التفوه بأي كلمة من شأنها أن تغضب جلالته، وإنما يقولون أنهم جاؤوا يقترحون تزويجه (أي الفيل). فيوافق الملك على الفكرة ويصدر فرماناً بإحضار فيلة وأمر بمكافئة بطل المسرحية "زكريا"، وتعيينه مرافقا دائما للفيل كما يأمر بإقامة فرح عام ليلة العرس.

عنوان المقال مأخوذ من نفس عنوان مسرحية الكاتب المسرحي سعد الله ونوس التي جسد فيها الحالة السياسية العامة التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية من تأزم وخوف سياسي وانتشار لثقافة الخوف والقهر ، وثقافة السرب ، وفيها أن سكان مدينه والمدينة ترمز لكل المدن العربية ضاق أهلها من فيل الملك الذي يعامله معاملة خاصة فيها الكثير من الدلال والحرية وعدم المساءلة أو العقاب ، وهنا قد يرمز الفيل إلى الأجهزة الأمنية القمعية ، والتمايز المعيشي الذي يعاني منه عامة الناس، من فقر وبطش وبطالة.

إن الفيل يمارس غطرسته بحرية، يفعل ما يشاء في المدينة، والناس من خوفهم يزيدون الأمر سوءاً، أو كما يقال في المثل الشعبي (أجا يكحلها عماها).

وهذه الأحداث لم تأت من فراغ، بل هي معايشة حقيقية وواقعية للهموم التي يحياها الفرد العادي في الوطن العربي، حيث الاستبداد والتسلط وانسحاق هذا المواطن من أجل الملك/القائد /الأمير أو أبناء الملك/القائد. فسمة التركز واحتكار وحب السلطة والتسلط مشتركة، رغم أن هناك نزعات خيرة في الإنسان، إلا حب السلطة والتسلط والرياسة والدعة والراحة يخلق في داخل ذلك الإنسان وحشا سياسيا واقتصادياً اسمه الاستبداد والتسلط والقهر .